اقتصادات عالمية

    اقتصاديات الخطر.. كيف تعيد إيران تسعير العبور في هرمز؟

    •آخر تحديث •10 دقائق
    اقتصاديات الخطر.. كيف تعيد إيران تسعير العبور في هرمز؟

    تتجاوز القيمة الجيوسياسية لمضيق هرمز حدود كونه مجرد ممر مائي لتدفق الشحنات، لتتمحور حول كونه نقطة التقاء نادرة تتشابك فيها الجغرافيا بالسيادة، وتتقاطع عندها مصالح الطاقة بلغة القوة والمال. وفي هذا السياق، تبرز المساعي الإيرانية الأخيرة لفرض نظام عبور جديد للسفن كخطوة تتعدى التدابير الأمنية التي تفرضها ظروف الصراع الراهنة، إذ تعكس محاولة طموحة لإعادة صياغة الدور الوظيفي للمضيق، ونقله من وضعية “الشريان العالمي المفتوح” إلى “أداة انتقائية” تخضع لمعايير الفرز والتحكم المسبق.

    وتكشف هذه التحركات عن رؤية طهران للمضيق باعتباره أصلاً استراتيجياً قابلاً للتحويل إلى نفوذ سياسي ومورد مالي مستدام، من خلال محاولة تثبيت قواعد اشتباك وملاحة جديدة تتجاوز أمد الحرب الحالية لتستقر كواقع مفروض في المستقبل.

    وبحسب ما أوردته صحيفة “فاينينشيال تايمز”، فإن الهدف الإيراني لا يتوقف عند إدارة أزمة الملاحة العابرة، بل يمتد نحو صياغة معادلة اقتصادية وأمنية جديدة، مفادها أن حق العبور وضمان الأمان باتا مرتبطين بشروطها الخاصة، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مفاوضات اضطرارية على كلفة المرور في أهم ممرات الطاقة العالمية.

    من الإغلاق العسكري إلى الهندسة التنظيمية

    تكمن الأهمية في الطرح الإيراني ليس فقط في توقف حركة الملاحة عبر المضيق منذ اندلاع المواجهات، بل في الإعلان الصريح عن “نظام جديد” يتجاوز كونه إجراءً مؤقتاً ليصبح إطاراً مستداماً لما بعد الحرب، وهذا يمنح الخطوة أبعاداً مغايرة، فبينما يمكن حصر الإغلاق العسكري ضمن الضرورات الأمنية للنزاع، فإن الحديث عن ترتيبات عبور مستقبلية يعكس مسعى إيرانياً لتثبيت مكاسب سياسية واقتصادية طويلة الأمد عبر تحويل واقع فرضته القوة إلى قاعدة تنظيمية دائمة.

    وهذا يعني أنّ طهران لا تنظر للمضيق بوصفه مجرد ورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل كمنصة لإعادة التسعير الجيوسياسي. وتبرز مطالبات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المتكررة بإعادة فتح الممر الملاحي كدليل على تحول الإغلاق من أزمة إيرانية داخلية إلى نقطة اختناق عالمية؛ فكلما تصاعدت الضغوط الدولية لفتح المضيق تضاعفت قيمة الورقة الإيرانية في أي مفاوضات مقبلة على المستويين العسكري والاقتصادي.

    اقرأ أيضًا: نفط إيران يعبر مضيق هرمز تحت عين واشنطن

    نطاق ضيق ومساحة نفوذ هائلة

    يبلغ عرض مضيق هرمز نحو 21 ميلًا بحريًا في أضيق نقطة، ويتقاسم مياهه الإقليمية كل من إيران وسلطنة عمان، وكلما ضاق الممر زادت قابلية السيطرة عليه وارتفعت كلفة تجاوزه وازدادت فعالية الطرف القادر على مراقبته، هذا بالإضافة إلى أنّ تضاريس الممر نفسه تمنح الحرس الثوري الإيراني قدرة عالية على مراقبة السفن واستهدافها، ما يجعل السيطرة الإيرانية ليست قانونية أو سياسية فقط، بل ميدانية أيضًا.

    الجدير بالذكر أنّ الممرات الضيقة تخلق نوعًا خاصًا من القوة من الناحية الاقتصادية؛ وهي القدرة على فرض علاوة مخاطر على كل سفينة تمر حتى من دون إعلان رسمي برسوم أو ضرائب، فمجرد وجود احتمال التأخير أو الرفض أو الاستهداف يرفع قيمة المرور الآمن، لهذا فإن إيران لا تحتاج دائمًا إلى إغلاق كامل كي تستفيد، يكفي أن تجعل المرور انتقائيًا، خاضعًا للمراجعة والمفاوضة حتى يصبح المضيق نفسه أداة لتسعير الخطر، وهذا بالضبط ما يظهر فعلًا في بنية “النظام الجديد” الذي يعتمد على التصنيف بين سفن “غير معادية” وأخرى مستثناة من العبور.

