حذّر البيت الأبيض من تداعيات اقتصادية وصفها بأنها “مدمرة” ستطال جميع الولايات الأمريكية الخمسين في حال استمرار الإغلاق الحكومي الأمريكي، محمِّلًا الحزب الديمقراطي المسؤولية الكاملة عن الأزمة التي شلّت قطاعات حيوية في البلاد.
وأوضح البيان الرسمي الصادر عن البيت الأبيض أن الديمقراطيين يتسببون في الأزمة من خلال ما وصفه بـ”احتجاز الحكومة رهينة” مقابل تمرير تمويل مخصص لبرامج الرعاية الصحية المجانية للمهاجرين غير الشرعيين، معتبرًا أن هذا السلوك يقود البلاد نحو خسائر اقتصادية كبيرة.
وأضاف البيان أن مجلس المستشارين الاقتصاديين التابع للإدارة الأمريكية حذر من أن الاقتصاد قد يخسر ما يصل إلى 15 مليار دولار أسبوعيًا من الناتج المحلي الإجمالي في حال استمرار الإغلاق، مشيرًا إلى أن التأثيرات ستكون شاملة على مستوى الوظائف، والإنفاق، والبرامج الاجتماعية في مختلف الولايات.
خسائر في الوظائف وتعطّل البرامج الحكومية
وفقًا لتحليلات البيت الأبيض، فإن جميع الولايات ستواجه فقدانًا في الوظائف وانخفاضًا في إنفاق المستهلكين، إلى جانب تعطل برامج حيوية يعتمد عليها ملايين الأمريكيين، بينها برامج الرعاية الصحية، والمساعدات الغذائية، ودعم الأسر ذات الدخل المحدود.
وأشار البيان إلى أن استمرار الإغلاق لمدة شهر واحد قد يؤدي إلى ارتفاع عدد العاطلين عن العمل بأكثر من 43 ألف شخص، في حين ستتأثر الفئات الأضعف -مثل النساء والأطفال- بشكل مباشر نتيجة فقدانهم خدمات الرعاية والإعانات الحكومية.
وأوضح أن فقدان الأجور الناتج عن توقف مئات الآلاف من الموظفين الفيدراليين عن العمل، إلى جانب تجميد العقود الفيدرالية وتقليص المشروعات الحكومية، سيؤدي إلى تراجع حاد في الإنفاق الاستهلاكي على المستوى الوطني، ما يهدد الاستقرار الاقتصادي على المدى القريب.
وأضاف أن تقليص النشاط الحكومي سيؤثر على قطاعات حيوية مثل التعليم، والبيئة، والخدمات العامة، كما سيؤدي إلى اضطرابات في سلاسل التوريد المرتبطة بالعقود الفيدرالية، وهو ما قد ينعكس على الأسواق العالمية أيضًا.
اقرأ المزيد: الإغلاق الحكومي في أمريكا.. تشريعات هشة وأزمة تهدد ملايين الأسر
اتهامات متبادلة بين الحزبين
في سياق لأزمة، اتهم البيت الأبيض الحزب الديمقراطي بانتهاج “أسلوب متهور” في التعاطي مع ملفات التمويل، مشيرًا إلى أن تمسك الديمقراطيين بتمويل الرعاية الصحية للمهاجرين غير الشرعيين هو السبب الرئيسي لتعثر المفاوضات داخل الكونغرس.
وأشار البيان إلى أن بيانات تفصيلية أُعدت داخل الإدارة الأمريكية تظهر حجم الضرر في كل ولاية، مؤكدة أن هذا “النهج المتشدد” يهدد الأمن الاقتصادي والاجتماعي للولايات المتحدة بأسرها.
وخلال مؤتمر صحفي رسمي في واشنطن، قالت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إن الديمقراطيين “يواصلون احتجاز البلاد رهينة” من أجل تمرير تمويل غير عقلاني، مؤكدة أن الرئيس دونالد ترامب يهدف مع الجمهوريين إلى إعادة فتح الحكومة في أسرع وقت ممكن.
