تقرير: باسل محمود
بُنيت على مدار أشهر في الأسواق العالمية، رهانات كبيرة على الين الياباني، وهي رهانات معقدة على العملات المشفرة، واستثمارات في شركات التكنولوجيا الساخنة. ما تشترك فيه جميع هذه الصفقات، هي الجرعات الثقيلة من الرافعة المالية، أو الأموال المقترضة، التي استخدمها المستثمرون لتضخيم الأرباح المتوقعة.
مع صعود الأسواق خلال النصف الأول من عام 2024، حققت الاستثمارات أرباحاً ضخمة، مما ألهم المتداولين الآخرين للانضمام إلى الركب، ودفع الأسعار إلى الارتفاع.
الآن، تغيرت الأمواج، وعادت الاضطرابات إلى الأسواق العالمية خلال الشهر الماضي، وبدأ المستثمرون في التراجع عن هذه الصفقات التي كانت لا تقهر. بينما هدأت الأسواق في الأيام الأخيرة، وبقي مؤشرات داو جونز ضمن 5% من أعلى مستوياته القياسية، ويحذر المتداولون من أنه يجب الاستعداد لمزيد من الاضطرابات.
تخفيض الرفع المالي في الأسواق العالمية
يقول محلل أسواق المال، محمد هشام، إنه في الأشهر الأخيرة، شهدت الأسواق العالمية عملية مهمة تُعرف باسم “تخفيض الرفع المالي”، أو الـ”Deleveraging” وهو مصطلح قد يبدو فنياً ولكنه يحمل تداعيات عميقة للمستثمرين والأسواق على حد سواء.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ”Econ-pedia” أن تخفيض الرفع المالي يحدث عندما يقوم الأفراد أو الشركات أو المؤسسات المالية، بتقليص ديونها عن طريق بيع الأصول لجمع رأس المال.
“غالباً ما تؤدي هذه العملية إلى تقلبات في الأسواق المالية، مما يؤدي إلى تحركات مفاجئة في الأسعار، وفي بعض الحالات، تأثير اقتصادي أوسع”.. بحسب هشام.
أوضح أن ما حدث مؤخراً، ينطوي على رهانات كبيرة على الين الياباني، ومراهنات معقدة على العملات المشفرة، والاستثمارات في شركات التكنولوجيا القوية، كتذكير صارخ بالمخاطر الكامنة في المشهد المالي المضاربي المتزايد.
الين الياباني أبرز مثال في الأسواق العالمية
يقول هشام، إن أحد أبرز الأمثلة على تخفيض الرفع المالي الأخير يتعلق بالين الياباني.
“لسنوات عديدة، كان الين خياراً شائعاً لتداولات الـ Cary Trade، حيث يقترض المستثمرون بعملات منخفضة العائد مثل الين للاستثمار في أصول ذات عائد أعلى في أماكن أخرى، ومع ذلك، ظلت السياسة النقدية لبنك اليابان تسهيلية، مما تسبب في إضعاف الين مقابل العملات الرئيسية الأخرى”.. قال كبير استراتيجي الأسواق في “غولدزون”.
أضاف: “نتيجة لهذا، وجد المستثمرون الذين راهنوا على قوة الين أنفسهم على الجانب الخطأ من المعادلة، مما أدى إلى خسائر فادحة”.
