مختارات إكونوميبيديا

    اقتصاد الفيروسات: كيف تهز الأوبئة العالم؟

    اقتصاد الفيروسات يشرح كيف تتحول الأوبئة من أزمات صحية إلى صدمات اقتصادية تؤثر في السياحة والغذاء والتجارة والوظائف. ومن كوفيد-19 إلى إنفلونزا الطيور، تكشف التجارب أن الخسائر لا تقتصر على تكاليف العلاج، بل تمتد إلى الإنتاج والدخل والميزانيات، ما يجعل الاستعداد المبكر استثماراً في استقرار الاقتصاد العالمي.

    بقلم Onboarding Account••آخر تحديث •8 دقائق
    اقتصاد الفيروسات وتأثير الأوبئة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد
    12.5 تريليون دولار خسائر العالم من جائحة كورونا

    لم تعد الفيروسات مجرد تهديد للصحة العامة؛ بل أصبحت قادرة على إرباك اقتصادات بأكملها. وهذا ما يفسره مفهوم اقتصاد الفيروسات، الذي يكشف كيف تنتقل آثار التفشي من المستشفيات والمزارع إلى المطارات والأسواق وسلاسل الإمداد وميزانيات الحكومات. وقد أظهرت جائحة كوفيد-19 أن فيروساً واحداً يمكن أن يتسبب في خسائر بتريليونات الدولارات، بينما تكشف أوبئة أخرى كيف يمكن لتفشيات محدودة أن ترفع تكاليف الغذاء أو تعطل أنشطة اقتصادية بعينها.

    وتختلف الخسائر باختلاف طبيعة الفيروس وانتشاره والإجراءات المتخذة لمواجهته. فقد يتسبب تفشٍّ محدود في خسائر مركزة بقطاع معين، مثل الدواجن أو السياحة البحرية، بينما يمكن لفيروس سريع الانتشار أن يعطل اقتصادات دول متعددة في وقت واحد. وقد جسدت جائحة كوفيد-19 الاحتمال الثاني، بعدما تحولت الأزمة الصحية إلى صدمة اقتصادية عالمية أثرت في الإنتاج والدخل والتجارة والمالية العامة.

    كوفيد-19 وفاتورة التريليونات

    وصف البنك الدولي جائحة كوفيد-19 بأنها أكبر أزمة اقتصادية عالمية منذ أكثر من قرن. ففي عام 2020، انكمش الاقتصاد العالمي بنحو 3%، وتراجع النشاط الاقتصادي في 90% من البلدان، وارتفع الفقر المدقع للمرة الأولى منذ جيل، وفق تقرير البنك الدولي عن التنمية العالمية لعام 2022.

    ولم تقتصر الخسائر على الإنتاج الذي توقف أثناء الإغلاقات. فقد فقدت أسر دخلها، واضطرت شركات إلى الاقتراض أو تقليص أعمالها، بينما زادت حكومات إنفاقها لدعم الموظفين والمؤسسات والأنظمة الصحية. كما خلّفت إغلاقات المدارس آثاراً في التعليم ورأس المال البشري، أي المهارات والمعارف التي يعتمد عليها الإنتاج مستقبلاً.

    اقرأ أيضا: اقتصاد الطلاق الرمادي: كيف يحمي المستشار المالي أموالك؟

    وفي يناير 2022، أفادت رويترز بأن صندوق النقد الدولي كان يتوقع أن تبلغ كلفة الجائحة على الاقتصاد العالمي 12.5 تريليون دولار حتى عام 2024، مع احتمال رفع التقدير. وكان الرقم يعكس تقديراً اقتصادياً آنذاك، لا حصيلة نهائية مدققة للخسائر الفعلية. وقدّر تقرير آخر للبنك الدولي الخسائر الاقتصادية العالمية مقارنة بمسار النمو المتوقع قبل الجائحة بنحو 13.8 تريليون دولار حتى عام 2024. ويختلف الرقمان باختلاف التقديرات والمنهجية والفترة المرجعية، لذلك لا ينبغي التعامل معهما باعتبارهما قياساً واحداً للخسائر المحققة.

    وتوضح هذه التقديرات أن حساب تكلفة الوباء يتجاوز جمع فواتير العلاج والمساعدات الحكومية. إذ يشمل أيضاً الفرق بين ما أنتجه الاقتصاد فعلياً وما كان يُتوقع أن ينتجه لولا الأزمة، وهو ما يجعل تقدير الأضرار الاقتصادية أوسع من قيمة الإنفاق المباشر على مواجهتها.

