كشف البنك المركزي المصري عن ارتفاع حجم السيولة المحلية في القطاع المصرفي المصري، حيث سجلت 11.864 تريليون جنيه بنهاية يناير 2025، مقارنة بـ 11.636 تريليون جنيه في ديسمبر 2024، مما يعكس زيادة ملحوظة في المعروض النقدي والودائع المصرفية خلال هذه الفترة.
وأكد البنك المركزي أن المعروض النقدي شهد ارتفاعًا ليصل إلى 2.942 تريليون جنيه بنهاية يناير 2025، مقارنة بـ 2.803 تريليون جنيه في ديسمبر 2024، مما يعكس زيادة في التدفقات المالية المتاحة داخل الأسواق المصرية. كما ارتفع النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي ليسجل 1.157 تريليون جنيه بنهاية يناير 2025، مقابل 1.121 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر الماضي، مما يشير إلى زيادة الكتلة النقدية المتداولة بين الأفراد والشركات خارج النظام المصرفي.
وشهدت الودائع تحت الطلب بالعملة المحلية نموًا ملحوظًا، حيث بلغت 1.784 تريليون جنيه بنهاية يناير 2025، مقارنة بـ 1.682 تريليون جنيه في ديسمبر 2024، وهو ما يعكس زيادة في الإيداعات المصرفية قصيرة الأجل، التي يمكن للأفراد والشركات سحبها أو استخدامها بسهولة.
أما أشباه النقود، التي تشمل الودائع لأجل والودائع الادخارية وشهادات الاستثمار، فقد سجلت 8.922 تريليون جنيه بنهاية يناير 2025، مقابل 8.833 تريليون جنيه في ديسمبر 2024، مما يعكس استمرار ثقة العملاء في القطاع المصرفي المصري، وزيادة الميل نحو الادخار والاستثمار في الأدوات المالية.
مخاطر ارتفاع المعروض النقدي في مصر
أكد الدكتور محمد أنيس، الخبير الاقتصادي، أنَّ أحدث بيانات البنك المركزي المصري حول المعروض النقدي M2 تشير إلى زيادة كبيرة في حجم السيولة المتاحة داخل السوق، وهو ما يثير القلق بشأن التداعيات الاقتصادية المحتملة، خاصة على معدلات التضخم واستقرار العملة المحلية.
وأوضح أن المعروض النقدي يشمل النقود المتداولة خارج القطاع المصرفي، إلى جانب الودائع الجارية بالعملة المحلية، وهو أحد المؤشرات الرئيسية التي تعكس مستوى السيولة في الاقتصاد ومدى تأثيرها على النشاط الاقتصادي، وأشار إلى أن زيادة المعروض النقدي تعزز من الطلب الكلي، مما يؤدي إلى ارتفاع التضخم، بينما يسهم تراجعه في تقليل الضغوط التضخمية.
وأشار أنيس إلى أن هناك معايير تحكم نسبة النمو في المعروض النقدي، حيث يتم ربطها بمعدلات النمو في الناتج القومي وعوامل أخرى، لافتًا إلى أن هناك اتفاقًا مع صندوق النقد الدولي على ضرورة ألا تتجاوز نسبة الزيادة السنوية في المعروض النقدي 15% للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
اقرأ أيضا: تسهيلات جديدة لتعزيز الاستحواذ والاستثمار في البورصة المصرية
سياسة التشديد النقدي
أوضح أنيس أن البيانات تشير إلى أن معدل نمو المعروض النقدي في ٦ في مارس 2023 بلغ 32%، وهو معدل مرتفع للغاية، ما دفع البنك المركزي لاتخاذ إجراءات صارمة ساهمت في خفضه إلى 16% بحلول مارس 2024، لكن المفاجأة جاءت في مارس 2025 حين عاد المعدل للارتفاع مجددًا ليصل إلى 32%، وهو ما يعكس عودة السياسات التوسعية التي قد تؤدي إلى تفاقم التضخم وزيادة الضغوط على الجنيه المصري.
وأكد أن استمرار البنك المركزي في سياسة التشديد النقدي يهدف إلى السيطرة على التضخم من خلال رفع أسعار الفائدة وتقليل السيولة النقدية في السوق، لكن نجاح هذه السياسة يعتمد بشكل كبير على وجود تنسيق مع الحكومة، التي يجب أن تتبنى سياسات مالية أكثر انضباطًا. وأضاف أن معاودة ارتفاع المعروض النقدي بهذا الشكل يعكس توجهات حكومية نحو سياسات إنفاقية وإقراضية موسعة، مما يزيد من الضغوط التضخمية ويفاقم من أزمة العملة المحلية.
