أعاد خطاب رئيس الوزراء في بريطانيا وزعيم حزب العمال آندي برنهام في مؤتمر الحزب، الجدل إلى العقود التي سبقت عهد مارغريت تاتشر، فقد وضع تراجع التصنيع، وإلغاء القيود التنظيمية، والخصخصة، والتقشف، وبريكست، في سلسلة واحدة يراها مسؤولة عن تراجع مناطق صناعية واسعة في البلاد.
ويحمل هذا التشخيص جانباً مهماً من واقع بريطانيا، خاصة في المدن والمناطق التي فقدت وظائف صناعية مستقرة ولم تحصل على استثمارات بديلة بالسرعة الكافية، ولكنه لا يقدم - بمفرده - استراتيجية للنمو، فالعودة إلى اقتصاد سبعينيات القرن الماضي لا تعالج أزمات الإنتاجية والإسكان والطاقة والاستثمار التي تواجهها المملكة المتحدة اليوم.
سبعينيات بريطانيا قدمت درساً في التضخم والإضرابات
لم تكن بريطانيا قبل تاتشر اقتصاداً مستقراً أو نموذجاً ناجحاً للصناعة الوطنية، إذ بلغ التضخم السنوي في مؤشر أسعار التجزئة نحو 26.9% في أغسطس 1975، في فترة اتسمت بضعف القدرة التنافسية وأزمات الطاقة والنزاعات العمالية المتكررة.
وسجلت بريطانيا 23.9 مليون يوم عمل مفقود بسبب الإضرابات في عام 1972، ثم 29.5 مليون يوم في 1979 خلال ما عُرف بـ"شتاء السخط"، وتوضح بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية حجم الاضطراب الذي أصاب قطاعات الفحم والنقل والخدمات العامة في ذلك الوقت.
وتبرز تجربة "بريتش ليلاند" حدود إنقاذ الصناعة بالملكية العامة وحدها، فقد تدخلت الدولة عام 1975، واستحوذت على 78% من رأس مال الشركة في أغسطس من ذلك العام، في محاولة لحماية واحدة من أكبر شركات السيارات البريطانية، ولم يكن التمويل الحكومي كافياً لمعالجة ضعف الإدارة وتعدد النزاعات العمالية والمنافسة الخارجية وتراجع جاذبية المنتجات.
ولا تقدم هذه التجربة حجة ضد دور الدولة في الصناعة، لكنها تبيّن أن ضخ الأموال أو تغيير الملكية لا يصنع قدرة تنافسية تلقائياً، إذ تحتاج الصناعة إلى إدارة فعالة، وتمويل طويل الأجل، وتكنولوجيا، ومهارات، وأسواق قادرة على استيعاب الإنتاج.

الخصخصة صححت اختلالات ولم تحل كل المشكلات
أعادت إصلاحات الثمانينيات والتسعينيات تشكيل الاقتصاد البريطاني، كما أسهمت المنافسة في بعض القطاعات في تحسين الخدمة وتوسيع الخيارات، غير أن نتائج الخصخصة اختلفت بحسب طبيعة القطاع.
فالمياه وشبكات الطاقة والسكك الحديدية ليست أسواقاً عادية؛ فهي بنى تحتية باهظة الكلفة وتقترب من الاحتكار الطبيعي في أجزاء واسعة منها، ويحتاج هذا النوع من الخدمات إلى تنظيم قوي، واستثمار مستمر، ومساءلة واضحة للمشغلين، سواء كانت الملكية عامة أو خاصة.
وفي الوقت نفسه، تراجع قطاع الإنتاج في بريطانيا على مدى عقود، وتشير بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية إلى انخفاض الوظائف في قطاع الإنتاج من 8.6 مليون وظيفة عام 1970 إلى 3 ملايين في 2016، وكان التصنيع المحرك الرئيس لهذا التراجع.
وارتبط جانب من هذا التحول بالمنافسة العالمية، والتغير التقني، وانتقال الشركات إلى إنتاج أقل اعتماداً على العمالة، وتتحمل السياسات الاقتصادية البريطانية جزءاً من المسؤولية أيضاً، خاصة حين فشلت في دعم التدريب والاستثمار الإقليمي والانتقال المنظم للعمال، ولكن استعادة مصانع الأمس لا تشكل برنامجاً اقتصادياً كافياً لعصر الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة وسلاسل الإمداد الرقمية.
الإسكان يكشف أين تحتاج الدولة إلى قدرة تنفيذية
تظهر أزمة الإسكان بوضوح الحاجة إلى دور عام أكثر فاعلية، فقد تجاوز بناء المساكن في المملكة المتحدة 425 ألف وحدة عام 1968، بينما تراجعت الوتيرة بصورة كبيرة في العقود اللاحقة.
وكانت السلطات المحلية لاعباً أساسياً في تلك المرحلة؛ إذ أنجزت في إنجلترا أكثر من مليون مسكن في الستينيات ونحو مليون آخر في السبعينيات، ثم هبط دورها بشدة، فلم تنجز سوى 2,240 مسكناً خلال العقد الأول من الألفية، وفق بيانات مجلس اللوردات.
ولا يحل بناء مساكن عامة محل القطاع الخاص، لكنه يضيف قدرة لا يملكها السوق وحده في فترات ارتفاع أسعار الأراضي وضعف التمويل أو تباطؤ العرض، كما أن إصلاح نظام التخطيط، وتسريع الربط بالكهرباء والمياه والنقل، وتوفير الأراضي القابلة للتطوير، عوامل تحدد حجم البناء الفعلي أكثر من الشعارات السياسية، ويرتبط ملف السكن مباشرة بضغوط المالية العامة والضرائب والنمو.
اقرأ أيضاً: خريطة القوة الاقتصادية.. الهند تنافس بريطانيا وأميركا تُبعد أوروبا
استراتيجية النمو في بريطانيا تحتاج إلى إنتاجية وقدرة على البناء
تحتاج بريطانيا إلى برنامج يجمع بين المنافسة والاستثمار العام، لا إلى استبدال أحدهما بالآخر، فالدولة مطالبة بتسريع إنشاء المساكن وشبكات الكهرباء والطاقة النووية والمتجددة والسكك الحديدية والبنية الرقمية، مع إزالة العوائق الإدارية التي تؤخر المشروعات سنوات طويلة.
وتحتاج الصناعة بدورها إلى سياسة تستهدف القطاعات التي تستطيع بريطانيا فيها المنافسة عالمياً، مثل الصناعات الدوائية والطيران والخدمات الرقمية والطاقة النظيفة والتقنيات المتقدمة، ويعتمد نجاح هذه السياسة على التدريب المهني والبحث العلمي ورأس المال طويل الأجل وسعر طاقة يمكن للشركات تحمله.
وطرح برنهام قضية تراجع الصناعة والخدمات العامة التي فقدت ثقة المواطنين، وهي قضية حقيقية، لكن النمو لن يأتي من إحياء النموذج المؤمم في السبعينيات، كما لن يأتي من افتراض أن الخصخصة وإلغاء القيود يحلان كل مشكلة، بل سيأتي من قدرة الحكومة والشركات على بناء ما تحتاجه البلاد فعلاً، ورفع الإنتاجية، وتحويل الاستثمار إلى وظائف ودخول وفرص سكن قابلة للتحقق.