    دلالات تراجع حركة العبور بنسبة 97%

    أكثر الأرقام دلالة ربما هو تراجع حركة العبور بنسبة 97% بين 1 و25 مارس مقارنة بالفترة نفسها من فبراير، بحسب بيانات S&P Global، وهذا يعني أنّ المضيق توقف تقريبًا عن أداء وظيفته التقليدية، وبالتالي فقد أثبتت طهران قدرتها على تحويل مضيق هرمز من ممر عالمي إلى بوابة انتقائية شبه مغلقة.

    هذا بحد ذاته أصل اقتصادي بالغ القيمة؛ فحين تهبط الحركة 97% تكون إيران قد خلقت ندرة مصطنعة في “حق المرور”، وكل ندرة قابلة للإدارة تتحول بسرعة إلى قيمة، وفي هذه الحالة لا تقاس القيمة في النفط الذي يمر فحسب، بل في الإذن نفسه، فإيران تخلق سوقًا جديدة فوق السوق الأصلية، تتمثل في سوق الوصول وسوق الأمان وسوق التصنيف، وهذا ما يفسر كيف يمكن أن يتحول المضيق من مرفق دولي جدلي إلى منصة إيراد غير مباشر، أو إلى أداة فرز تعطي الأفضلية لشركاء بعينهم.

    اقرأ أيضًا: نفط بـ 150 دولاراً؟ تحذيرات “بلاك روك” من ركود عالمي وشيك

    من يمر ومن لا يمر.. الاقتصاد هنا يبدأ من التمييز

    أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن السفن “غير المعادية” سيسمح لها بالعبور بالتنسيق مع السلطات الإيرانية، بينما تُستثنى السفن الأميركية والإسرائيلية أو الأطراف “المشاركة في العدوان”، وهذا التمييز ليس مجرد لغة سياسية، بل قاعدة اقتصادية جديدة تحاول إيران فرضها على أحد أبرز شرايين التجارة العالمية، فبدلا من مبدأ المرور المحايد، تطرح طهران منطق “قائمة السماح والمنع”، ومع كل سفينة تمر، تُعاد كتابة الخريطة التجارية على أساس سياسي.

    وهنا تتضح الطريقة التي تسعى بها إيران للاستفادة من المضيق، فهي لا تحوله فقط إلى أداة عقاب لخصومها، بل إلى أداة مكافأة لشركائها ولمن يقبلون بشروطها، وهذا يشير إلى أن السفن التي تمكنت من العبور اقتصرت على جهات مرتبطة بالصين والهند ودول الخليج، وبعضها ضمن ما يعرف بأسطول الظل المستخدم في تجارة النفط الإيراني، وهذه النقطة مهمة للغاية لأنها تكشف أن المرور يتم وفق شبكات المصالح القائمة، أي أن طهران تستثمر في المضيق لتقوية المسارات التجارية التي تخدمها، وتضييق الخناق على المسارات التي تضرّها.

    اقرأ أيضًا: أزمة الغاز في أوروبا.. السباق مع آسيا وارتفاع الأسعار يهددان أمن الطاقة

    2 مليون دولار لعبور آمن في هرمز

    أفادت تقارير بأن بعض السفن دفعت ما يصل إلى مليوني دولار لضمان المرور الآمن، ما يعني أنّ إيران في ظل سيطرتها المشددة لا تبيع سلعة مادية، بل تبيع شيئًا أكثر تجريدًا وأشد قيمة في لحظة الحرب هو اليقين، أو على الأقل قدرًا منه، فحين تصل تكلفة العبور الآمن إلى مليوني دولار لبعض السفن يكون المضيق قد انتقل من ممر طبيعي إلى أصل مدر للدخل قائم على إدارة المخاطر.

    هذه الآلية تشبه فرض علاوة تأمين خاصة، لكن ليس عبر شركات السوق التقليدية، بل عبر الطرف المسيطر على الخطر نفسه، وهذا هو جوهر الاستفادة الإيرانية: خلق معادلة تقول إن من يملك القدرة على التهديد، يملك أيضًا القدرة على بيع الحماية، وهنا تصبح الجغرافيا ريعاً وتصبح السيادة، أو الادعاء المكثف بها، أداة لتحويل المرور إلى خدمة تفاوضية مدفوعة، حتى لو جرى ذلك خارج الأطر القانونية التقليدية.

