اقتصادات عربية

    استئناف التداول في بورصة دمشق وسط إجراءات تنظيمية مشددة

    •آخر تحديث •5 دقائق
    استئناف التداول في بورصة دمشق وسط إجراءات تنظيمية مشددة

    في خطوة طال انتظارها من قبل المستثمرين والمهتمين بالشأن الاقتصادي، أعلنت هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية عن استئناف التداول في سوق دمشق للأوراق المالية، ابتداءً من يوم الإثنين 2 يونيو 2025، بعد توقف دام أكثر من ستة أشهر، وتأتي هذه العودة وسط إجراءات تنظيمية مُشددة تهدف إلى تعزيز الشفافية وضمان بيئة تداول آمنة، في وقت تسعى فيه سوريا إلى إعادة تفعيل أدواتها المالية واستعادة الثقة بالقطاع الاستثماري.

    وبناءً على قرار وزير المالية السيد محمد يسر برنيه، أكدت الهيئة في بيان رسمي أن استئناف التداول سيتم وفق ضوابط تنظيمية تهدف إلى تعزيز الشفافية وضمان الانضباط في السوق، حيث تم تحديد السعر المرجعي للأوراق المالية بناءً على سعر الإغلاق في جلسة 5 ديسمبر 2024، وهي آخر جلسة تداول عُقدت قبل الإيقاف.

    ضوابط التداول في سوق دمشق للأوراق المالية

    شدَّدت الهيئة على أن التداول سيقتصر في المرحلة الحالية على الشركات التي استوفت شروط الإفصاح المالي والحوكمة؛ وتشمل نشر البيانات المالية النهائية للعام 2024، وتقديم تقارير الحوكمة عن نفس الفترة، بالإضافة إلى إرسال قوائم الأشخاص المطلعين إلى الهيئة.

    وبموجب القرار الجديد، تم تقليص عدد جلسات التداول إلى ثلاث جلسات أسبوعيًا، تُعقد أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء، وذلك حتى إشعار آخر، في حين تقرر إيقاف تنفيذ الصفقات الضخمة لمدة شهر من تاريخ إعادة التداول، كإجراء احترازي لحماية السوق من أي تقلبات حادة محتملة.

    وأوضحت الهيئة أن هذه الخطوات تأتي في إطار خطة إصلاح شاملة تهدف إلى تعزيز الشفافية والنزاهة، واستعادة الثقة في السوق المالي السوري، بعد فترة طويلة من التوقف أثرت سلباً على المستثمرين والشركات المدرجة.

    وقد شدَّدت الهيئة على أهمية الالتزام بالضوابط المذكورة خلال المرحلة الانتقالية، تمهيدًا للعودة التدريجية إلى دورة تداول كاملة ومنتظمة، مشيرة إلى أن الرقابة المشددة على عمليات التداول ستكون حاضرة لضمان تطبيق الإجراءات بشكل صارم.

    اقرأ أيضًا: خطوات تحمي الاستثمارات وقت الأزمات

    خلفية القرار وتأثيرات التوقف

    كان سوق دمشق قد شهد توقفًا عن التداول منذ ديسمبر 2024، وسط تحديات اقتصادية داخلية، مما أدى إلى تجميد السيولة المالية وتعطيل رؤوس الأموال، إلى جانب تداعيات على رواتب العاملين والكفاءات المتخصصة في قطاع الأوراق المالية.

    ومن المتوقع أن تسهم عودة التداول في تنشيط السوق مجددًا، ودعم جهود الإصلاح الاقتصادي، وفتح الباب أمام المستثمرين لإعادة تحريك محافظهم الاستثمارية، خاصة مع الالتزام المتزايد بالمعايير التنظيمية.

    وقد أكدت هيئة الأوراق المالية أن استئناف التداول يمثل مرحلة جديدة لسوق دمشق للأوراق المالية، تقوم على الالتزام بالإفصاح، والرقابة، وتطوير البيئة التقنية والتشريعية للسوق، بما ينسجم مع المعايير الإقليمية والدولية.

    وتعمل الهيئة حاليًا على تحديث أنظمة التداول الإلكترونية، وتوسيع قاعدة الشركات المدرجة، وتبسيط الإجراءات لجذب مزيد من الاستثمارات، في إطار خطة أوسع تهدف إلى تحويل السوق إلى منصة أكثر كفاءة وديناميكية.

    تأثير مباشر على المنظومة الاقتصادية والكوادر البشرية

    في تعليقها على الخبر، صرّحت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، بأن عودة التداول في سوق دمشق للأوراق المالية بعد توقف دام أكثر من ستة أشهر يُعد تطوراً بالغ الأهمية في مسار تعافي الاقتصاد السوري، مشيرة إلى أن هذا القرار يحمل أبعادًا اقتصادية ورسائل استراتيجية تعكس إرادة الدولة في استعادة النشاط الاستثماري.

