اقتصاد كلي

    غولدمان ساكس يتوقع ارتفاع سوق الأسهم الصينية 30٪ حتى 2027

    •آخر تحديث •6 دقائق
    غولدمان ساكس يتوقع ارتفاع سوق الأسهم الصينية 30٪ حتى 2027

    يضع “غولدمان ساكس” تصورًا واضح المعالم لمسار سوق الأسهم الصينية خلال السنوات المقبلة، حيث يتوقع ارتفاع بنحو 30% بحلول نهاية 2027، وهذا التوقعات ليست نبوءة على ورق، بل خلاصة قراءة دقيقة لمزيجٍ من سياسات مواتية للأسواق، ونمو ربحي، وتدفقات سيولة قوية.

    وبلغة دورات الأسهم، يقول البنك إنَّ السوق تنتقل من “مرحلة الأمل” إلى “مرحلة النمو”؛ أي من الترقب الحذر إلى ترسيخ الأساسيات التي تغذي اتجاهًا صعوديًا أكثر استدامة، وبين هاتين المرحلتين تتبدل بوصلة المستثمر، من مطاردة أي بارقة خبر إيجابي إلى الرهان على دورة أرباح وسيولة وسياسات قادرة على حمل الأسعار إلى مستويات أعلى على مدى الأعوام الثلاثة المقبلة.

    صعود يتغذى على تفاؤل المستثمرين

    المحللون بقيادة كينغر لاو -بحسب بلومبرغ- يلتقطون تغيرًا دقيقًا في نبض السوق؛ فبعد موجة صعود غذَّاها تفاؤل المستثمرين تجاه الذكاء الاصطناعي تبدو سوق الأسهم الصينية بصدد ترسيخ محركات داخلية أكثر صلابة، لكن الفارق الجوهري هو أن حركة الأسعار لم تعد انعكاسًا لحماس قطاع واحد أو “موضة استثمارية” مؤقتة، بل أصبحت مرآةً لزخم حقيقي في الأرباح والسيولة والسياسات الاقتصادية.

    في الوقت نفسه، لم يخفِ التقرير أن مؤشر “MSCI China” يتجه نحو تسجيل أول تراجع شهري له بعد ستة أشهر من المكاسب المتواصلة، غير أن هذا التراجع –رغم محدوديته– يُنظر إليه بوصفه حركة صحية طبيعية في مسار السوق؛ فهو يمثل إعادة تموضع بعد صعود متواصل، وتنفيسًا لزخمٍ مفرط، أشبه بمراجعة منزلية للتقييمات قبل استئناف المسار نحو مرحلة صعود أطول.

    وبحسب قراءة البنك، فإن هذا التذبذب القصير يُعد استراحة في طريق صاعد لا انعطافًا في الاتجاه، ما دامت المحركات الأساسية للسوق –من أرباح وسيولة وسياسات– مستقرة على حالها.

    الأحداث السياسية وتأثيرها على السوق

    ما ينتظره المستثمرون على المدى القريب مليء بالإشارات السياسية ذات التأثير السوقي؛ فمن جهة يأتي اجتماع اللجنة المركزية الرابعة للحزب الشيوعي في بكين، ومن جهة أخرى هُناك اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جينبينغ.

    وكلا الحدثين يتجاوزان رمزيتهما: فالأول يرسم خطوط السياسة الاقتصادية والتنظيمية في مرحلة دقيقة، بينما يؤثر الثاني في ميزان المخاطر التجارية، وفي كلتا الحالتين تتعامل الأسواق مع السياسة ليس كمفاجأة صادمة، بل كمرجع لتحديد سرعة المسار المتوقع، وفق تقديرات بنك غولدمان ساكس حتى عام 2027.

    اقرأ أيضًا: الصين تسعى لانتزاع لقب خزنة الذهب من المراكز التقليدية

    محفزات النمو

    تستند رؤية البنك إلى ثلاثة محركات رئيسة:

    • تحفيز مالي موجه للطلب يهدف إلى تنشيط الاستهلاك وتوسيع قاعدة النمو بعيدًا عن الاعتماد الأحادي على الاستثمار.
    • نمو في أرباح الشركات، مدفوع جزئيًا بثمار الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، وليس المقصود هنا طفرة لحظية، بل مسار ربحي متدرج يراهن عليه البنك خلال الأعوام الثلاثة المقبلة.
    • تدفقات سيولة قوية من مستثمرين محليين وأجانب، قادرة على تغذية موجات الشراء واستيعاب التصحيحات، فحين تجتمع السياسة والربحية والسيولة في اتجاه واحد، تصبح قوة الدفع الذاتية للسوق أكبر من أن تختزل في عناوين يومية متقلبة.

