تشهد أسواق الطاقة العالمية موجة جديدة من ارتفاع أسعار الوقود، في تطور يثير مخاوف جدّية من عودة الضغوط التضخمية ودفع البنوك المركزية مجددًا نحو تشديد السياسة النقدية بعدما كانت قد بدأت بالتخفيف من حدّتها خلال الأشهر الماضية. هذا الارتفاع يهدّد بإعادة الاقتصادات إلى نقطة الصفر في معركتها مع التضخم، خصوصًا أن أثره يظهر سريعًا في تكلفة النقل والإنتاج والاستهلاك.
وفي الولايات المتحدة، بلغت عقود البنزين الآجلة في بورصة نيويورك أعلى مستوياتها خلال تسعة أشهر، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الوقود في المحطات، التي وصلت إلى ثاني أعلى مستوى لها منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية. ويأتي هذا الارتفاع الحاد في ظل نقص واسع في وقود المركبات على مستوى العالم، نتيجة مجموعة من العوامل المتراكمة، أبرزها الأعطال المفاجئة في عدد من مصافي التكرير، إلى جانب انخفاض المخزونات إلى مستويات أدنى من المعتاد في مثل هذا الوقت من العام داخل مراكز تخزين رئيسة مثل ساحل الخليج الأمريكي وسنغافورة.
ورغم أن عقود النفط الآجلة ظلت مستقرة نسبيًا منذ بداية العام، ولم تُظهر تغيّرًا كبيرًا في اتجاهاتها السعرية، فإنّ عقود البنزين الأمريكية سجّلت ارتفاعًا لافتًا بنحو 20%، ما يعكس اختلالات واضحة في سوق الوقود مقارنة بسوق النفط الخام، ويعزّز مخاطر استمرار الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة.
البنزين في قلب الضغوط التضخمية العالمية
غالباً ما يعتبر البنزين سلعة مهمة تستحوذ على جزء من النفقات اليومية للمستهلكين إلى جانب الطعام والإيجار، وتمثل أسعار الطاقة أحد العوامل التي ساهمت في إشعال الموجة التضخمية على مستوى العالم العام الماضي.
في الولايات المتحدة، يبرز التحكم في أسعار الوقود كأحد أكثر التحديات تعقيدًا أمام الرئيس جو بايدن، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية التي تفصله عنها نحو عام فقط. هذا التحدي يتصاعد بعد الخطوة المثيرة للجدل التي اتخذتها الإدارة الأمريكية في الصيف الماضي، والمتمثلة ببيع كميات كبيرة من احتياطي النفط الاستراتيجي، وهو إجراء يراه كثيرون أنه قلّص من قدرة البلاد على احتواء أي ارتفاعات مفاجئة في الأسعار.
وتشير تقديرات دويتشه بنك إلى أن ارتفاع سعر غالون البنزين بمقدار سنت واحد فقط يؤدي إلى تآكل يُقدَّر بنحو 1.15 مليار دولار من القوة الشرائية السنوية للأمريكيين. وعلى الجانب الآخر، فإن الانخفاض الذي سجّله سعر الغالون بنحو 1.30 دولار خلال الربع الثاني من العام أتاح للمستهلكين ما يقرب من 150 مليار دولار إضافية، وهي مبالغ ضخمة يمكن توجيهها نحو استهلاك السلع والخدمات، ما يعزز النشاط الاقتصادي ويدعم ثقة الأسر في قدراتها الشرائية.
أسعار البنزين في أمريكا تشتعل من جديد
ارتفاع أسعار الوقود
يؤدي تراجع المخزونات وارتفاع الطلب في الأسواق المحورية إلى دفع أسعار الوقود للصعود حول العالم، مع اختلاف حدّة التأثير بين منطقة وأخرى؛ ففي أوروبا تسارعت وتيرة ارتفاع أسعار البنزين مقارنة بصعود النفط الخام نفسه، على الرغم من أن هذا الارتفاع لم ينتقل بالكامل إلى أسعار المحطات حتى الآن، وفي آسيا واصلت الأسعار في سوق سنغافورة -المركز الأبرز لتسعير الوقود في المنطقة- التقدم الصعودي.