    وقالت رمسيس: “عودة البورصة إلى العمل بعد توقف طويل يعيد الأمل إلى المستثمرين الذين تعطلت أموالهم داخل السوق، ويمنح الثقة مجددًا في قدرة المؤسسات المالية السورية على النهوض رغم التحديات، وهذه رسالة تؤكد أن الاقتصاد السوري ما زال يمتلك مقومات البقاء والتعافي”.

    أشارت حنان رمسيس إلى أنَّ فترة التوقف الطويلة للسوق لم تكن ذات أثر مالي فحسب، بل ألقت بظلالها أيضًا على الكفاءات والخبرات العاملة في هذا القطاع، وقالت: “تعطيل التداولات لفترة تتجاوز نصف عام كان له أثر سلبي مباشر على العاملين في السوق، من موظفين ومتخصصين وفنيين، حيث اضطر كثير منهم للبحث عن مصادر دخل بديلة في مجالات أخرى، وهو ما يهدد بخسارة كفاءات يصعب تعويضها بسهولة”.

    “سوريا” نهاية 46 عامًا من العزلة!! ماذا يعني ذلك اقتصاديًا؟

    التحديث الرقمي والانفتاح الإقليمي

    أكدت الخبيرة أن عودة السوق تمثل بداية جديدة لإعادة بناء منظومة متكاملة تشمل رأس المال البشري، والبيئة التنظيمية، والبنية التقنية. وأوضحت أنَّ إدارة سوق دمشق والجهات الرقابية المعنية تعمل الآن على خطة شاملة للتحديث التقني وتبني التحول الرقمي، بما يواكب التطورات العالمية في تكنولوجيا الأسواق المالية.

    وفي هذا السياق، قالت:”السوق يخطط لامتلاك أنظمة تداول حديثة، وتبسيط قواعد القيد والإفصاح، بالإضافة إلى فتح آفاق للتعاون مع الأسواق المحيطة، والهدف هو بدء مرحلة جديدة لا تعتمد على المعالجات التقليدية بل على الابتكار والجاهزية التكنولوجية”.

    كما أنّها شددت على أهمية مواكبة بورصة دمشق للمعايير الدولية، مؤكدة أن أي سوق يهدف لجذب الاستثمارات الخارجية لا بد أن يعمل وفق نموذج عالمي شفاف وفعّال.

    ضرورة تشجيع القطاع الخاص وجذب الاستثمارات

    في سياق متصل، أكدت رمسيس أن واحدة من أبرز المهام الحالية للسوق تكمن في تعزيز دور القطاع الخاص وتشجيع الشركات على القيد، مشيرة إلى أن وجود شركات قوية ومتنوعة هو أحد الأعمدة الأساسية لأي بورصة فعالة.

    ووفقًا لرمسيس: “السوق في حاجة ملحة إلى قاعدة أوسع من الشركات المدرجة، وبيئة قانونية مشجعة، وإجراءات قيد مبسطة، وهذا ما تعمل عليه الجهات الرقابية حاليًا من خلال تطوير التشريعات وإزالة المعوقات أمام المستثمرين المحليين والدوليين”.

    اطّلع على تفاصيل الاستثمارات الدولية لإنهاء أزمة الكهرباء في سوريا

    المشهد السياسي ورفع العقوبات

    ترى رمسيس أنَّ التحولات الجيوسياسية الحاصلة في الإقليم، والحديث عن رفع جزئي أو تدريجي للعقوبات المفروضة على سوريا، يمثل فرصة ذهبية لتعزيز أداء سوق المال السوري، وأضافت: “في حال بدأت الاستثمارات الخليجية والدولية تتدفق إلى سوريا في ظل واقع سياسي مستقر، فإن بورصة دمشق ستكون أحد أبرز المستفيدين، ما يفتح الباب أمام موجة جديدة من التمويل والتوسع والإصلاح”.

    واختتمت خبيرة أسواق المال تصريحاتها بالتأكيد على أن عودة التداول ما هي إلا خطوة أولى في مسار طويل، وأن المرحلة المقبلة تتطلب جهودًا مكثفة من أجل تحديث البنية التحتية، واستعادة الثقة، وإعادة هيكلة المنظومة بالكامل؛ فسوق دمشق -على حدِّ قولها- لا يزال في مرحلة البناء، لكن المؤشرات الأولية واعدة، وفي حال استمرت هذه الديناميكية، مع دعم حكومي وتشريعي جاد، فستتحول البورصة من مجرد سوق محلي محدود إلى منصة إقليمية فعالة وجاذبة لرؤوس الأموال.

    اقرأ أيضًا: تسوية الديون السورية ورفع العقوبات.. خطوة نحو إعادة الإعمار