وأضافت ليفيت: “ما يقوم به الديمقراطيون هو جنون سياسي، إنهم يضرون بالمواطن الأمريكي من أجل خدمة غير الشرعيين، بينما الرئيس ترامب والجمهوريون يعملون ليل نهار لإعادة المؤسسات إلى العمل وإنهاء المعاناة التي يعيشها الشعب”.
وشددت على أن الإدارة الأمريكية تبذل كل الجهود الممكنة للتوصل إلى اتفاق داخل الكونغرس يسمح بتمويل عاجل للمؤسسات الفيدرالية واستعادة الخدمات الأساسية. ويرى مراقبون أن الإغلاق الحالي يحمل تداعيات مزدوجة، اقتصادية وسياسية، قد تمتد آثارها إلى الانتخابات المقبلة، إذ يخطط كل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي إلى تحميل الآخر مسؤولية الشلل الحكومي.
أزمة سياسية واقتصادية
وفي هذا السياق، صرّح الدكتور عمرو يوسف، أستاذ التشريعات الاقتصادية، أن الأزمة التي تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية اليوم بعد إعلان الإغلاق الحكومي ليست مجرد خلاف مالي عابر، بل هي أزمة سياسية بامتياز تعكس عمق الانقسام الأيديولوجي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وتكشف هشاشة منظومة التمويل الفيدرالي الأمريكي في ظل التجاذبات الحزبية الحادة.
وأوضح الدكتور يوسف أن الكونغرس الأمريكي فشل في تمرير قانون تمويل الحكومة الفيدرالية قبل بدء السنة المالية الجديدة في الأول من أكتوبر، مما أدى إلى توقف فعلي في عمل المؤسسات الحكومية بعد نفاد التمويل اللازم لاستمرار أنشطتها، لتدخل البلاد في ما وصفه بـ”حالة شلل مؤسسي مؤقت”.
وأضاف أن الإغلاق الحكومي دخل حيز التنفيذ رسميًا فجر الأحد بتوقيت واشنطن، عقب انهيار المفاوضات بين الديمقراطيين والجمهوريين بشأن بنود الموازنة العامة، حيث تمسك كل طرف بموقفه السياسي على حساب الحلول الوسط.
تعطل قطاعات حيوية و750 ألف موظف في إجازة قسرية
أشار الدكتور عمرو يوسف إلى أن تداعيات الإغلاق تمتد على نطاق واسع، إذ أجبر نحو 750 ألف موظف اتحادي على إجازة مؤقتة غير مدفوعة الأجر، مع احتمال فصل بعضهم إذا طال أمد الأزمة، بينما توقفت العديد من المكاتب والهيئات الحكومية، وبعضها قد يُغلق بشكل دائم.
ولفت إلى أن القطاعات الحيوية مثل التعليم والبيئة والخدمات العامة ستكون الأكثر تضررًا، في حين يستمر العمل في القطاعات الأمنية والعسكرية ومراقبة الطيران فقط، ولكن دون صرف رواتب للعاملين بها، مؤكدًا أن هذا الوضع يضع الاقتصاد الأمريكي أمام اختبار صعب.
وأوضح يوسف أن جوهر الأزمة يتمثل في صراع سياسي حاد بين الديمقراطيين والجمهوريين حول أولويات الإنفاق العام، حيث قدم الديمقراطيون مقترحًا لتمويل طويل الأجل يتضمن دعم برامج الرعاية الصحية وإلغاء التخفيضات عن بعض المبادرات الحيوية، مثل برنامج “ميدك إيد”، بينما طرح الجمهوريون خطة مؤقتة للتمويل لمدة سبعة أسابيع فقط دون إدخال أي تغييرات سياسية.
وأضاف أن هذا الانقسام الحزبي أدى إلى تجميد العملية التشريعية بالكامل، مشيرًا إلى أن “المفاوضات لم تكن مالية بقدر ما كانت سياسية، إذ يحاول كل طرف فرض أجندته التشريعية عبر آلية التمويل الحكومي”.
خسائر الإغلاق الحكومي الأمريكي
أكد أستاذ التشريعات الاقتصادية أن كل يوم من الإغلاق الحكومي يكلف الولايات المتحدة نحو 400 مليون دولار في الأجور فقط، بينما يحرم ما يقارب أربعة ملايين موظف من رواتبهم، الأمر الذي ينعكس مباشرة على الطلب الداخلي وحركة الأسواق.