    السياحة أول القطاعات تضرراً من الفيروسات

    تتأثر السياحة سريعاً بالأوبئة لأن نشاطها يعتمد على حركة المسافرين وثقتهم بسلامة الوجهات. وقد تتراجع الحجوزات حتى قبل فرض قيود رسمية، فتنتقل الخسائر من شركات الطيران والفنادق إلى المطاعم والنقل والتجارة المحلية والعمالة الموسمية.

    وتوضح بيانات الأمم المتحدة للسياحة حجم الصدمة التي تعرض لها القطاع خلال كوفيد-19. فقد بلغت المساهمة المباشرة للسياحة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي نحو 1.6 تريليون دولار في عام 2020، ثم ارتفعت إلى نحو 1.9 تريليون دولار في عام 2021، مقابل 3.5 تريليون دولار في عام 2019. وهذه الأرقام تقيس المساهمة الاقتصادية المباشرة للسياحة، وليست تقديراً للخسائر وحدها.

    وتظهر أهمية هذا التمييز عند مقارنة التعافي بالخسائر. فعودة النشاط إلى النمو لا تعني بالضرورة استعادة المستوى الذي كان سيبلغه لولا الأزمة. كما أن التعافي قد يكون متفاوتاً بين الدول؛ إذ تستطيع الوجهات التي تعتمد على السياحة الداخلية استعادة جزء من نشاطها بصورة أسرع من الاقتصادات التي تعتمد على الزوار الدوليين.

    ولا يتطلب التأثير الاقتصادي أن يتحول التفشي إلى جائحة عالمية. فقد تدفع المخاوف المرتبطة بمرض معدٍ شركات السفر إلى تعديل الرحلات، أو تؤجل مؤسسات فعالياتها، أو يتجنب المسافرون مناطق معينة. لكن حجم الأثر الفعلي يعتمد على مستوى الخطر الصحي، والإرشادات الرسمية، ومدة الاضطراب، ومدى استجابة المسافرين والشركات.

    إنفلونزا الطيور وأسعار الغذاء

    تقدم إنفلونزا الطيور مثالاً على كيفية انتقال الخطر الصحي إلى أسعار السلع الأساسية. فعندما يصيب الفيروس قطعان الدواجن، قد تضطر المزارع إلى إعدام الطيور المصابة أو المعرضة للعدوى، ما يقلص المعروض ويرفع تكاليف الإنتاج والتعويضات، ويضغط على المزارعين والموردين والمستهلكين.

    وفي الولايات المتحدة، قدّر مقال نشرته مجلة فوربس في يناير 2025 تكلفة تفشي إنفلونزا الطيور على البلاد بنحو 1.4 مليار دولار حتى نوفمبر 2024، وكانت غالبية المبلغ مرتبطة بتعويض المزارعين عن القطعان التي جرى إعدامها. واستند المقال إلى بيانات وزارة الزراعة الأميركية، التي سجلت تأثر 868 قطيعاً تجارياً منذ بداية التفشي الحالي في فبراير 2022 وحتى الفترة التي تناولها التقرير.

    وظهر أثر اضطراب الإمدادات بوضوح في سوق البيض. فوفق وزارة الزراعة الأميركية، أدى تفشي إنفلونزا الطيور بين منتصف أكتوبر 2024 وأوائل مارس 2025 إلى إعدام 50.7 مليون دجاجة بياضة. وتزامن انخفاض المعروض مع ارتفاع الطلب الموسمي، ما ساهم في وصول أسعار البيض بالجملة والتجزئة إلى مستويات قياسية في فبراير 2025.

    ولا يعني ذلك أن كل ارتفاع في أسعار الغذاء سببه فيروس؛ فالطلب وتكاليف الأعلاف والنقل والطاقة وعوامل الإنتاج الأخرى تؤثر أيضاً في الأسعار. لكن المثال يوضح كيف يمكن لمرض يصيب الحيوانات أن ينتقل عبر سلسلة الإمداد من المزرعة إلى المتجر، ثم يظهر في ميزانية الأسرة.

    الفيروسات وخسائر مستمرة

    لا تقاس التكلفة الاقتصادية للفيروس بعدد الإصابات وحده. فالتفشي المحدود قد يتطلب فحوصاً مخبرية ومراقبة صحية وتتبعاً للمخالطين وشراء لقاحات أو أدوية، إضافة إلى تكاليف التنسيق بين المؤسسات والدول. وقد تكون هذه النفقات ضرورية لاحتواء الخطر، حتى عندما لا يبرر الوضع الصحي إغلاق الاقتصاد أو فرض قيود واسعة.