ما الذي يكمن وراء الاضطراب في الأسواق العالمية؟
يقول المحلل الأول لأسواق المال في مجموعة “Equiti” أحمد عزام، إن تداولات مناقلة الفائدة، تعتبر واحدة من أكثر الطرق آماناً، حيث يلجأ المستثمرون إلى الاقتراض بالين الياباني ذو الفائدة المنخفضة، لشراء العملات أو السندات أو أصول استثمارية آخرى، التي تُدر فوائد أعلى.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ”Econ-pedia” أنَّ ذلك رفع حالة الإقراض الأجنبي للبنوك اليابانية إلى أرقام قياسية، لكن تعرضت استثمارات السندات الأمريكية على مدار الشهر الماضي إلى تراجع الربحية مع تراجع عوائد السندات الأميركية في ظل احتمال تخفيض أسعار الفائدة الفيدرالية وتوقعات أن يتحرك الفيدرالي بشكل سريع، في ظل مخاوف احتمال انزلاق أكبر اقتصاد في العالم إلى الركود، كما أن بنك اليابان رفع سعر الفائدة وتوقعت الأسواق المزيد من عمليات تشديد السياسة النقدية، مما قلص الفجوة بين فوائد الأدوات الاستثمارية، وإجبار المستثمرين على التراجع عن خطوة الاقتراض، نظراً لارتفاع تكلفة الإقراض بالين الياباني، والخوف من ارتفاع التكلفة أكثر في المستقبل.
يقول عزام: “المخاطر هي ليست عملية مناقلة الفائدة، بل هي أداة عملية مناقلة الفائدة، حيث يعتمد المستثمرون في كثير من الأحيان على الرافعة المالية لتعظيم الأرباح المتوقعة، وارتفع الطلب بشكل متتالي في الفترة الماضية مع ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى والناشئة، والذي دفع العديد من المستثمرين الجدد للدخول في تلك التجارة، وشراء الأصول الاستثمارية الآخرى، مثل أسهم شركات التكنولوجيا والعملات الرقمية وعملات الاقتصادات الناشئة، لتحقيق المزيد من الأرباح والتي تقع ضمن قائمة أصول المخاطرة”.
اقرأ أيضًا: كيف قلبت استراتيجية الـ “كاري تريد” الأسواق رأسا على عقب؟
تقليص المخاطر
يمكن أن تجبر التغيرات في الظروف الاقتصادية أو المالية المستثمرين، على بيع جزء من محافظهم، مثل الأسهم الأميركية أو اليابانية، للتعامل مع الخسائر من رهانات أخرى، مثل رهانات الرافعة المالية على الين الضعيف، وتستغرق عملية تقليص المخاطر وقتاً، قبل أن يتمكن المتداولون من إعادة التوظيف.
كان شهر يوليو 2024، أحد أكبر فصول التخفيض الرفع المالي لعملاء صناديق التحوط في بنك جولدمان ساكس في السنوات العشر الماضية.
أوضح هشام، أنه مع تزايد هذه الخسائر، اضطر المستثمرون إلى تصفية مراكزهم، وبيع الأصول لتغطية رهاناتهم بالاستدانة، وساهمت عملية خفض الاستدانة هذه في تحركات حادة في الين، مما أدى إلى تفاقم تقلبات السوق.
“الدرس هنا واضح حتى أكثر عمليات تداول العملات استقراراً على ما يبدو يمكن أن تتغير عندما تتغير ظروف السوق، مما يسلط الضوء على مخاطر الاستدانة المفرطة في أسواق العملات”.. بحسب هشام.
ذعر بسبب مخاوف ركود الاقتصاد الأميركي
“مع مخاوف الركود في الاقتصاد الأمريكي، بدأت حالة الذعر تظهر في الأسواق مما تعرضت الأسواق العالمية لتراجعات وتقلبات سريعة في الشهر المنصرم”.. قال المحلل الأول لأسواق المال في مجموعة “Equiti” أحمد عزام.
أضاف: “ذلك دفع المستثمرين إلى بيع جزء من حيازاتهم في الأسهم الأميركية واليابانية والعملات الرقمية وحتى الذهب والين الياباني، للتعامل مع خسائرهم مما رفع حدة الفوضى في الأسواق على جميع الأصول الاستثمارية، حيث أن تراجع الأسعار في الأصول الاستثمارية، كان سبباً أساسياً لخسارة المستثمرين، وتوجه البعض الآخر لعمليات بيع وشراء أصول آخرى، في محاولة تعويض جزء من خسارة محافظهم الاستثمارية”.
صعوبة تحديد أسباب انهيار الأسواق العالمية
من الصعب تحديد الأسباب الدقيقة لانهيار الأسواق، والتفسيرات الدقيقة من المحتمل أن تكون متعددة، ولكن من المؤكد أن دلائل على تباطؤ الاقتصاد الأميركي ساهمت في التقلبات.
