الذهب والفضة

    التضخم والفيدرالي والتوترات.. ثلاثية تدفع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية

    •آخر تحديث •6 دقائق
    التضخم والفيدرالي والتوترات.. ثلاثية تدفع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية

    قفزت أسعار الذهب إلى مستويات غير مسبوقة عالميًا، متجاوزة حاجز 3716 دولارًا للأوقية، في ظل تخفيض مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لأسعار الفائدة وتلميحاته بمزيد من التيسير النقدي، ما أعاد الزخم إلى المعدن الأصفر كأبرز ملاذ آمن في مواجهة التقلبات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية.

    وأكد الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن القفزة التاريخية التي شهدتها أسعار الذهب في بداية الأسبوع لم تأتِ من فراغ، بل تعكس مجموعة من العوامل العالمية المتشابكة التي خلقت بيئة مواتية لصعود المعدن الأصفر إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، وأوضح أن تخفيض مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لأسعار الفائدة الأسبوع الماضي كان بمثابة الشرارة التي أشعلت هذا الصعود، لا سيما بعد أن لمح الفيدرالي الأمريكي إلى إمكانية اتباع مزيد من سياسات التيسير النقدي خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي عزز ثقة المستثمرين في أن الذهب سيبقى الوجهة الأكثر أمانًا وربحية في ظل الظروف الراهنة.

    وأشار عبد الهادي إلى أن سعر الذهب الفوري ارتفع بنسبة تقارب 1٪ ليصل إلى 3716 دولارًا للأوقية، بعدما سجل خلال الجلسة مستوى تاريخيًا عند 3719 دولارًا، بينما صعدت العقود الآجلة في بورصة نيويورك لتتجاوز 3750 دولارًا، وهو ما يؤكد أن الأسواق تسعر بالفعل موجة صعود جديدة قد تستمر لأشهر مقبلة.

    أسباب ارتفاع أسعار الذهب

    وأكد الخبير أن هذه القفزة ليست مجرد انعكاس لقرارات الفيدرالي، بل نتاج تراكم طويل لعوامل سياسية واقتصادية عالمية، من بينها تصاعد التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين في مسار الاقتصاد العالمي، إضافة إلى استمرار شهية البنوك المركزية لشراء الذهب كأصل استراتيجي ضمن احتياطاتها.

    ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن ارتفاع الذهب بأكثر من 42% منذ بداية العام يمثل رسالة واضحة للمستثمرين حول مكانة المعدن الأصفر كملاذ آمن في مواجهة الأزمات، موضحًا أن الأوضاع المضطربة في أسواق المال، وتراجع الثقة في استقرار العملات الرئيسية، دفعت العديد من المؤسسات المالية والمستثمرين الأفراد إلى زيادة تعرضهم للذهب، سواء عبر السوق الفورية أو العقود الآجلة أو حتى من خلال صناديق الاستثمار المتداولة، مؤكدًا أن لندن لا تزال مركز الثقل الأكبر في سوق الذهب بفضل معايير جمعية سوق السبائك، في حين تلعب كل من الصين والهند والشرق الأوسط والولايات المتحدة أدوارًا رئيسية في حركة الأسعار عالميًا.

    المؤسسات والأفراد.. صراع امتلاك الذهب

    أوضح عبد الهادي أن الإقبال المتزايد على الذهب لا يقتصر على المؤسسات، بل يشمل المستثمرين الأفراد الذين يفضلون امتلاك المعدن في صورته المادية عبر السبائك والعملات، سواء من خلال المتاجر التقليدية أو عبر المنصات الإلكترونية، وبيّن أن ذلك يعكس ارتفاع مستوى الوعي بين شريحة واسعة من المستثمرين حول أهمية تنويع أدواتهم الاستثمارية، خصوصًا في وقت يشهد العالم فيه تقلبات حادة في أسعار الصرف والسياسات النقدية.

    اقرأ أيضًا: ترامب يلغي الرسوم الجمركية على واردات الذهب ويعيد الاستقرار للأسواق

    الذهب مقابل الدولار الأمريكي

    شدد على أن ما يمنح الذهب زخمه المستمر هو كونه يتحرك في الغالب عكس الدولار الأمريكي، فكلما ضعف الدولار ازدادت جاذبية المعدن الأصفر للمستثمرين حول العالم، والعكس صحيح، وأكد أن هذا العامل يتداخل بشكل مباشر مع توجهات البنوك المركزية، التي وجدت في الذهب أداة مثالية للتحوط من مخاطر التضخم وتراجع القوة الشرائية للعملات الورقية.

    وأشار عبدالهادي، إلى أن تقرير مجلس الذهب العالمي الأخير أوضح أن البنوك المركزية واصلت شراء كميات إضافية من الذهب خلال العام، رغم ارتفاع الأسعار، بل إن بعضها سرّع من وتيرة الشراء في الربع الأخير، وهو ما يعكس توقعات بأن الذهب سيظل أصلًا رئيسيًا في استراتيجياتها لعقود مقبلة.

    وتابع عبدالهادي موضحًا أن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كانت مثالًا واضحًا على كيفية تأثر الذهب بالتطورات السياسية، إذ أدت التهديدات المتكررة باندلاع حروب تجارية وفرض رسوم جمركية جديدة إلى زيادة مخاوف الأسواق من التضخم واضطراب التجارة العالمية، ما انعكس مباشرة في ارتفاع أسعار الذهب باعتباره أداة تحوط طبيعية ضد مثل هذه المخاطر.