    اقرا أيضا: سرقة القرن من قلب اللوفر.. كيف نجح 4 لصوص في انتزاع ذاكرة فرنسا؟

    ويقدم إمبوكس "جدري القردة" مثالاً على استمرار الاستجابة الصحية عبر الحدود. فبحسب تقرير منظمة الصحة للبلدان الأميركية الصادر في 4 يونيو 2026، سجلت عشر دول في إقليم الأمريكتين 964 إصابة مؤكدة وحالة وفاة واحدة خلال الفترة من 1 يناير إلى 30 أبريل 2026. وبلغ العدد التراكمي في الإقليم 74,678 إصابة مؤكدة و164 وفاة بين مايو 2022 ونهاية أبريل 2026، عبر 31 دولة وإقليماً.

    وتصف هذه الأرقام عبئاً صحياً تراكمياً، لكنها لا تثبت وحدها حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عنه. ويتطلب تقدير تلك الخسائر بيانات مستقلة عن تكاليف الرعاية والفحوص والتطعيم والموارد البشرية، إلى جانب أي اضطرابات موثقة في النشاط الاقتصادي. وهذا تمييز مهم حتى لا تتحول أعداد الإصابات إلى تقديرات مالية غير مسندة.

    عندما تتحول السفينة إلى أزمة دولية

    أظهر تفشي فيروس هانتا المرتبط بالسفينة السياحية «إم في هونديوس» في عام 2026 كيف يمكن لحادث صحي محدود أن يستدعي استجابة دولية معقدة. ففي تقرير صدر في 2 يوليو 2026، أعلنت منظمة الصحة العالمية تسجيل 13 إصابة مرتبطة بالرحلة، بينها ثلاث وفيات، وأكدت أن جميع الحالات ارتبطت بأشخاص سافروا على متن السفينة. كما أفادت باكتمال متابعة المخالطين من دون اكتشاف حالات انتقال ثانوية إضافية خلال فترة المتابعة، واعتبرت التفشي محتوياً.

    وتضمنت الاستجابة فحوصاً مخبرية، وإجلاءً طبياً، وإعادة المسافرين وأفراد الطاقم، وتتبع المخالطين في دول متعددة. وهذه العمليات تحتاج إلى موارد طبية ولوجستية وتنسيق عابر للحدود، حتى عندما يبقى عدد الإصابات محدوداً.

    لكن لا تتوافر في البيانات المشار إليها حصيلة مالية موثوقة للخسائر التي تكبدتها السفينة أو شركات السياحة نتيجة الحادث. لذلك، فإن استخدام هذه الواقعة لشرح طبيعة المخاطر التشغيلية أكثر دقة من إسناد تكلفة اقتصادية محددة إليها من دون بيانات منشورة.

    وتكشف هذه الحالة أيضاً أهمية التمييز بين الخطر الصحي والخطر الاقتصادي. فاستجابة السلطات لمرض معدٍ لا تعني بالضرورة وجود تهديد واسع للاقتصاد، كما أن عدد الإصابات وحده لا يكفي لتحديد حجم الاضطراب المتوقع في السفر أو التجارة. وتعتمد النتيجة على خصائص الفيروس، وطريقة انتقاله، وسرعة اكتشاف الحالات، وفعالية إجراءات الاحتواء.

    لماذا تصبح الوقاية استثماراً؟

    تكشف التجارب السابقة أن الإنفاق على الاستعداد للأوبئة يمكن أن يكون أقل بكثير من الخسائر المحتملة عند تحول التفشي إلى أزمة واسعة. ولا تقتصر الوقاية على تطوير اللقاحات، بل تشمل أنظمة المراقبة، والمختبرات، وتدريب العاملين الصحيين، وتبادل المعلومات، وتجهيز سلاسل الإمداد الطبية، ووضع خطط لاستمرار عمل المؤسسات أثناء الطوارئ.

    وفي تقرير للبنك الدولي، قُدّرت تكلفة تعزيز الوقاية والاستعداد والاستجابة للجوائح عالمياً بنحو 30 مليار دولار سنوياً، مقابل خسائر اقتصادية تجاوزت 10 تريليونات دولار خلال أزمة كوفيد-19 وفق التقديرات التي استند إليها التقرير. وهذه مقارنة بين تكلفة سنوية تقديرية للاستعداد وخسائر أزمة استثنائية، وليست ضماناً بأن إنفاق المبلغ سيمنع جائحة أخرى أو يلغي جميع أضرارها.