    الأرباح أولا.. 12% نموا متدرجا على ثلاث سنوات

    يقدر البنك أنَّ أرباح الشركات المدرجة قد تنمو بنحو 12% خلال السنوات الثلاث المقبلة، ولا يتوقف المعنى الاستثماري لهذا الرقم عند النسبة، بل عند ثبات الاتجاه؛ حيث إنَّ النمو الربحي واسع القاعدة يقلل اعتماد المستثمر على أسهم قليلة لقيادة المؤشر، ويمنح المحافظ المتنوعة فرصة أفضل لتحقيق عوائد موزعة المخاطر، وحين تتراكم الأرباح يصبح تبرير التقييمات أسهل، وتصبح التصحيحات فرصًا لإعادة الشراء بدلًا من إشارات خروج نهائية.

    لا يرى “غولدمان ساكس” أن الأسواق مقبلة على طفرة مجانية في التقييمات، بل يتوقع اتساعًا تدريجيًا في مضاعفات الربحية يتراوح بين 5 و10% مقارنة بالمستويات الحالية. وهذا الاتساع، حين يقترن بنمو الأرباح الحقيقي، يمنح الأسواق رافعتين متزامنتين: رافعة الأساسيات ورافعة المزاج، لكن المهم أن هذا التوسع في التقييمات لا يُبنى على حماس مؤقت، بل يُعد مكافأة سوقية لسياسات اقتصادية أكثر وضوحًا وربحية تتوزع على نطاق أوسع.

    مخاطر معروفة.. ونصيحة واضحة

    يسجل التقرير بوضوح احتمال تباطؤ اقتصادي كلي في الربع الرابع، إلى جانب عودة مخاطر الرسوم الجمركية، إلا أن التوصية الاستراتيجية للبنك تبقى ثابتة: الاستمرار في التعرض للسوق والشراء عند فترات التصحيح، طالما بقيت المخاطر ضمن نطاقها “المدار” ولم تتحول إلى صدمة هيكلية. مع العلم أنّ الفارق بين تصحيح هادئ وانعكاس الاتجاه يكمن في الفرق بين ضجيج المدى القصير وسردية المدى المتوسط، و”غولدمان ساكس” يركز بوضوح على السردية الثانية، أي الاستراتيجيات المستدامة.

    تتسق هذه الرؤية مع المسار الداخلي للأسواق هذا العام، حيث شهدت ثقة المستثمرين تحسنًا تدريجيًا مدفوعًا بسلسلة من الإجراءات الحكومية الهادفة إلى: تحفيز الاقتصاد ودعم سوق المال، وتنشيط الإنفاق الاستهلاكي، وتخفيف مدروس للقيود التنظيمية على القطاع الخاص.

    ولا تمثل هذه العوامل إشارات آنية أو بيانات ظرفية مجردة، بل تشكل بيئة سياسية واقتصادية متكاملة تسمح بتراكم أثر السيولة والربحية على جاذبية الأصول الاستثمارية. ومع ازدياد وضوح الإطار المؤسسي وزيادة القدرة على التنبؤ، تتراجع علاوة المخاطر التنظيمية، ما يتيح للتقييمات السوقية أن تعكس تحسن الأرباح الحقيقية بدقة أكبر واستدامة أعلى.

    السوق الصيني في مواجهة مخاطر مدارة وهيكلية

    يفصل التقرير بين نوعين من المخاطر: مدارة وهيكلية، الأولى مثل التباطؤ الموسمي أو تجدد أحاديث الرسوم تُواجه بمرونة تكتيكية، من خلال تقليص المراكز مؤقتًا ثم إعادة بنائها قرب مستويات الدعم المحورية، أما الثانية كحدوث تحوّل مفاجئ في مسار السياسات أو صدمة تنظيمية واسعة فتُراقب بعين استراتيجية على المدى الطويل. ورغم ذلك، يُبقي البنك توصيته لصالح المسار الصاعد، إذ لا يفترض السيناريو الأساسي وقوع صدمة هيكلية، بل يقتصر على نتوءات دورية تُنتج فرص شراء انتقائية.