    البيروقراطية كأداة سيطرة

    العبور خلال مضق هرمز لا يتم عشوائيًا، بل عبر مفاوضات حكومية مباشرة تحصل بعدها السفن على رمز تعريف يبث عبر قناة الطوارئ البحرية “VHF 16″، قبل مراجعة بيانات الشحنة وجنسية الطاقم، وهذه التفاصيل الإجرائية بالغة الأهمية، لأنها تظهر أن إيران لا تكتفي بالقوة الصلبة، بل تبني حولها بنية تنظيمية تبدو شبه مؤسسية، أي أنها تمنح القيود شكلًا إداريًا يمكن الدفاع عنه سياسيًا باعتباره “نظامًا” لا “ابتزازًا”.

    وهنا تتجلى براعة الاستفادة الإيرانية من المضيق، فكلما بدا النظام أكثر انتظامًا، زادت فرص تحوله من إجراء حرب إلى ممارسة قابلة للتكرار، فالكود والمراجعة والتنسيق الحكومي كلها عناصر تصنع انطباعًا بأن المرور لم يعد تلقائيًا، بل امتيازًا مشروطًا بالموافقة الإيرانية، ومن منظور اقتصادي فإن تحويل الحق إلى امتياز هو الخطوة الأولى نحو تحويله إلى مصدر دخل أو نفوذ قابل للتسعير.

    لماذا تفضل طهران بوصلة شرق آسيا؟

    تُشير بيانات التتبع إلى أن الشحنات التي عبرت منذ بدء الحرب لم تتجه إلى الولايات المتحدة أو أوروبا، بل تركزت في شرق آسيا، مع بعض التدفقات نحو أفريقيا وأمريكا الجنوبية، وهذا يمثل انعكاسًا لطريقة إيران في إعادة فرز الزبائن العالميين، فهي تفتح الممر نسبيًا أمام المسارات التي لا تمثل تهديدا مباشرًا لها، أو التي تشكل منافذ تجارية مفيدة، بينما تغلقه أمام خصومها أو أمام الأسواق المرتبطة بهم.

    وهذا الاختيار له أثر اقتصادي مضاعف، فهو من جهة يمنح بعض الاقتصادات الآسيوية وضعًا تفضيليًا في الوصول إلى الشحنات العابرة، ومن جهة أخرى يعزز اعتماد هذه المسارات على التفاهم مع إيران، وكلما استمرت هذه الآلية زادت قيمة العلاقة مع طهران بوصفها شرطًا ضمنيًا لتدفق التجارة، وبذلك تستفيد إيران من الرسوم أو الترتيبات المالية، بالإضافة إلى إعادة تشكيل الاعتماد التجاري نفسه.

    قد يهمّك أيضًا: ارتفاع أسعار الأسمدة بسبب حرب إيران.. هل يواجه العالم أزمة غذاء؟

    تغيير الأعلام.. حين تفرض الجغرافيا سوقًا جديدة للتحايل

    لجأت بعض السفن إلى تغيير أعلامها، بما في ذلك تسجيلها تحت علم باكستان لتسهيل المرور، وهذه النقطة تكشف أن “النظام الجديد” يخلق طبقة موازية من الخدمات والالتفافات القانونية، فعندما تضطر السفن إلى إعادة التسجيل تحت أعلام مختلفة كي تمر فذلك يعني أن القيود الإيرانية بدأت تدفع السوق إلى تكييف نفسه معها، لا مجرد الشكوى منها.

    وكلما دفعت القيود السوق إلى ابتكار طرق التفاف، كانت تلك إشارة على أن القيود فعالة بما يكفي لتغيير السلوك، وهذا بالضبط ما تحتاجه إيران لترسيخ نفوذها: ليس أن تفرض الإغلاق الكامل دائمًا، بل أن تجعل الفاعلين يعيدون تنظيم أنفسهم حول شروطها، وحين يحدث ذلك تكون قد نجحت في نقل المضيق من فضاء دولي محايد نسبيًا إلى مساحة تتحدد فيها القرارات التجارية بناء على حسابات القبول الإيراني.

    من العقوبات إلى الظل المالي

    التحدي الأكبر أمام أيّ محاولة لتحصيل رسوم عبور يتمثل في العقوبات المفروضة على إيران، لكن خبراء تحدثوا عن امتلاك طهران شبكات مالية موازية تمكنها من تنفيذ المدفوعات عبر شركات واجهة، وهذه النقطة محورية لأنها تنقل الاستراتيجية من مستوى الرغبة إلى مستوى الإمكانية، فالقوة على البحر وحدها لا تكفي إذا تعذر تحصيل المقابل ماليًا، أما وجود بنية “ظل مالي” فيعني أن إيران تملك آلية لتحويل النفوذ البحري إلى عائد اقتصادي فعلي، ولو خارج النظام المصرفي التقليدي.