أما في الاقتصادات النامية ومنخفضة الدخل، فيُصبح ارتفاع أسعار الوقود عبئًا مضاعفًا على الحكومات، نظرًا لاعتماد الكثير منها على دعم أسعار الوقود لحماية الفئات الأكثر هشاشة، ومع كل موجة ارتفاع تتقلّص قدرة هذه الحكومات على احتواء الضغوط التضخمية، في وقت تعاني فيه مالياتها أصلًا من ضيق الحيز المالي.
ورغم محاولات تعويض النقص في الإمدادات، فإنّ المعروض العالمي من البنزين لم يستطع التعافي بشكل ملموس من المستويات المتدنية التي وصل إليها سابقًا؛ ففي الشرق الأوسط والصين، ورغم إضافة طاقات جديدة لمصافي التكرير، ظل الأثر محدودًا مقارنة بحجم الطلب العالمي. وفي الولايات المتحدة، سجّل الإنتاج أكبر زيادة له منذ أكثر من عشر سنوات، وجاء ذلك قبل التمديد المفاجئ لتشغيل مصفاة كانت مقررة للإغلاق بنهاية العام، وهو ما وفّر إمدادات إضافية غير متوقعة، لكنه لم يكن كافيًا لإعادة التوازن إلى السوق عالميًا.
وحدات التكرير تفاقم من الأزمة
بحسب بنك غولدمان ساكس، تعد أنظمة التكرير عبر العالم أكثر عرضة للأعطال بعد أعوام من التشغيل القوي، كما أن موجة الحر القياسية التي تضرب أوروبا وعدد من الدول الآسيوية تزيد من صعوبة تشغيل المصافي بخامات خفيفة.
في الصين، أكبر مستورد للنفط الخام عالميًا، تُظهر البيانات أن الطلب على الوقود يمضي في مسار صاعد يعكس قوة النشاط الاقتصادي؛ فوفق بيانات شركة بايدو، ارتفعت الكثافة المرورية في 15 مدينة تُعد الأكثر امتلاكًا للسيارات بنحو 25% مقارنة بمستويات يناير 2021، ما يشير إلى توسّع واضح في استخدام المركبات. وفي الوقت نفسه، هبطت مخزونات البنزين التجارية إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2019 على الأقل، وهو ما يضغط على السوق الداخلية ويعزز وتيرة ارتفاع الأسعار.
وتقدّر ريستاد إنرجي أن الطلب الصيني على البنزين سيصل خلال شهر يوليو إلى نحو 3.3 مليون برميل يوميًا، بزيادة تبلغ حوالي 14% مقارنة بالشهر ذاته من عام 2019، وهو آخر عام شهد استهلاكًا طبيعيًا قبل إجراءات الإغلاق المرتبطة بجائحة كوفيد، ما يعكس انتعاش حركة التنقل والسفر المحلي، ويعيد الصين إلى موقعها المؤثر في معادلة الطلب العالمية على الوقود.
وفي أوروبا، يسير استهلاك البنزين في الاتجاه ذاته، إذ سجّلت كل من فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا زيادات سنوية في حجم الطلب، رغم التحديات التي تواجهها المنطقة نتيجة العقوبات المفروضة على روسيا. هذه العقوبات حرمت المصافي الأوروبية من خام الأورال الروسي التقليدي ومن المواد الأولية الضرورية لعمليات التكرير، ما دفعها إلى التحول نحو خامات بديلة، أبرزها الخام الأمريكي الخفيف.
لكن هذا التحول لم يأتِ بلا تكلفة؛ فالاعتماد على الخام الأمريكي أدى إلى زيادة إنتاج النافتا الخفيفة -الصالحة للخلط في البنزين- إلا أنها لا تكفي بمفردها لإنتاج البنزين الممتاز؛ إذ يتطلب البنزين عالي الجودة مكوّنات إضافية مثل مادة الريفورميت، ما رفع تكاليف الإنتاج وأسهم في زيادة أسعار البنزين الممتاز في السوق الأوروبية، وسط بيئة تعاني أصلًا من نقص الإمدادات وضغوط تشغيلية على المصافي.