    وتقدم منظمة الصحة العالمية تقديراً آخر لحجم المسألة؛ إذ أشارت إلى أن تكلفة تعزيز الاستعداد للجوائح تتجاوز 31.1 مليار دولار سنوياً وفق تقديرات حديثة، مقارنة بخسائر محتملة كبيرة في حال ظهور جائحة جديدة. ويعكس اختلاف التقديرات اختلاف نطاق البرامج والافتراضات المستخدمة، لا وجود رقم واحد ثابت يصلح لجميع خطط الاستعداد.

    اقرا أيضا: أدوية إنقاص الوزن ترفع الطلب على بروتين مصل اللبن

    اقتصادياً، لا تقتصر قيمة هذه الاستثمارات على تقليل الإنفاق الصحي عند حدوث التفشي. فالكشف المبكر والاستجابة السريعة قد يساعدان أيضاً على الحد من الحاجة إلى تدابير واسعة تعطل الأعمال، وتقليل انقطاع التعليم والعمل، وحماية سلاسل الإمداد، وتخفيف الضغوط على ميزانيات الحكومات. وتبقى النتيجة مرتبطة بجودة التنفيذ وسرعة الاستجابة، لا بحجم التمويل وحده.

    الثقة جزء من المعادلة

    تؤثر الأوبئة في قرارات المستهلكين والشركات حتى عندما لا تفرض السلطات إغلاقاً شاملاً. فقد تؤجل الأسرة رحلة أو تخفض إنفاقها الاحترازي، وقد تعيد شركة تقييم مخزونها أو خطط الإنتاج، وقد تؤجل مؤسسة استثماراً بسبب ارتفاع عدم اليقين. وإذا اتسعت هذه القرارات، يمكن أن تتراجع المبيعات والاستثمارات والتوظيف، فتنتقل الصدمة من القطاع الصحي إلى الاقتصاد الأوسع.

    وقد وثق صندوق النقد الدولي آثاراً توزيعية طويلة الأمد لأوبئة سابقة، شملت سارس عام 2003، وإنفلونزا الخنازير عام 2009، وميرس عام 2012، وإيبولا عام 2014، وزيكا عام 2016. ووجد تحليل نشره الصندوق عام 2020 أن عدم المساواة في الدخل ارتفع في المتوسط خلال السنوات الخمس التالية لهذه الأحداث، نتيجة عوامل منها فقدان الوظائف والدخل وتراجع فرص العمل.

    وهذا يعني أن الأثر الاقتصادي للأوبئة لا يتوزع بالتساوي. فالعمال الذين تعتمد دخولهم على الحضور الشخصي، والمنشآت الصغيرة ذات الاحتياطيات المحدودة، والبلدان التي تعاني ضيقاً في مواردها المالية قد تكون أقل قدرة على امتصاص الصدمة من الشركات الكبرى والاقتصادات التي تمتلك أدوات دعم أوسع.

    الصحة العامة تحمي الاقتصاد

    لا يمكن منع كل تفشٍّ فيروسي، كما لا تؤدي جميع الفيروسات إلى أزمة اقتصادية واسعة. لكن التجارب المتراكمة توضح أن حجم الضرر لا تحدده طبيعة المرض وحدها؛ بل يتأثر أيضاً بسرعة اكتشافه، وكفاءة الاستجابة، وقدرة الأنظمة الصحية والمؤسسات الاقتصادية على مواصلة العمل.

    وقد تكون التكلفة المباشرة للفحوص واللقاحات والمراقبة الصحية واضحة في الميزانيات، بينما يصعب قياس الخسائر التي جرى تجنبها بفضل الوقاية. ومع ذلك، فإن تجربة كوفيد-19، واضطرابات الغذاء المرتبطة بإنفلونزا الطيور، والتكاليف التشغيلية للاستجابة لتفشيات محدودة، توضح أهمية الاستعداد بوصفه جزءاً من إدارة المخاطر الاقتصادية.

    وفي عالم مترابط، قد يبدأ التفشي في مكان واحد، لكن أثره يمكن أن يصل إلى أسواق بعيدة عبر السفر والتجارة والإنتاج. لذلك، لم تعد الصحة العامة شأناً منفصلاً عن التخطيط الاقتصادي؛ إنها أحد العوامل التي تحدد قدرة الدول على حماية الوظائف والإنتاج والدخل عندما تقع الأزمات. والسؤال الأهم ليس فقط كم ستكلف مواجهة الوباء بعد ظهوره، بل أيضاً كم يمكن تقليل خسائره عبر الاستعداد قبل أن يبدأ.