النفط والغاز

    ارتفاع مفاجئ في أسعار الوقود مع تصاعد حرب الشرق الأوسط

    •آخر تحديث •5 دقائق
    ارتفاع مفاجئ في أسعار الوقود مع تصاعد حرب الشرق الأوسط

    في ليلة واحدة، قفز متوسط سعر جالون البنزين في الولايات المتحدة 11 سنتا، ورغم أنّ هذا الرقم يبدو صغيرًا ظاهريًا، إلا أنّه كاف لإعادة ضبط مزاج المستهلك والسوق معًا، لأن البنزين ليس سلعة عادية بل هو المؤشر اليومي الذي يقيس به الناس مستوى “الأمان الاقتصادي” أكثر مما يقيسون به بيانات التضخم.

    ومع اتساع الحرب في الشرق الأوسط وتعطل شحنات النفط والغاز، عاد السعر في مضخة محطات الوقود ليقول ما لا تقوله التصريحات: الصدمة وصلت إلى الحياة اليومية، وبسرعة تفوق قدرة الأسر والشركات على التكيف، بحسب وكالة أسوشييتد برس.

    محطات الوقود الأمريكية مؤشر جديد للأمن الاقتصادي

    بيانات نادي السيارات الأمريكي وضعت المفاجأة في رقم واضح، فمتوسط الجالون من البنزين العادي بلغ نحو 3.11 دولارًا، وهذه القفزة كفيلة بأن توقظ الذاكرة في سوق حساس للانطباعات. المفارقة أن السائقين كانوا يلاحظون تراجعًا تدريجيا في الأسعار خلال الفترة الماضية، قبل أن يأتي الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع ليقلب الاتجاه.

    تقول سائقة من جاكسون بولاية ميسيسيبي إنها دفعت نحو 15 دولارًا إضافيًا لملء خزان سيارتها مقارنة بالمعتاد، وإضافة إلى أنّ هذا الرقم يترجم تأثيرًا مباشرًا على ميزانية الأسرة فهو يترجم شيئًا أخطر، فالبنزين يعيد تسعير “الخوف” نقديًا، ويدفع الناس إلى إعادة ترتيب مصروفاتهم قبل أن تظهر أي بيانات رسمية عن التضخم.

    الارتفاع لم يبدأ من الحرب وحدها، فالمصافي انتقلت إلى إنتاج خلطات الوقود الصيفية، وهي مرحلة معروفة تاريخيًا بأنها ترفع التكلفة، وهذا التفصيل مهم لأنه يفسر لماذا جاءت الحرب لتصب الزيت على نار كانت مشتعلة جزئيًا بالفعل، فعندما يدخل السوق موسمًا أعلى تكلفة يصبح أقل قدرة على امتصاص صدمات خام النفط، وأسرع في تمريرها إلى المستهلك، ولذلك بدا الارتفاع مفاجئًا للسائقين، لكنه كان اقتصاديًا أقرب إلى انكشاف هشاشة موسمية تزامنت مع تصعيد جيوسياسي.

    من جهته، يلخص باتريك ديهان من “GasBuddy” الوضع بجملة واحدة: “السوق الأمريكية دخلت بالفعل مرحلة ارتفاع أسعار البنزين”. هذه الجملة تعني في الحقيقة إعلان انتقال من تقلبات عادية إلى موجة مرشحة للاستمرار، لكن ديهان يستبعد وصول الأسعار إلى 4 دولارات للجالون في الوقت الراهن.

    هذا النوع من التصريحات مهم لأنه يحدد سقف الذعر، لكنه لا يلغيه؛ فحين يقول محلل إن السيناريوهات مفتوحة بسبب التطورات الجيوسياسية، فهو يترك الباب مواربًا لعامل واحد لا يملكه السوق، وهو تطور الحرب نفسها.

    أوروبا تقدم صورة الذعر بسبب أسعار الديزل

    في إحدى ضواحي باريس، اصطف نحو 15 سائقًا أمام محطة تضم سبع مضخات، والسعر كان حاضرًا بقوة حيث بلغ لتر الديزل نحو 1.846 يورو، أي ما يعادل قرابة 7 يوروهات للجالون. هنا تتحول المقارنة إلى أداة لفهم حساسية السوق؛ ففي حين تتحدّث الولايات المتحدة عن 3.11 دولارًا كمتوسط يقف السائق الأوروبي أمام رقم يعادل نحو 7 يوروهات للجالون للديزل، في بيئة تعتبر أصلًا أكثر حساسية لأسعار الطاقة.

    سائق آخر يقول إن “مثل هذه الطوابير نادرًا ما تحدث في الظروف الطبيعية”، ولعلّ هذه الجملة تختصر كيف يعمل الذعر اقتصاديًا فبمجرد أن يشعر الناس أن الوضع الطبيعي انكسر، يصبح الطلب أقوى من الحاجة الفعلية، ويتحول ملء الخزان إلى سلوك دفاعي.

