يواجه الاقتصاد البريطاني -سادس أكبر اقتصاد في العالم- سلسلة ممتدة من الأزمات الهيكلية التي بدأت ملامحها تتشكل منذ التصويت على الانفصال عن الاتحاد الأوروبي (البريكست) عام 2016، ثم تعمقت الأزمات نتيجة ثلاث صدمات متتالية، تمثلت في جائحة كورونا، وتبعات الحرب الروسية الأوكرانية، فضلاً عن حالة عدم الاستقرار السياسي المحلي.
هذا المشهد الضبابي فرض حواجز ثقة بين المستثمرين وصناع السياسات المالية والنقدية، وتعاظمت هذه المخاوف عقب إعلان وزير المالية، جيريمي هانت، عن توجه الحكومة لرفع معدلات الضرائب على الأثرياء، وإنهاء نظام الإعفاءات الضريبية التي كان يتمتع بها الوافدون ذوو الملاءة المالية العالية المقيمون في المملكة المتحدة.
التعديلات التشريعية لضريبة الأثرياء في بريطانيا
في هذا السياق، أوضح المحلل الاقتصادي علي الحازمي أن قرارات المملكة المتحدة تعكس حالة الارتباك وضبابية المشهد التي يمر بها الاقتصاد البريطاني؛ إذ تتوالى التعديلات التشريعية بحثاً عن مصادر بديلة لتمويل الموازنات العامة المقبلة، لا سيما في ظل مؤشرات الانكماش، وتفاقم عجز الموازنة، ومعدلات التضخم المرتفعة.
وأشار الحازمي إلى مفارقة تضع الحكومة أمام مأزق حقيقي؛ حيث يسهم هؤلاء الأثرياء بنحو 6 مليارات جنيه إسترليني سنوياً كعائدات ضريبية، وهو ما يعادل ضعف المبلغ الذي تستهدف الحكومة جمعه من التعديلات الجديدة (والمقدر بـ 2.7 مليار جنيه إسترليني). وحذر من أن هجرة الأثرياء المرتقبة نتيجة هذه القرارات سترفع الكلفة الاقتصادية التي ستتحملها البلاد.
ومن جانبه، بيّن المحلل الاقتصادي علي متولي أن عدد الأثرياء الأجانب غير المقيمين في بريطانيا يبلغ قرابة 70 ألف شخص، يتقاضى نصفهم دخلاً سنوياً يقدر بنحو 5 ملايين جنيه إسترليني. وأشار متولي إلى أن الجزء الأكبر من هذه التغييرات الضريبية دخل حيز التنفيذ الفعلي في شهر أبريل من عام 2025.
ووفقاً للخطوط العريضة التي أعلنتها الخزانة البريطانية، فإن المستفيدين من النظام السابق يمنحون فترة خفض ضريبي انتقالية بنسبة 50% خلال السنة المالية 2025/ 2026، في حين يُعفى القادمون الجدد إلى بريطانيا لمدة 4 سنوات من الضرائب على أي دخل أو أرباح خارجية، لتخضع ثرواتهم وأرباحهم المحققة في الخارج بعد انقضاء هذه المدة لشرائح ضريبة الدخل البريطانية المعمول بها.
اقرأ أيضا: الإضرابات تشل السكك الحديدية في بريطانيا
اتساع فجوة العجز وضغوط الإنفاق العام
فيما يتعلق بدوافع وزارة المالية لفرض هذه التدابير، أفاد علي متولي بأن الحكومة تواجه عجزاً كبيراً في الموازنة يُقدر حالياً بنحو 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 2.1% فقط قبل الجائحة.
وأضاف متولي أن العودة لمستويات العجز السابقة تتطلب جهوداً مضنية، خاصة في ظل معدلات التضخم المرتفعة التي تضغط على الحكومة لزيادة الإنفاق العام ودعم المواطنين. هذا الوضع يضع صانع القرار أمام معضلة حقيقية؛ فالاقتصاد يحتاج إلى تقليص الإنفاق للسيطرة على العجز، بينما تدفع الضغوط الاجتماعية والتمويلية نحو البحث عن إيرادات ضريبية جديدة لتغطية هذه الفجوة.
اقرأ أيضًا: نمو أمريكا مقابل ركود اليابان وبريطانيا.. تحليل المسارات
الديون التاريخية ومأزق السياسة النقدية
في قراءته للجذور الهيكلية للأزمة، شدد علي الحازمي على أن "البريكست" يظل السبب الرئيس وراء المأزق الراهن؛ إذ ألحق خروج بريطانيا من المنظومة الأوروبية أضراراً بالغة باقتصادها، على الرغم من تمسك حكومات المحافظين المتعاقبة بفرضية أن التداعيات السلبية ستقتصر على المديين القصير والمتوسط، قبل جني المكاسب على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، حذر علي متولي من أن الفشل في تحجيم عجز الموازنة دفع بالديون السيادية إلى مستويات قياسية، لتلامس 98% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة الأعلى التي تسجلها البلاد منذ عام 1962. هذا الارتفاع القياسي يؤثر سلباً على نظرة المستثمرين للسوق المالي البريطاني، ويهدد قيمة العملة الوطنية، ويغذي معدلات التضخم.
واختتم متولي بالإشارة إلى مؤشر آخر يعكس عمق الأزمة، وهو اتساع عجز الحساب الجاري البريطاني ليبلغ 89 مليار جنيه إسترليني خلال عام 2023، مسجلاً زيادة قدرها 12 مليار جنيه إسترليني مقارنة بعام 2022.
هذا التدهور السنوي المستمر يعقد مهمة بنك إنجلترا (المركزي) في خفض أسعار الفائدة، ويجبر الحكومة على مواصلة البحث الحثيث عن مصادر استثنائية لتأمين إيراداتها وتغطية الفجوات التمويلية الآخذة في الاتساع.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد.. صداع يؤرق الحكومة البريطانية الجديدة
