تقارير اقتصادية

    أصول روسيا المجمدة: بين إنقاذ أوكرانيا ومخاطر هز الأسواق

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •8 دقائق
    أوكرانيون يحتجون في بروكسل، بلجيكا، للمطالبة بمصادرة أصول البنك المركزي الروسي المجمدة.
    أوكرانيون يحتجون في بروكسل، بلجيكا، للمطالبة بمصادرة أصول البنك المركزي الروسي المجمدة.

    منذ بداية النزاع بين روسيا وأوكرانيا في 2014، وما تبعه من غزو في 2022، تعرضت أوكرانيا لأضرار هائلة في بنيتها التحتية والاقتصاد. ومع تزايد الدعوات الدولية لإعادة إعمار أوكرانيا، برزت فكرة استخدام الأصول الروسية المجمدة كمصدر تمويل لهذه العملية كخيار عملي وفعّال.

    وكشف تقرير للبنك الدولي أن تكلفة إعادة إعمار أوكرانيا اقتربت من 500 مليار دولار حتى الآن، فيما قدر رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي التعويضات المناسبة لإعادة الإعمار بـ(600–800) مليار دولار.

    أين تتركز أصول روسيا المجمدة؟

    واستجابةً للعقوبات الدولية التي فرضت على روسيا بسبب الحرب على أوكرانيا، تم تجميد الأصول الروسية في الخارج، ومنها احتياطيات البنك المركزي، وأصول الأثرياء والشركات الروسية، وتعتبر هذه الأصول المحتجزة فرصة ذهبية لتوفير التمويل اللازم لإعادة بناء أوكرانيا.

    وقرر الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول السبع وأستراليا تجميد أصول للمركزي الروسي بقيمة 300 مليار دولار أمريكي، وذلك على شكل أوراق مالية ونقد، وتمت عملية التجميد بشكل رئيس عبر مؤسسة المقاصة الأوروبية “يوروكلير” التي تقع في بلجيكا.

    علاوة على ذلك تم فرض عقوبات على شخصيات روسية بارزة، مما أدى لتجميد أصول إضافية بقيمة 58 مليار دولار.

    يُذكر أن الجزء الأكبر من هذه الأصول المجمدة موجود حاليًا في أوروبا، ويعود السبب إلى أن موسكو سحبت معظم أصول البنك المركزي من الولايات المتحدة في 2018، بعد جولات سابقة من العقوبات.

    اقرأ أيضا: من ينتصر.. قيصر روسيا أم الغرب؟

    صندوق دولي لإعادة الإعمار

    وتقول الدكتورة مروى خضر، الخبيرة المصرفية، إن استخدام الأصول الروسية المجمدة في إعادة إعمار أوكرانيا يتطلب تعاوناً دولياً معقداً، كما يجب على الدول التي جمدت الأصول إقرار تشريعات تسمح باستخدامها في تمويل إعادة الإعمار، والتنسيق بين الحكومات والمؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

    واقترحت الخبيرة إنشاء صندوق دولي تحت إشراف منظمة مثل البنك الدولي، مخصص لإعادة إعمار أوكرانيا، ليتم تحويل الأصول المجمدة للصندوق لاستخدامها في المشاريع المختلفة.

    وأوضحت خضر، في تصريحات خاصة، أن استخدام الأصول الروسية المجمدة لإعادة إعمار أوكرانيا يمكن أن يحقق عدة فوائد؛ منها إعادة بناء البنية التحتية، حيث تعاني أوكرانيا من دمار واسع في البنية التحتية الحيوية مثل الطرق والجسور والمباني العامة.

    وأضافت: "سيؤدي الاستثمار في إعادة الإعمار إلى تحفيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل جديدة، وتحسين الظروف المعيشية للسكان، كما سيعزز الاستقرار في المنطقة، ويقلل تأثير النزاع على الدول المجاورة".

