كشفت بيانات البنك المركزي التونسي عن ارتفاع حجم النقد المتداول في تونس بنحو 16% على أساس سنوي، مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، صاعدًا من 25.864 مليار دينار إلى 30 مليارًا، أي بزيادة قاربت 4.106 مليارات دينار.
وقالت الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، إن هذا الارتفاع يعكس استمرار الاعتماد الكبير على التعاملات النقدية في المعاملات اليومية، رغم النمو المسجل في وسائل الدفع الرقمية خلال الفترة الأخيرة.
وأضافت أن تحليل هذا الرقم يجب ألا يتم بمعزل عن بيانات وسائل الدفع التي استخدمها التونسيون خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026، لأنها توضح أن النقد لا يزال يحظى بالنصيب الأكبر من المعاملات.
النقد يهيمن رغم نمو المدفوعات الرقمية
وقالت الشافعي إن الدفع النقدي لا يزال يمثل أكثر من 99% من إجمالي المعاملات، في الوقت الذي سجلت فيه أدوات الدفع الإلكتروني معدلات نمو مرتفعة نسبيًا، لكنها ما زالت تمثل نسبة محدودة للغاية من إجمالي المدفوعات.
وأشارت إلى أن الدفع عبر الهاتف المحمول نما بنسبة 16.7%، وبلغت قيمة المدفوعات المنفذة من خلاله نحو 914 مليون دينار خلال الأشهر الأولى من العام.
كما سجل الدفع عبر الإنترنت معاملات بقيمة نحو 364 مليون دينار، مع نمو نسبته 8.4%، فيما سجل الدفع من خلال وسائل الدفع الإلكترونية نموًا بنحو 9.7%.
وأكدت أن معدلات النمو المسجلة في وسائل الدفع الرقمية تبدو إيجابية، إلا أن حصتها من إجمالي المدفوعات لا تزال أقل من 1%، ما يؤكد استمرار تفضيل التونسيين للنقود الورقية في معاملاتهم اليومية.
الهاتف المحمول الأكثر قدرة على جذب المستخدمين
وأوضحت الخبيرة الاقتصادية أن الدفع عبر الهاتف المحمول يعد أكثر أدوات الدفع الرقمية نموًا، لافتة إلى أن استخدامه يتضاعف تقريبًا كل ثلاث سنوات ونصف.
وأضافت أن هذا الاتجاه يستدعي زيادة الاهتمام بحلول الدفع عبر الهاتف المحمول من جانب المؤسسات البنكية وشركات التكنولوجيا المالية والمشروعات التي يقودها الشباب، باعتبار أن هذا النوع من الخدمات أظهر قدرة أكبر على جذب المستخدمين التونسيين.
تراجع استخدام الشيكات 12.5%
وقالت الشافعي إن التعامل بالشيكات سجل تراجعًا بنحو 12.5%، حتى أصبحت الشيكات تمثل نحو 0.48% فقط من إجمالي المدفوعات.
وأشارت إلى أنه رغم انخفاض استخدامها بصورة واضحة، فإن حجم التعامل بالشيكات لا يزال يقارب حجم جميع المدفوعات الإلكترونية بمختلف أنواعها، وهو ما يعكس محدودية الانتشار الحالي لأدوات الدفع الرقمية. وأكدت أن النقد لا يزال "الملك على الساحة"، في ظل استمرار ارتفاع عمليات السحب والإيداع النقدي.
ارتفاع السحب والإيداع النقدي
وأشارت الشافعي إلى أن البيانات الواردة تظهر تنفيذ عمليات سحب نقدي بقيمة تقترب من 16.489 مليار دينار، إلى جانب عمليات إيداع نقدي بلغت نحو 28.1 مليار دينار، مع نمو الإيداعات بنسبة 22.1%.
وأوضحت أن هذه الأرقام تعكس أن المواطنين لا يسحبون الأموال نقدًا فقط، وإنما يقومون أيضًا بإيداع مدخراتهم في صورة نقدية داخل المؤسسات المالية.
وفي المقابل، سجلت التحويلات الفورية الكبيرة بين المؤسسات نموًا بنسبة 14.4%، وهو تطور يمكن اعتباره مؤشرًا إيجابيًا على عودة جزء من التعاملات إلى الاقتصاد المهيكل والقنوات الرسمية.
مخاطر ارتفاع النقد المتداول في تونس
وأكدت الشافعي أن استمرار ارتفاع حجم النقد المتداول يثير عددًا من المخاوف الاقتصادية، في مقدمتها صعوبة ضمان الشفافية المالية وإمكانية تتبع حركة الأموال.
وأضافت أن ارتفاع الاعتماد على الكاش قد يزيد مخاطر غسل الأموال والفساد، لأن المعاملات النقدية لا توفر مستوى التتبع نفسه الذي توفره المدفوعات المنفذة عبر القنوات المصرفية والرقمية.
وشددت على أن الشفافية الحسابية والسيطرة على الأموال الموازية تشكلان حجر الزاوية لدى مؤسسات التصنيف الائتماني وشركاء التنمية الدوليين -مثل البنك الدولي والبنكين الأفريقي والأوروبي للتنمية- عند تقييم مناخ الاستثمار والجدارة الإئتمانية للدولة.