    اقرأ أيضًا: تصعيد ترامب ضد الصين يضرب سوق الكريبتو .. تبخر 18 مليار دولار

    السيولة.. محليون وأجانب على خط واحد

    يعوّل بنك “غولدمان ساكس” على تدفّقات مستمرة من المستثمرين المحليين والأجانب، إذ يشكّل المحليون عنصر الثبات في فترات الضبابية عبر توفير قاعدة سيولة تقلّص من حدّة التصحيحات، بينما يضفي الأجانب أثرًا نوعيًا يتمثل في رفع معايير التسعير، وتعزيز الانضباط المؤسسي، وتوسيع قاعدة الطلب على الأسهم القيادية، وعندما تتقاطع هاتان الكتلتان في الاتجاه ذاته يكتسب سوق الأسهم زخمًا أكثر استدامة وقوة.

    من التصنيع إلى الابتكار

    يرى “غولدمان ساكس” أن تحول الاقتصاد من نموذج موجه بالإنتاج إلى نموذج تقوده الابتكارات والتقنيات قادر على إعادة تموضع الأسهم الصينية ضمن أسواق النمو العالمية في النصف الثاني من العقد، والسوق تكافئ الاقتصادات القادرة على تحويل الاستثمار التقني إلى ربحية مستدامة، ومع تعاظم دور الابتكار في معادلة النمو تستحق التقييمات علاوة بنيوية مقارنة بمرحلة كان فيها الاعتماد أكبر على الاستثمار الكثيف وحجم الإنتاج.

    كيف يترجم المستثمر هذه الرؤية إلى قرارات؟

    تحت مظلة توصية “الاستمرار والشراء عند التصحيح”، تعني الرؤية عمليًا أن المستثمر يعيد ضبط أفقه الزمني نحو 2027، ويقلص حصة المراهنات القصيرة، ويزيد التعرض إلى القطاعات التي تعكس نمو الأرباح المرتبط بالتقنيات، إلى جانب الأسماء ذات القدرة الأعلى على تحويل السيولة إلى عائد تشغيلي، علمًا أنّ الفكرة ليست مطاردة موجة لحظية بل بناء تعرّض منضبط لمسار ربحي -تقييمي- سيولي يمتد عبر عدة فصول.

    لماذا 30% حتى 2027؟

    لا يتعامل “غولدمان ساكس” مع نسبة 30% كرقم عشوائي، بل كحصيلة محتملة لتراكب ثلاثة روافع: نمو أرباحٍ متدرج على ثلاث سنوات، واتساعٍ معتدل في مضاعفات الربحية، وتدفّقات صافية داعمة عبر الدورات القصيرة، وحين تتراكم هذه العوامل في بيئة سياسة تميل إلى دعم الطلب والنشاط الخاص يصبح المسار الحسابي للارتفاع أكثر ترجيحًا من “مغامرة بالتقييمات”.

    يبقي التقرير مساحة واقعية لاحتمالات الانزلاق، لكنه يضع عتبات نفسية لسلوك المستثمر، طالما جاءت إشارات الاقتصاد الكلي في نطاق التباطؤ المدار، وطالما بقيت المخاطر التجارية ضمن إطار تفاوضي معروف، فإن التصحيحات تُشترى، ويتحول التصحيح إلى انعكاس حين تتقاطع صدمة في الأساسيات مع صدمة في السياسة، وهو ما لا يضعه السيناريو الأساسي للبنك على امتداد الأفق حتى 2027.

    وما يقدمه “غولدمان ساكس” ليس مجرد توقع نسبة لمؤشر، بل سرديةُ سوق تعيد تعريف ذاتها من سوق تصعد على موجة قصة واحدة إلى سوق تستند إلى محركات متعددة، وبهذه السردية يصبح التراجع الشهري الأول بعد ستة أشهرٍ من المكاسب مجرد فاصلة، لا نقطة نهاية، وإذا صح أن الأسواق، على المدى الطويل، مرآة للاقتصاد والربحية، فإن ما يضعه “غولدمان ساكس” على الطاولة هو ببساطة مرآة تتضح ملامحها، فالطريق ليس خطًا مستقيمًا، لكنه -وفق هذه القراءة- طريق صاعد.

    اقرأ أيضًا: الصين.. من طموح الهيمنة إلى الانطواء الاقتصادي