    وهنا تصبح الاستفادة الإيرانية أكثر تعقيدًا وذكاءً، فهي لا تسعى فقط إلى فرض أمر واقع في المضيق، بل إلى بناء اقتصاد موازٍ حول هذا الواقع، يعتمد على شركات واجهة وقنوات دفع غير رسمية، وهذا يفسر لماذا لا تبدو العقوبات وحدها كافية لتعطيل الفكرة، حتى لو جعلتها أكثر تعقيدًا، فحين تعمل الدولة في منطقة الظل تكون قد تكيَّفت أصلا مع حرمانها من القنوات الرسمية، وأعادت ابتكار وسائل الاستخلاص خارجها.

    بين قناة السويس والدنمارك.. البحث عن شرعية تاريخية

    استشهد مسؤولون إيرانيون برسوم مضائق الدنمارك وقناة السويس لتبرير فرض رسوم على المرور، وهذه المقارنة ليست عرضية، بل محاولة واضحة لإضفاء شرعية تاريخية على خطوة شديدة الجدل، فإيران هنا تريد أن تظهر كدولة تمارس حقًا سياديًا له سوابق في التاريخ التجاري العالمي، وهذا مهم سياسيًا، لأنه يمنح الخطاب الإيراني غطاء يتجاوز لغة الحرب المباشرة.

    لكن الأهم اقتصاديًا هو أن طهران تفكر في المضيق بعقلية “الأصل المدفوع”، لا “الممر المحايد”، أي أنها تريد إدخال مضيق هرمز في فئة القنوات والمضائق التي يدر المرور عبرها دخلًا منتظمًا، وإذا نجحت في ترسيخ هذا المنطق -حتى جزئيا- فإنَّها تكون قد حولت موقعها الجغرافي من نقطة عبور حساسة إلى آلة تحصيل مستمرة.

    القانون الدولي يقف في المنتصف

    قدرت غرفة تجارة طهران أن هذه السياسة قد تدر ما بين 70 و80 مليار دولار سنويًا في حال تطبيقها بشكل مستدام، وهذا الرقم ضخم إلى درجة تكشف حجم الرهان الإيراني، فهو تصور كامل لتحويل المضيق إلى أحد أكبر مصادر الإيرادات الجيوسياسية في المنطقة، وإذا قارنا هذا الرقم بمداخيل رسوم عبور أو بخسائر العقوبات سنفهم أن إيران ترى في المضيق فرصة لإعادة هندسة جزء من نموذجها الاقتصادي تحت ضغط الحصار.

    مع ذلك، لا تبدو الطريق مفتوحة بالكامل أمام هذا الطموح، وخبراء القانون البحري يحذرون من أنَّ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تمنح الدول الساحلية حق تنظيم المرور لأسباب أمنية، لكنها لا تسمح بعرقلة “المرور البريء” أو التمييز بين الدول، وهنا تظهر المفارقة؛ فإيران تحاول تقديم ما تقوم به باعتباره تنظيمًا سياديًا، بينما يرى خصومها وخبراء القانون فيه تقييدًا انتقائيًا لحرية الملاحة، وكلما اتسعت هذه الفجوة زادت احتمالات الرد السياسي أو القانوني أو حتى الاقتصادي عليها.

    الربح التكتيكي مقابل خطر البدائل الدائمة

    يرى محللون أن استمرار إيران في فرض قيود انتقائية قد يدفع دول الخليج إلى البحث عن بدائل، مثل خطوط الأنابيب، بما قد يقلل من أهمية المضيق على المدى الطويل، وهذه ربما أهم نقطة في التقييم النهائي للاستراتيجية الإيرانية، فكلما زادت طهران في استخدام هرمز كسلاح اقتصادي زادت الحوافز لدى الآخرين لتقليل الاعتماد عليه، وفي الاقتصاد الأصل الذي يبالغ مالكه في تسعيره أو تسييسه قد يدفع الزبائن إلى بناء بدائل تُقَلِّل من قيمته مستقبلًا.

    هذا يعني أن إيران قد تربح إيرادًا فوريًا ونفوذًا سياسيًا مباشرًا، لكنها تخاطر في الوقت نفسه بتقليص الدور الاستراتيجي للمضيق على المدى البعيد، فإذا تحولت خطوط الأنابيب البرية وخيارات الالتفاف إلى حلول أكثر جاذبية فإنَّ جزءًا من قوة مضيق هرمز سيتآكل تدريجيًا، وهنا يصبح السؤال الاقتصادي الأهم: هل تريد إيران تعظيم العائد القصير الأجل، أم الحفاظ على ندرة المضيق كأصل استراتيجي طويل الأمد؟

    قد يهمّك أيضًا: قنوات السلام تحت النار.. هل تنجح الوساطة الرباعية في وقف الحرب؟