    تحديات ومخاطر استخدام الأصول الروسية

    وأشارت خضر إلى وجود عدة تحديات محتملة في استخدام الأصول الروسية المجمدة لإعادة إعمار أوكرانيا، منها:

    • المعارضة السياسية: قد تواجه هذه المبادرة معارضة من بعض الدول أو الجهات التي تفضل استخدام الأصول المجمدة بطرق أخرى.

    • التعقيدات القانونية: تحويل الأصول المجمدة يتطلب تجاوز عقبات قانونية معقدة، والتعامل مع قضايا الملكية والحقوق.

    • الفساد: لضمان نجاح إعادة الإعمار، يجب مواجهة تحديات الفساد وضمان أن تصل الأموال إلى المشاريع المستهدفة بالفعل.

    واختتمت الخبيرة قائلة إن إعادة إعمار أوكرانيا باستخدام الأصول الروسية يمثل حلاً عملياً ومبتكراً لتمويل عملية البناء والتعافي، ولكن يتطلب تنسيق دولي وآليات شفافة.

    مصادرة الأصول الروسية قرار خطير

    ويقول الدكتور محمد عبدالهادي، خبير أسواق المال، إن أوكرانيا والدول الغربية الحليفة تعكف منذ فترة طويلة على دراسة كيفية الاستفادة من الأصول الروسية المجمدة في إعادة إعمار أوكرانيا إلا أن هذا القرار محفوف بالمخاطر. 

    ولفت إلى أن روسيا حذرت الولايات المتحدة وحلفاءها من اتخاذ أية قرارات تخص الأصول الروسية، مشيرًا إلى أن الاستيلاء على الأموال الروسية يعد انتهاكًا للقانون الدولي سينتج عنه رد فعل مماثل من روسيا، كما أنه يفقد الثقة في النظام الاقتصادي العالمي.

    وحول مخاطر استخدام الأصول الروسية لإعادة الإعمار، يقول عبدالهادي إن استخدامها يتضمن العديد من المخاطر، أهمها خرق مبدأ حرمة الملكية الخاصة، وهو مبدأ أساسي في النظام الاقتصادي العالمي، مما يقوض استقرار الأسواق العالمية وثقة المستثمرين.

    وأضاف عبد الهادي، في تصريحات خاصة، أن تلك الخطوة تهدم شرعية النظام القائم على القواعد إذا رأت دول العالم أن الدول القائدة للنظام العالمي تنتهك القواعد عندما لا تكون ملائمة لها، وهذا يرسل رسالة سلبية لبقية دول العالم، بالإضافة إلى أنه سيخلق سابقة قانونية تُستخدم مستقبلاً لتجميد أو مصادرة أصول دول أخرى في حال الخلافات السياسية أو الاقتصادية.

    اقرأ أيضا: تصعيد فرنسي أمريكي ضد بكين وموسكو

    اضطراب الاقتصاد العالمي 

    أوضح الخبير أن أبرز المخاطر التي يمكن أن تواجه الاتحاد الأوروبي تتعلق  بالقلق من ردود انتقامية روسية قد تستهدف الأصول الأوروبية المجمدة لديها، ما يؤدي إلى زعزعة الاستقرار المالي العالمي ويضر بمركز اليورو كعملة احتياطية، ويزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق. 

    ولفت عبد الهادي إلى أن هذا الإجراء قد يشجع المودعين، خصوصاً من الأسواق الناشئة على سحب أموالهم من البنوك الغربية، مما يؤدي إلى تفتيت النظام المالي العالمي، نتيجة لخروج رؤوس الأموال، ما يؤثر سلباً على اقتصادات الدول الغربية.

    ويرى الخبير أنه في حين أن الأموال المجمدة يمكن أن تساعد في تمويل إعادة إعمار أوكرانيا، فإن استخدامها قد يكون له تأثيرات سلبية على المدى الطويل، ففي حال عدم وجود توافق دولي على استخدامها فإنّ ذلك قد يؤدي إلى تقليل الدعم الدولي لأوكرانيا، ويهدم جهود إعادة الإعمار ويطيل أمد الأزمة الاقتصادية في البلاد.