الكاش يحرم الدولة من موارد ضريبية
وفي السياق ذاته، أشارت الشافعي إلى أن زيادة حجم الاقتصاد المهيكل واستخدام القنوات الرسمية يساعد الإدارة الجبائية على تتبع المعاملات وضمان تحصيل موارد الدولة، في حين تقلل التعاملات النقدية الواسعة من قدرة الدولة على الرقابة الجبائية، بما قد يؤدي إلى فقدان موارد مالية كان يمكن تحصيلها من خلال الاقتصاد الرسمي.
وأكدت أن الأموال التي تدخل إلى المصارف يمكن إعادة توجيهها إلى الاقتصاد في شكل قروض وتمويلات واستثمارات، بينما بقاء جزء كبير من الأموال خارج القنوات المصرفية يقلل من قدرة النظام المالي على إعادة تدويرها في النشاط الاقتصادي.
تغييرات تشريعية ساهمت في زيادة التعامل النقدي
وأرجعت الشافعي جزءًا من زيادة التداول النقدي إلى مجموعة من العوامل التشريعية التي يجب النظر إليها بصورة مترابطة. وأشارت إلى أن التراجع عن القيود المتعلقة بحيازة مبالغ نقدية تتجاوز 5 آلاف دينار ساهم في زيادة استخدام الكاش، بعدما أصبح الاحتفاظ بمبالغ أكبر والتنقل بها أقل عرضة للمخاطر المتعلقة بالحجز.
وأضافت الخبيرة الاقتصادية أن تعديل قانون الشيكات ألهم تحولًا لافتًا بدوره؛ حيث أدى تقليص التعامل بها إلى تدفق جزء كبير من المعاملات نحو النقد السائل. وأوضحت أن تشديد العقوبات على التجاوزات القانونية للشيك دفع الكثير من المتعاملين الذين اعتمدوا عليه كأداة دفع رئيسة إلى التخلي عنه، مما عزز الإقبال على النقد كبديل مباشر.
الاقتصاد الموازي أحد أسباب استمرار الكاش
وأشارت الخبيرة الاقتصادية إلى أن الاقتصاد الموازي يمثل عاملا آخر وراء ارتفاع التداول النقدي، موضحة أن المقصود لا يقتصر على التهريب، وإنما يشمل جميع الأنشطة غير المهيكلة أو غير المسجلة بصورة رسمية.
وأكدت أن معالجة هذه الظاهرة تحتاج إلى إصلاح جبائي يسمح باستيعاب الأنشطة غير الرسمية داخل المنظومة الاقتصادية، مع دراسة تخفيض الأعباء الجبائية بما يشجع هذه الأنشطة على التسجيل والدخول إلى الاقتصاد الرسمي.
وشددت على ضرورة عدم التعامل مع كل تشريع بصورة منفردة، وإنما وضع تصور شامل يضم مختلف الأطراف المعنية، حتى لا يؤدي تعديل قانون في اتجاه إلى نتائج عكسية في مجال آخر.
الدفع الرقمي عبر الهاتف.. فرصة رئيسية
وقالت الشافعي إن الأرقام الحالية تستدعي وضع حلول لتقليل الاعتماد الكبير على الأوراق النقدية، مع التوسع بصورة أكبر في وسائل الدفع الرقمية، خصوصًا الدفع عبر الهاتف المحمول الذي يسجل معدلات نمو أسرع من بقية الأدوات.
وأضافت أن التوسع في الخدمات الرقمية يجب أن يتزامن مع تعزيز الشمول المالي، خاصة أن نسبة الأشخاص الذين يمتلكون حسابات بنكية في تونس لا تزال منخفضة.
وأشارت إلى أن أقل من 40% من المواطنين يمتلكون حسابات بنكية، بينما تشير الأرقام الخاصة بالأشخاص البالغين إلى أن النسبة لا تتجاوز نحو 36%.
وأوضحت أن بعض الإحصاءات التي تشير إلى نسب أعلى تضم حسابات الشركات والمؤسسات المالية أو وجود أكثر من حساب للشخص أو المؤسسة نفسها، ولذلك فإن نسبة البالغين الذين يمتلكون حسابًا بنكيًا فعليًا تظل محدودة.
البنوك مطالبة بجذب الشباب وتعزيز الثقافة المالية
وأكدت الشافعي أن البنوك مطالبة بتطوير منتجات وخدمات تتناسب بصورة أكبر مع احتياجات الفئات الشابة، بما يشجعهم على التعامل مع المؤسسات المصرفية واستخدام الحسابات البنكية ووسائل الدفع الرقمية.
وشددت على أهمية دعم الثقافة المالية منذ المراحل التعليمية المبكرة، وإمكانية إدخال مفاهيمها ضمن المناهج الدراسية، حتى يتعرف الشباب على كيفية استخدام الحسابات البنكية وفهم مبادئ الشفافية المالية.
وأضافت أن الثقافة المالية يجب أن تساعد الأفراد على التمييز بين أنواع الحسابات البنكية، وفهم الرسوم والاقتطاعات التي تحصل عليها البنوك، وكيفية اختيار المؤسسة المصرفية والخدمة الأكثر ملاءمة لاحتياجاتهم.
وأكدت أن ارتفاع النقد المتداول في تونس إلى مستويات قياسية يمثل إشارة إلى ضرورة تسريع الانتقال نحو أدوات دفع أكثر شفافية، مع معالجة الأسباب التشريعية والاقتصادية والاجتماعية التي تدفع المواطنين إلى تفضيل الكاش، بالتوازي مع توسيع الشمول المالي وتعزيز استخدام وسائل الدفع الرقمية.
قد يهمّك أيضًا: القروض في تونس.. حلول تمويلية مرنة للأفراد والشركات