    اقرأ المزيد: البنوك المركزية تخطط لزيادة احتياطيات الذهب وتقليص حيازاتها من الدولار

    الذهب.. الرابح الأكبر وسط الاضطرابات الاقتصادية

    ختم الخبير الاقتصادي تصريحاته بالتأكيد على أن الذهب أثبت في كل مرة أنه الرابح الأكبر وسط الاضطرابات الاقتصادية والسياسية، فهو ليس مجرد أداة للتحوط من الأزمات، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في استراتيجيات الاستثمار العالمية سواء بالنسبة للأفراد أو المؤسسات أو حتى البنوك المركزية.

    وأضاف أن استمرار السياسات التيسيرية، وتنامي المخاوف بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي، سيبقيان الذهب على مسار صعودي طويل الأجل، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد أرقامًا قياسية جديدة إذا استمرت المؤشرات الاقتصادية في الولايات المتحدة على نهجها الحالي، وإذا ظل الطلب العالمي عند مستوياته المرتفعة.

    وفي ذات السياق، قال الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، إن الذهب تمكن مجددًا من استعادة زخمه القوي ليتجاوز حاجز 3700 دولار للأونصة، في دلالة واضحة على أن المعدن الأصفر ما زال يحتفظ بمكانته كملاذ آمن في ظل الاضطرابات الاقتصادية والمالية العالمية. وأوضح أن هذا الصعود يعكس قدرة الذهب على الاستفادة من السياسة النقدية الحذرة التي ينتهجها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، مشيرًا إلى أن استمرار هذه السياسة معطوف على الطلب الكبير من البنوك المركزية يضع الأسعار على مسار تصاعدي قد يقود إلى قمم تاريخية جديدة خلال الأيام المقبلة.

    الأسواق العالمية تترقب البيانات الأمريكية

    أشار الجرم إلى أنَّ الأسواق العالمية تترقب باهتمام بالغ صدور بيانات مؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي الشخصي الأساسي الأمريكي، والذي يُعتبر المقياس الأبرز الذي يعتمد عليه الفيدرالي لتقييم التضخم.

    وأكد أن نتائج هذا المؤشر ستلعب دورًا حاسمًا في رسم ملامح السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، وبالتالي ستحدد بشكل كبير اتجاهات أسعار الذهب، فإذا جاءت البيانات أقل من المتوقع، فستدعم استمرار التيسير النقدي، وهو ما يعزز جاذبية الذهب كخيار استثماري آمن.

    ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن الذهب لا يستند فقط إلى سياسة الفيدرالي، بل أيضًا إلى استمرار عمليات الشراء من قبل البنوك المركزية حول العالم، والتي باتت تنظر إلى المعدن الأصفر كأداة استراتيجية لتعزيز الاحتياطيات في ظل التوترات الجيوسياسية وتراجع الثقة في العملات الرئيسية.

    ومع ذلك، بيّن الجرم أن هناك انقسامات واضحة داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي نفسه، حيث خفض البنك أسعار الفائدة مؤخرًا بمقدار 25 نقطة أساس فقط، في الوقت الذي حذر فيه عدد من أعضائه من مخاطر استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة.

    كما أوضح الخبير أنَّ الأسواق تتابع هذا الأسبوع تصريحات ما لا يقل عن 12 مسؤولًا من مسؤولي الفيدرالي، بينهم رئيس البنك جيروم باول، وذلك في محاولة لاستشفاف ما إذا كان البنك يتجه نحو تسريع وتيرة التيسير النقدي أم سيكتفي بخطوات تدريجية.

    وتابع الجرم موضحًا أن التوقعات السائدة في الأسواق حاليًا تشير إلى وجود احتمالات مرتفعة جدًا لخفضين إضافيين في أسعار الفائدة خلال العام الجاري، الأول في أكتوبر بنسبة تصل إلى 93%، والثاني في ديسمبر بنسبة 81%، وبيّن أن مثل هذه التوقعات تجعل الذهب أحد أبرز الأدوات الاستثمارية التي يقبل عليها المستثمرون الباحثون عن الأمان والتحوط، لا سيما في بيئة تتسم بانخفاض أسعار الفائدة وتذبذب الأسواق المالية.

    مستقبل أسعار الذهب

    أوضح الدكتور رمزي الجرم أن الارتفاع الذي حققه الذهب منذ بداية العام، وهو ارتفاع استثنائي يعود إلى مزيج من العوامل، على رأسها التوترات الجيوسياسية المتفاقمة في أكثر من منطقة حول العالم، وحالة الضبابية الاقتصادية التي جعلت المستثمرين أقل ثقة في استقرار أسواق المال، فضلًا عن زيادة ملحوظة في عمليات الشراء الاستراتيجية من قبل البنوك المركزية، إلى جانب السياسات النقدية التيسيرية التي خففت من جاذبية الأصول ذات العائد الثابت.

    وختم الجرم تصريحاته بالتأكيد على أن المستقبل القريب قد يشهد مفاجآت إيجابية للمعدن الأصفر، خصوصًا إذا جاءت بيانات التضخم الأمريكية دون التوقعات، ففي هذه الحالة ستكون الأسواق أمام دفعة قوية يمكن أن تقود الذهب إلى مستويات تاريخية جديدة. وأضاف أن الذهب يظل في جميع الأحوال عنوانًا للأمان، وأداة لا غنى عنها للتحوط في مواجهة تقلبات الاقتصاد العالمي، لافتًا إلى أن مساره الصاعد مرشح للاستمرار طالما بقيت الظروف الاقتصادية والسياسية العالمية على حالها من الغموض وعدم اليقين.

    اقرأ أيضًا: 23 تريليون دولار مدخرات صينية تبحث عن بدائل خارج الأسهم