أقدمت الأرجنتين على خفض قيمة عملتها المحلية بنسبة 54%، بالتوازي مع حزمة إجراءات تقشفية تُعد أولى خطوات برنامج “العلاج بالصدمة»”الذي أطلقه الرئيس الجديد خافيير مايلي، في محاولة لوقف التدهور الاقتصادي الناتج عن التضخم القياسي وتفاقم الدين العام.
وفي خطاب تلفزيوني أعقب إغلاق الأسواق المحلية الثلاثاء، 12 ديسمبر 2023، أوضح وزير الاقتصاد لويس كابوتو أن الحكومة التي تسلّمت السلطة حديثاً رفعت سعر الصرف الرسمي إلى 800 بيزو مقابل الدولار، مقارنة بنحو 366.5 بيزو قبل القرار.
وأكد كابوتو مراراً خلال كلمته أن “المال لم يعد متاحاً”، مشيراً إلى أن الاقتصاد الأرجنتيني بات مطالباً بالتخلص من اعتماده المزمن على العجز المالي، وهو ما يستلزم إجراءات قاسية وسريعة.
وشملت القرارات أيضاً تقليص عدد الوزارات إلى النصف، وخفض التحويلات المالية للمحافظات، وتعليق مشاريع الأشغال العامة. كما ستعمل الحكومة على تقليص دعم قطاعي النقل والطاقة، إلى جانب قطاعات أخرى، مع الإبقاء في المقابل على بعض برامج الحماية الاجتماعية وتوسيعها لحماية الفئات الأكثر هشاشة.
وتأتي هذه الخطوات بعد خطاب تنصيب وصفه مراقبون بالمتشائم، حذّر فيه مايلي المواطنين من أشهر صعبة قادمة في إطار محاولة إخراج البلاد من الأزمة الموروثة عن الإدارة السابقة. وأشار إلى أن معدل التضخم تجاوز 140% سنوياً، مع توقعات بارتفاع الأسعار بين 20% و40% خلال الأشهر المقبلة.
توقعات سابقة خففت عنصر المفاجأة
كانت الحكومة قد أغلقت سجل الصادرات يوم الاثنين، وهي خطوة فنية تُستخدم غالباً تمهيداً لخفض العملة أو تعديل كبير في السياسة الاقتصادية، كما أعلن البنك المركزي تقليص نشاط سوق الصرف الرسمية مؤقتاً، على أن يُعاد فتحها بشكل طبيعي الأربعاء.
ولم يكن قرار خفض العملة مفاجئاً للأسواق؛ إذ ظل متوقعاً منذ فترة طويلة، فقبل تنصيب الرئيس خافيير مايلي كانت التقديرات تشير إلى تراجع البيزو بنحو 27% خلال الأسبوع الأول من عمر الحكومة الجديدة، بينما رجّحت مؤسسات مالية كبرى مثل جي بي مورغان إضافة إلى بيوت استشارات محلية أن يصل الانخفاض إلى قرابة 44%. وبالفعل، سبقت القرار موجة رفع للأسعار في متاجر البقالة، كما عرضت البنوك أسعار صرف للتجزئة أضعف بكثير قبل ساعات من الإعلان الرسمي الثلاثاء.
ضوابط العملة وتعدد أسعار الصرف
على مدار سنوات، لجأت السلطات في الأرجنتين إلى إبطاء تراجع البيزو عبر فرض قيود على العملات الأجنبية والاستيراد بهدف حماية الاحتياطيات المتآكلة، إلا أن هذا النهج أدى إلى تشوهات كبيرة في السوق، حيث نشأ ما لا يقل عن اثني عشر سعراً مختلفاً للصرف، ما أربك الشركات وقيد الاستثمار في ثاني أكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية.
وخلال حملته الانتخابية، تعهد مايلي بإلغاء العملة المحلية بالكامل واستبدالها بالدولار الأمريكي، في خطوة تعكس قناعة فريقه بأن فقدان الثقة بالعملة أصبح هيكلياً لا ظرفياً.
وفي السابع من ديسمبر سمحت الإدارة السابقة بانخفاض البيزو بنحو 5% فقط، مع تقييد كمية الدولارات التي يمكن للبنوك الاحتفاظ بها لمنع اكتناز العملة الأمريكية، كما استمرت في استنزاف الاحتياطيات للحفاظ على سعر يقارب 350 بيزو للدولار منذ الانتخابات التمهيدية في أغسطس، حين أثار الأداء المفاجئ لمايلي اضطراباً واسعاً في الأسواق. أما في السوق الموازية فكان الدولار يُتداول قرب مستوى 1000 بيزو، ما كشف فجوة سعرية كبيرة عكست هشاشة السياسة النقدية قبل التعديل الأخير.
اقرأ أيضًا: البيزو الأرجنتيني يستعد لسقوط جديد بقرار حكومي