وحذر أنيس من الرهان على أن عامل “سنة الأساس” سيؤدي إلى تلاشي أثر التضخم بمرور الوقت، مؤكدًا أن هذا النهج لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة وزيادة الضغوط على الجنيه أمام الدولار، مما قد يعمّق الأزمة الاقتصادية في المستقبل.
وقف الاقتراض الحكومي غير المنتج
طالب أنيس بضرورة وقف الاقتراض الحكومي غير المنتج والتوسع في الإنفاق، مع إعطاء الأولوية لخفض التضخم ولو تطلب ذلك تباطؤًا مؤقتًا في معدلات النمو وارتفاعًا طفيفًا في البطالة. كما شدد على ضرورة عدم الضغط على البنك المركزي لتخفيض أسعار الفائدة في ظل استمرار التوسع في المعروض النقدي، لأن ذلك قد يؤدي إلى تفاقم أزمة التضخم وزيادة الضغوط على الاقتصاد المصري.
واختتم الدكتور محمد أنيس تصريحاته بالتأكيد على أن عودة ارتفاع المعروض النقدي بهذا الشكل مؤشر خطير على عدم التنسيق بين السياستين المالية والنقدية، مما يستدعي تدخلًا عاجلًا لضبط الأوضاع المالية والنقدية، حفاظًا على الاستقرار الاقتصادي ومنع تفاقم التضخم.
اقرأ أيضًا: أزمة جديدة بين مصر والولايات المتحدة: هل تتوقف المساعدات الأمريكية؟
زيادة الودائع مؤشر إيجابي لكن يستلزم الحذر
أكد الدكتور أحمد سليمان، الخبير المصرفي، أن ارتفاع حجم السيولة المحلية في القطاع المصرفي المصري، يعكس تحسنًا ملحوظًا في السيولة المالية داخل الأسواق المصرية، لكنه في الوقت ذاته يتطلب إدارة نقدية دقيقة لتجنب أي انعكاسات سلبية على الاقتصاد.
وأوضح سليمان أن الودائع تحت الطلب بالعملة المحلية سجلت نموًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، في مؤشر واضح على تعزز ثقة المودعين في القطاع المصرفي واستقرار أدائه، وبيّن أن هذا الارتفاع يعكس كذلك زيادة في معدلات الادخار داخل البنوك، وهو تطور إيجابي يعزز قدرة الجهاز المصرفي على تمويل النشاط الاقتصادي. وفي الوقت ذاته، أشار سليمان إلى أهمية المراقبة الدقيقة من قِبل البنك المركزي لضمان توجيه هذا الفائض النقدي نحو الاستثمارات المنتجة، وتفادي تحوله إلى ضغوط تضخمية أو فقاعات في الأسواق المالية والعقارية قد تهدد التوازن الاقتصادي العام.
وحذر الخبير المصرفي من أن زيادة المعروض النقدي في مصر دون نمو مماثل في الإنتاج قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، مما قد يضغط على القوة الشرائية للمواطنين، مبيِّنًا أن زيادة النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي قد تؤدي إلى زيادة الإنفاق الاستهلاكي بشكل غير متوازن، مما يعزز ارتفاع الأسعار.
كما نوه إلى أن التوسع النقدي قد يؤثر على استقرار قيمة الجنيه المصري، خاصة إذا لم يتم توجيه هذه السيولة إلى القطاعات الإنتاجية، مؤكدًا أنَّ الحل الأمثل هو تحفيز الاستثمار في المشروعات الإنتاجية والخدمية التي تعزز النمو الحقيقي للاقتصاد.
دور البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية
شدَّد سليمان على أن البنك المركزي المصري يمتلك الأدوات اللازمة لإدارة هذه السيولة، من خلال السياسات النقدية التي تستهدف تحقيق التوازن بين ضخ السيولة في السوق وكبح التضخم. وأكَّد أن التحكم في أسعار الفائدة، وزيادة الاحتياطي الإلزامي للبنوك، وتعزيز أدوات الدين العام هي من بين الآليات التي يمكن استخدامها لضمان عدم حدوث اختلالات اقتصادية.
وختم الدكتور أحمد سليمان تصريحاته بأن الاقتصاد المصري يمر بمرحلة مهمة تتطلب إدارة دقيقة للسيولة النقدية، مع ضرورة تعزيز الإنتاج المحلي والاستثمار لضمان تحقيق نمو اقتصادي مستدام دون آثار تضخمية تؤثر على استقرار الأسواق والأسعار.
اطّلع أيضًا على مستجدات مصر 2025: مبادرة دعم القطاع الصناعي المصري ودورها في تخفيف أعباء التمويل