    اقرأ أيضًا: هل تنضم أوروبا للحرب على إيران.. تحول استراتيجي أم ردع دفاعي؟

    علاوة المخاطر.. لماذا تسبق أسعار النفط الحرب؟

    الصدمة الحقيقية ظهرت في النفط قبل البنزين؛ حيث صعد خام غرب تكساس الوسيط 8.6% إلى 77.36 دولارًا للبرميل، وخام برنت ارتفع 6.7% إلى 81.29 دولارًا، ولعلّ هذه الحالة ليست سوى نقطة البداية لكل ما سيأتي إلى المستهلك، فالنفط هو العامل الأكبر تأثيرًا في تكلفة الوقود في الولايات المتحدة.

    اللافت أن القفزة نُسبت إلى مخاوف من تعطيل التدفقات العالمية للنفط الخام؛ أي أن السوق يسعر احتمال التعطيل بقدر ما يسعر التعطيل نفسه، وهذا هو جوهر صدمات الشرق الأوسط، حيث إنَّ النفط لا ينتظر توقف الإمدادات كي يرتفع، بل يكفي أن ترتفع احتمالات الخطر حتى تتحرك الأسعار.

    ومن ناحية أخرى، هناك ترابط وثيق بين تصاعد النفط بالتطورات الميدانية؛ فقد شنّت إيران هجمات انتقامية، بينها هجوم بطائرات مسيرة استهدف السفارة الأمريكية في السعودية، واستهدفت منشآت طاقة في قطر والسعودية، إضافة إلى تعطيل حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز، الممر الذي تمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس على أسعار النفط والغاز الطبيعي، ليس عبر الكميات فقط، بل عبر رفع علاوة المخاطر على الشحن والتأمين.

    اقرأ المزيد: أزمة مضيق هرمز.. هل تكفي البدائل لتأمين إمدادات النفط؟

    الصدمة تنتقل إلى المستهلكين والشركات

    آثار ارتفاع أسعار النفط تظهر عند محطات الوقود خلال أسبوعين على الأكثر، مع انتقال تكاليف الخام إلى أسعار البنزين النهائية، وهذا هو أخطر ما يهم المستهلك لأنه يعني أنَّ ما حدث في سوق النفط ليس ذروة الأزمة بالضرورة، بل قد يكون مقدمة لانتقال تدريجي إلى الأسعار اليومية.

    وفي جاكسون بولاية ميسيسيبي، كان أحد المواطنين يملأ عبوات وقود إضافية حين لاحظ السعر عند نحو 2.99 دولار للجالون، لكنه لا يتحدث بصفته مستهلكًا فقط، فهو يعمل في شركة للحدائق والبناء تعتمد على الوقود في أعمالها اليومية، وهنا يظهر الفرق بين ارتفاع يزعج وارتفاع يهدد نموذج العمل، فالوقود في هذه القطاعات ليس بندًا هامشيًا، بل مدخل إنتاج مباشر، وإذا استمر الارتفاع فترة طويلة تتحول تكاليف التشغيل إلى ضغط على الأسعار التي تفرضها الشركات على العملاء، أو على هامش ربحها، أو على الاثنين معا، وهذه هي اللحظة التي يبدأ فيها البنزين في صناعة تضخم أوسع من مضخة السيارة إلى تكلفة الخدمات، ثم إلى أسعار السلع.

    ترامب: أسعار النفط ستهبط بعد الأزمة

    الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال إن أسعار النفط قد تبقى مرتفعة لفترة قصيرة ثم تنخفض بعد انتهاء الأزمة وربما تصبح أقل من مستوياتها السابقة، لكن هذه الكلمات قد تعتبر محاولة لطمأنة الجمهور، ورهان على أن الصدمة مؤقتة وأن الإمدادات لن تتعطل مدة طويلة، في حين تبقى السيناريوهات مفتوحة بفعل التطورات الجيوسياسية، أي أن مسار الأسعار هنا لا تحدده الكلمات والوعود، بل تطورات الحرب وممرات الشحن.

    قصة البنزين ليست عن ارتفاع سعر في الولايات المتحدة أو طوابير في ضواحي باريس فقط، بل إنها عن كيفية تحول حرب في الشرق الأوسط إلى ضريبة يومية تدفعها الأسر والشركات، تبدأ بـ 11 سنتا في ليلة واحدة، وتتسع مع كل ارتفاع في خام برنت وغرب تكساس، ومع كل اضطراب في مضيق يمر عبره 20% من تجارة النفط العالمية.

    وإذا كان انتقال أثر الخام إلى المستهلك يحدث خلال أسبوعين على الأكثر، فإن نافذة القلق قصيرة لكنها حادة، فإما أن تتجه الأزمة إلى احتواء سريع فتثبت الأسعار، أو تتغذى على الخوف والاضطراب، فتتحول موجة البنزين إلى عنوان اقتصادي عالمي جديد، يضغط على المستهلكين ويعيد إشعال أسئلة التضخم.

    اقرأ أيضًا: من رأس لفان إلى هرمز.. هل يدخل الغاز العالمي منطقة الخطر؟