وأشار إلى أن آخر إغلاق حكومي في عهد الرئيس ترامب استمر 35 يومًا وتسبب بخسائر تجاوزت 11 مليار دولار، منها نحو 3 مليارات لم يتم استردادها حتى بعد إعادة فتح الحكومة، وهو ما يجعل الإغلاق الحالي مصدر قلق كبير للمؤسسات الاقتصادية والمستثمرين حول العالم.
وفي قراءته للمشهد السياسي، قال الدكتور عمرو يوسف إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألقى باللوم على الحزب الديمقراطي، متهمًا إياه برفض “القيام بالأمر الصحيح”، وربط تمويل الحكومة بتمديد مزايا الرعاية الصحية للمهاجرين غير النظاميين.
في المقابل، شدد زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر على أن الجمهوريين يصرون على فرض أجندتهم دون تقديم تنازلات، مشيرًا إلى أن الديمقراطيين “يحاولون حماية المواطنين من ارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة السياسات الاقتصادية غير المتوازنة”.
أما زعيم الأغلبية الجمهورية جون ثون، فقد أكد أن الجمهوريين لم يفرضوا سياسات جديدة، بل طالبوا فقط بتمديد مستويات التمويل الحالية لإتاحة استمرار العمل التشريعي المشترك، مشيرًا إلى أن “الديمقراطيين هم من رفضوا المقترح لأسباب سياسية”.
تعطّل الوزارات والمنتزهات العامة والمتاحف
أوضح الدكتور يوسف أن الإغلاق الحكومي يعني عمليًا توقف الوزارات والمؤسسات الفيدرالية عن العمل، بما في ذلك المتاحف والمنتزهات العامة والمكاتب الإدارية، وهو ما يخلق حالة من الفوضى الإدارية ويضعف ثقة المواطن الأمريكي في مؤسسات الدولة. وأضاف أن التأثير الشعبي سيكون واسعًا، حيث ستتعطل الخدمات العامة وتلغى الفعاليات الثقافية والتعليمية، وهو ما يعمّق الإحباط الشعبي ويزيد الضغط على الإدارة الأمريكية لإيجاد تسوية عاجلة.
وحذر الدكتور عمرو يوسف من أن هذه الأزمة قد تكون مقدمة لصراع انتخابي محتدم مع اقتراب الانتخابات النصفية القادمة، مشيرًا إلى أن كِلا الحزبين سيحاول تحميل الآخر مسؤولية الشلل الحكومي. وقال إن “ترامب لن يقدّم تنازلات كبيرة، فهو لا يتراجع بسهولة في المواقف السياسية، لكن استمرار الأزمة لفترة طويلة سيؤثر على شعبيته بين الناخبين، خاصة مع توقف الرواتب وتراجع الخدمات العامة”.
وأشار إلى أن الأسواق المالية بدأت تعكس حالة القلق، إذ ارتفعت أسعار الذهب فور إعلان الإغلاق، ما يعكس لجوء المستثمرين إلى الملاذات الآمنة تخوفًا من تداعيات الأزمة على الاقتصاد الأمريكي والعالمي.
واختتم الدكتور عمرو يوسف تصريحاته بالتأكيد على أن الإغلاق الحكومي الحالي لا يعكس فقط أزمة مالية، بل أزمة حكم حقيقية في دولة تعاني من انقسام سياسي وشعبي عميق. وقال إن “الولايات المتحدة تمر بمرحلة استقطاب غير مسبوقة، حيث أصبح التمويل أداة ضغط حزبية لا وسيلة إدارة اقتصادية”، مشيرًا إلى أن الحل لن يكون تقنيًا بل سياسيًا في المقام الأول.
وأضاف:“إذا استمر التعثر في التوصل إلى تسوية، فإن الاقتصاد الأمريكي لن يخسر فقط مليارات الدولارات، بل سيخسر ثقة مواطنيه في قدرة مؤسساته على العمل بعيدًا عن صراعات المصالح الحزبية”.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد الأمريكي بين أزمة هيكلية وشبح الإغلاق الحكومي