ومع ذلك، فإن الكثير من التأرجح الذي يشعر به المستثمرون من سوق انخفض بسرعة ثم ارتد بشكل مفاجئ، يمكن أن يُعزى إلى “rush” المستثمرين للانسحاب بسرعة من الرافعة المالية، إما بمفردهم أو بعد تلقي مكالمات من السماسرة.
تأثير سلبي على شركات التكنولوجيا
أوضح عزام، أن مخاوف الركود كان لها تأثير سلبي على شركات التكنولوجيا في الأسواق الأميركية، حيث توقعت الأسواق أن يتحرك الفيدرالي لتخفيض الفائدة بشكل أكبر مما كانت تتوقع، مما حوّل رهانات المستثمرين من الشركات صاحبة القيمة السوقية الكبرى، إلى الشركات المتوسطة والأصغر، بسبب حساسيتها المرتفعة لانخفاض أسعار الفائدة، حيث أن انخفاض أسعار الفائدة بوتيرة سريعة، قد يعني نمو أسرع للشركات الصغرى.
“عانى متداولو العملات الرقمية مع انخفاض البيتكوين بأسرع وتيرة يومية منذ انهيار منصة FTX، فقد سببت تلك الانخفاضات تصفية مراكز عديدة من العقود الآجلة أيضاً”.. بحسب عزام.
التكنولوجيا تتحول إلى كارثة
تحولت الصفقات ذات الرافعة المالية الأخرى إلى مواقف صعبة، فعلى مدى أكثر من عام، قامت صناديق التحوط وصناديق البيانات الكمومية الأخرى بالاستثمار في أسهم التكنولوجيا الكبيرة في الولايات المتحدة، باستخدام الأموال المقترضة، وغالباً ما كانت تراهن ضد الأسهم الصغيرة.
تغيرت التجارة في يوليو، بفضل الأرباح المخيبة للآمال التي أضرت بأسهم التكنولوجيا وأطلقت انتعاشاً طال انتظاره في أسهم الشركات الصغيرة، جزئيًا على توقع أنها ستستفيد من انخفاض تكاليف الاقتراض.
على مدى الشهر الماضي، انخفضت الأسهم المفضلة لدى المستثمرين مثل تسلا وأمازون ونفيديا بنسبة 15% أو أكثر.
وبحسب هشام، فإن قطاع التكنولوجيا، وخاصة الشركات المرتبطة بأحدث الاتجاهات مثل الذكاء الاصطناعي والمركبات الكهربائية والتكنولوجيا المالية، كان في قلب حماس المستثمرين في السنوات الأخيرة، ومع ذلك، أظهرت الموجة الأخيرة من تخفيض الديون، أن حتى أكثر شركات التكنولوجيا قوة ليست محصنة ضد عواقب المضاربة المفرطة.
“مع بدء ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد عدم اليقين في التوقعات الاقتصادية، اضطر المستثمرون الذين اقترضوا بكثافة للاستثمار في هذه الأسهم المرتفعة إلى بيع ممتلكاتهم”.. قال محمد هشام.
اقرأ أيضًا: هجوم إيران على إسرائيل يضع الأسواق على صفيح ساخن
الهروب من أسهم التكنولوجيا في الأسواق العالمية
أوضح هشام، أن هذا الخروج الجماعي لرأس المال من أسهم التكنولوجيا، أدى إلى انخفاضات حادة في تقييماتها، مما أدى إلى محو تريليونات الدولارات من القيمة السوقية.
“بغض النظر عن مدى نجاح الشركة أو القطاع، فإن استخدام الرافعة المالية يمكن أن يحول الاستثمار الرابح إلى استثمار خاسر عندما تتغير ظروف السوق”.. قال هشام.