    ووصفت الدكتورة مروة الشافعي استخدام الأصول الروسية المجمدة في إعادة إعمار أوكرانيا بأنها “قضية مثيرة للجدل تحمل في طياتها مخاطر قانونية واقتصادية وسياسية”، كما لفتت إلى ضرورة  التوازن بين الحاجة إلى دعم أوكرانيا والحفاظ على الاستقرار الدولي ما يستوجب دراسة متأنية وتوافقًا دوليًا لضمان عدم تفاقم الأوضاع الحالية.

    وترى الشافعي أن مصادرة الأصول الروسية من قبل دول مجموعة السبع يحمل العديد من المخاطر، وقد يكلف تلك الدول ما يقرب من 83 مليار دولار قيمة استثماراتها في الاقتصاد الروسي.

    وأوضحت الشافعي أن بريطانيا أكبر مستثمر في الاقتصاد الروسي، ويقدر حجم الأصول البريطانية بنحو 18.9 مليار دولار، وتليها ألمانيا في المركز الثاني باستثمارات تبلغ 17.3 مليار دولار، ثم فرنسا وتقدر أصولها في روسيا 16.6 مليار دولار، ثم إيطاليا بأصول بقيمة 12.9 مليار دولار، فيما سجلت الاستثمارات الأمريكية في الاقتصاد الروسي 9.6 مليار دولار، أما الاستثمارات اليابانية فقد بلغت 4.6 مليار دولار، وأخيرًا الاستثمارات الكندية بقيمة 2.9 مليار دولار.

    استخدام الأصول الروسية المجمدة

    ولفتت الشافعي إلى موقف روسيا الرافض لاستخدام أصولها المجمدة لتمويل إعادة إعمار أوكرانيا، باعتباره انتهاكًا للقانون الدولي، وأشارت إلى أن مصادرة الأصول دون حكم قضائي تمثل سابقة خطيرة قد تهدد حقوق الملكية الخاصة وتفتح الباب لسوء الاستخدام، خاصةً في ظل عدم وضوح الأساس القانوني لاستخدام الأموال

    واتفقت الخبيرة مع رأي الدكتور محمد عبد الهادي، وحذرت من أن استخدام الأموال المجمدة قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار المالي العالمي وفقدان الثقة بالنظام المالي الدولي، مما قد يشجع على مصادرة الأموال في المستقبل لأغراض سياسية، بالإضافة إلى تصعيد التوترات بين روسيا والدول الغربية، ما يسبب تفاقم النزاعات.

    وأوضحت الخبيرة المصرفية أن الأموال المجمدة تخضع للقوانين الدولية، وأن استخدامها يتطلب موافقة من مجلس الأمن الدولي، ودون هذه الموافقة تبقى الأسس القانونية لهذه الخطوة محل شكوك.

    وذكرت الشافعي أن هناك قيودًا قانونية وسياسية على استخدام الأصول المجمدة لدعم أوكرانيا، منها اتفاقيات جنيف التي تنص على حماية ممتلكات الدولة خلال النزاعات المسلحة، واستخدام الأصول المجمدة قد يعتبر خرقًا لهذه الاتفاقيات، بالإضافة إلى أن استخدام الأصول المجمدة في العديد من الدول يتطلب موافقة قضائية أو تشريعية.

    كما يمكن للكيانات المتضررة مثل الحكومة أو الشركات الروسية رفع دعاوى قضائية للطعن في استخدام تلك الأصول، وفي حال تم استخدامها فإنّ ذلك قد يؤدي إلى فرض عقوبات اقتصادية متبادلة تؤثر على التجارة العالمية.