خسارة العملات المشفرة
في سوق العملات المشفرة، شهدت الأيام الخمسة الأولى من هذا الشهر، أكثر من 3 مليارات دولار من “البيع القسري” أو عمليات البيع القسرية من قبل المتداولين الذين يعتمدون على الأموال المقترضة، بعد أن أثبتت حسابات الهامش لديهم أنها غير كافية للتعامل مع الخسائر الأخيرة، حيث انخفضت أسعار البيتكوين بنسبة تزيد عن 18% خلال تلك الأيام الخمسة، بينما تراجعت الإيثيريوم بنسبة 24%.
وأشار محلل أسواق المال، محمد هشام، إلى أن العملات المشفرة اجتذبت بما تحمله من وعود بعوائد ضخمة، جيلاً جديدًا من المستثمرين الراغبين في تحمل مخاطر كبيرة، ومع ذلك، فقد كشف خفض الرفع المالي الأخير في مجال العملات المشفرة، عن مخاطر الرهانات المعقدة المعتمدة على الرافعة المالية، في سوق تتميز بالتقلب الشديد، ووجد المستثمرون أنفسهم في الجانب الخاسر مع انخفاض أسعار العملات المشفرة الرئيسية مثل البيتكوين والإيثريوم.
صناديق الاستثمارات المتداولة
قضى مستثمرو العملات الرقمية جزءاً كبيراً من الفترة منذ انهيار بورصة FTX في أواخر 2022 في تقليص الرافعة المالية لديهم. انتهى ذلك هذا العام، وأدى إطلاق صناديق الاستثمار المتداولة في الولايات المتحدة التي تحتوي على البيتكوين والإيثيريوم، وهما أكبر عملتين رقميتين، إلى تعزيز التفاؤل لدى المستثمرين بأن أسعار الرموز الرئيسية ستنمو.
عبّر الكثيرون عن وجهة نظرهم المتفائلة، عن طريق شراء منتجات المشتقات على البيتكوين، التي يقول المستثمرون إنها “تحتوي على رافعة مالية”، مما يعني أن وضع القليل من المال يمكن أن يحقق أرباحاً كبيرة.
وصل المبلغ الإجمالي لعقود مشتقات البيتكوين على البورصات المركزية إلى 37 مليار دولار في بداية أغسطس، بزيادة ثلاث مرات عن العام السابق، وتسببت فوضى السوق في 5 أغسطس، في انخفاض هذا الإجمالي إلى 28 مليار دولار.
هدوء حذر في الأسواق العالمية
المحلل الأول لأسواق المال في مجموعة “Equiti” أحمد عزام، يقول إن تقلبات الأسواق هدأت في الأيام الأخيرة فعلاً، مع قناعة الأسواق أن رقم واحد سيء من سوق العمل الأميركية، قد لا يكون كافٍ للحكم على الاقتصاد الأميركي بالركود.
“لذا قد تعود التقلبات السعرية مرة آخرى مع بداية شهر سبتمبر القادم لو جاءت أسواق العمل الأميركية بقراءة سلبية مرة آخرى من ناحية، ومع عدم ترشح رئيس الوزراء الياباني الحالي كيشيدا لولاية آخرى، حيث أنه كان من أكبر المعارضين على تشديد السياسة النقدية من قبل بنك اليابان، مما قد يعطي الأسواق طبقة جديدة من حالة عدم اليقين مع وصول شخص آخر لسدة الحكم”.. بحسب عزام.
اختتم محمد هشام حديثه، بضرورة توخي المستثمرين الحذر، والنظر في الجوانب السلبية المحتملة للرهانات بالاستدانة، وخاصة في الأسواق المتقلبة والمضاربة.
قال: “في الوقت نفسه، لابد وأن تظل الهيئات التنظيمية يقظة في مراقبة مستويات الاستدانة وتنفيذ التدابير اللازمة لمنع المخاطر النظامية، وقد أظهرت أحداث الأشهر الأخيرة أن خفض المديونية قد يخلف عواقب بعيدة المدى، ليس فقط بالنسبة لأولئك المتورطين بشكل مباشر ولكن أيضاً بالنسبة للنظام المالي الأوسع نطاقاً”.