    مسار التعافي الأوكراني

    وفي سياق متصل، أعلنت مؤسسة التمويل الدولية عن مبادرة جديدة بقيمة 1.18 مليار دولار تهدف إلى تسريع الاستثمار الخاص في إعادة إعمار أوكرانيا، رغم استمرار الحرب مع روسيا واستقالة رئيس إعادة الإعمار الحكومي.

    تتضمن الحزمة، التي تم الإعلان عنها في 11 يونيو 2024 في مؤتمر التعافي الأوكراني في برلين، تمويل مشروع لطاقة الرياح بقدرة 350 ميجاوات، وإنشاء شركة وطنية رائدة في مجال الاتصالات، وتقديم ضمانات لإطلاق مليار يورو من الاستثمارات العقارية.

    يأتي هذا الإعلان في وقت يشهد فيه الاستثمار الأجنبي المباشر في أوكرانيا انتعاشًا، حيث وصل الإنفاق الرأسمالي الأجنبي إلى 5.5 مليار دولار في العام الماضي، وهو ثالث أعلى مستوى على الإطلاق وفقًا لأسواق الاستثمار الأجنبي المباشر.

    وسبق وصرح ألفونسو جارسيا مورا، نائب رئيس مؤسسة التمويل الدولية لأوروبا وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، قائلًا: “لم نتوقع أبدًا أن تستمر هذه الحرب لفترة طويلة، واعتقدنا أننا يمكننا البدء في إعادة الإعمار مبكرًا”. وأضاف: “لهذا السبب حولنا تركيزنا إلى قطاعات الاقتصاد كثيفة الأصول التي تضررت بشدة بسبب الحرب”.

    دور الشركات الخاصة

    وتتوقع مؤسسة التمويل الدولية أن تسهم الشركات الخاصة في جهود إعادة الإعمار وبقيمة تبلغ 486 مليار دولار، خلال العقد المقبل. وأضاف جارسيا مورا: “لا يوجد تمويل من المانحين يمكنه في الواقع تغطية هذه الفجوة، لذلك نحن بحاجة إلى الاستفادة من رأس المال الخاص، وهذه هي الطريقة الوحيدة لتمويل إعادة الإعمار بشكل حقيقي”.

    في الأشهر الأخيرة، تعهد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بتقديم مساعدات تزيد عن 100 مليار يورو لأوكرانيا، كما وافق الاتحاد الأوروبي، إلى جانب مجموعة السبع، على استخدام الأرباح من الأصول الروسية المجمدة لمساعدة أوكرانيا، لكن هذه الأموال مخصصة في المقام الأول لتمويل الدفاع العسكري والإدارة اليومية للاقتصاد الأوكراني.

    كما أعلن البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير (EBRD) في مؤتمر التعافي الأوكراني دخوله في مشروع مشترك مع شركة Goldbeck Solar الألمانية لتطوير ما يصل إلى 500 ميجاوات من مشاريع الطاقة الشمسية في البلاد.

    في قطاع الاتصالات، تعمل مؤسسة التمويل الدولية والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية على تمويل مشترك بقيمة 435 مليون دولار مع شركة الاستثمار الفرنسية NJJ Capital للاستحواذ ودمج شركتي الاتصالات الأوكرانيتين، DataGroup-Viola وLifecell، لتشكيل شركة اتصالات وطنية رائدة.

    وتقوم مؤسسة التمويل الدولية أيضًا بتمويل تحديث أسطول الشحن النهري لشركة الدانوب الأوكرانية للشحن، وذلك بهدف زيادة التدفقات التجارية على طول النهر وجذب المزيد من الاستثمارات الخاصة.

    وأخيرًا أعلنت المؤسسة، بالتعاون مع المفوضية الأوروبية، عن برنامج ضمان بقيمة 367.5 مليون يورو من المتوقع أن يسهل ما يزيد عن مليار يورو من الاستثمار في التصنيع والبنية التحتية لدعم المشاريع العقارية.