اقتصاد كلي

    اجتماع الفيدرالي الأمريكي بين التيسير النقدي وضغوط السياسة

    •آخر تحديث •6 دقائق
    اجتماع الفيدرالي الأمريكي بين التيسير النقدي وضغوط السياسة

    تعيش الأسواق العالمية حالة ترقب حذر، مع اقتراب اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المقرر انعقاده يومي الثلاثاء والأربعاء 28 و29 أكتوبر الجاري، وسط انقسام واضح بين من يتوقع خفضًا محدودًا في أسعار الفائدة دعماً للنمو الاقتصادي، ومن يرى أن الفيدرالي سيواجه اختبارًا سياسيًا صعبًا بين الاستقلال المالي وضغوط البيت الأبيض.

    وأكد الخبير الاقتصادي أحمد شوقي أن الفيدرالي الأمريكي يهدف في هذه المرحلة إلى تحقيق معادلة دقيقة، تتمثل في احتواء التضخم دون التسبب في ركود حاد، موضحًا أن البيانات الأخيرة تشير إلى تباطؤ نسبي في وتيرة ارتفاع الأسعار، وهو ما يمنحه هامشاً محدوداً للتحرك في الاتجاه التيسيري.

    توقعات بخفض الفيدرالي الأمريكي الفائدة 25 نقطة أساس

    رجَّح شوقي أن يُقدم الفيدرالي على خفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس (0.25%)، لتصل إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4.00%، في خطوة تعكس “نهج التيسير النقدي الحذر”، الذي يهدف إلى دعم النشاط الاقتصادي دون إطلاق موجة تضخمية جديدة.

    وأشار إلى أن معدل التضخم السنوي بلغ 3% في سبتمبر مقارنة بـ 2.9% في أغسطس، بينما سجل في الأشهر السابقة 2.7%، وهو ما يعكس –بحسب شوقي– تباطؤًا في وتيرة الارتفاع، لكنه لا يعني الوصول إلى الاستقرار المنشود عند مستوى 2% المستهدف من الفيدرالي.

    وأضاف أن معدل البطالة ارتفع بشكل نسبي بنسبة 1% ليصل إلى 4.3% في أغسطس 2025، وهو ما يشير إلى تباطؤ محدود في سوق العمل الأمريكي، ما قد يشجع الفيدرالي على الاستمرار في سياسة الخفض التدريجي للفائدة.

    من جانبه، أوضح الدكتور محمد الشوربجي الخبير المصرفي، أن اجتماع الفيدرالي المرتقب يحظى بترقب عالمي غير مسبوق، بالنظر إلى تداعياته المحتملة على أسواق المال وسعر الدولار والذهب، مشيرًا إلى أن خفض الفائدة الأمريكية أصبح المسار الأقرب في ظل ضغوط الركود وتباطؤ النمو.

    وقال الشوربجي إن التوقعات تشير إلى أن الفيدرالي الأمريكي سيُقدم على خفض الفائدة بمقدار يتراوح بين 25 و50 نقطة أساس، أي أقل من الواحد الصحيح، استنادًا إلى قناعة داخل المجلس بأن مستويات التضخم الحالية مؤقتة، نتيجة التوترات التجارية التي تفاقمت بفعل القرارات الجمركية الصارمة التي اتخذتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب خلال حربها التجارية مع الصين.

    وأضاف أن الإغلاق الحكومي الأمريكي وما تبعه من ارتباك إداري واقتصادي زاد من حالة عدم اليقين في الأسواق، مما يجعل التيسير النقدي خيارًا مفضلًا لتجنب تباطؤ أعمق في النمو خلال الربع الأخير من العام.

    تأثير القرار على الدولار

    يرى الشوربجي أن خفض الفائدة الأمريكية سيكون له تأثير مباشر على الدولار العالمي، حيث ستتراجع جاذبية السندات الأمريكية ذات العائد الثابت، مما سيدفع بعض رؤوس الأموال للتحول إلى أسواق أخرى تقدم عوائد أعلى، سواء في آسيا أو أوروبا أو الأسواق الناشئة.

    وشرح الشوربجي الآلية التقليدية لذلك بقوله: “عندما تخفض البنوك المركزية أسعار الفائدة، فإن تكاليف الاقتراض تنخفض، ما يدعم النشاط الصناعي والاستثمار الإنتاجي، ويقلل من أعباء الدين على الموازنة العامة، ويحفّز المستثمرين على شراء الأصول الآمنة مثل الذهب، ما يؤدي عادة إلى ارتفاع أسعاره عالميًا”.

    وأضاف  أن الفيدرالي، رغم وضوح نواياه التيسيرية، قد يواجه قيودًا استثنائية في اتخاذ القرار، في ظل غياب البيانات الاقتصادية الرسمية التي توقفت مؤقتًا بسبب الخلافات السياسية بين الجمهوريين والديمقراطيين حول دعم التأمين الصحي.

    وقال الشوربجي: “القرار هذه المرة سيُتخذ دون صورة كاملة عن الاقتصاد، وهو ما يزيد من حساسية الموقف، خصوصًا في ظل الضغوط المتزايدة من الرئيس الأمريكي الذي يطالب بخفض أكبر للفائدة”.

    مؤشرات الاقتصاد الأمريكي: بين التضخم والنمو

    تعكس المؤشرات الاقتصادية الأخيرة في الولايات المتحدة مزيجًا متناقضًا من تحسّن النمو وتباطؤ التوظيف، فقد حقق الاقتصاد الأمريكي نموًا في الناتج المحلي الإجمالي بلغ 3.8% في نهاية الربع الثاني من عام 2025، مقارنة بانكماش حاد بلغ -6% في الربع الأول، في انتعاش قوي يعزى إلى زيادة الإنفاق الاستهلاكي وعودة النشاط الصناعي تدريجيًا.

    ومع ذلك، لا تزال مؤشرات سوق العمل تظهر ضعفًا نسبيًا، حيث تباطأت وتيرة التوظيف وارتفع معدل البطالة، ما يجعل الفيدرالي أمام معادلة معقدة، تتمثل في خفض الفائدة لتحفيز النمو دون المخاطرة بعودة التضخم إلى مسار صاعد.

    وبحسب أداة CME Group FedWatch، بلغت احتمالية خفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس نحو 98.3%، ما يعكس إجماع الأسواق على أن دورة التشديد النقدي انتهت فعليًا، وأن التيسير أصبح المسار القادم، غير أن البيان السابق للفيدرالي شدّد على “ضرورة مراقبة سوق العمل بدقة”، في ضوء تباطؤ مؤشرات التوظيف واستمرار الضغوط التضخمية الأساسية.

    هل يستسلم الفيدرالي الأمريكي لضغوط ترامب؟

    من جانبه، طرح الدكتور حسين العسيلي تساؤلًا محوريًا: هل يستسلم الفيدرالي الأمريكي لضغوط ترامب؟ أم يثبت استقلاله التاريخي في وجه السياسة؟ وصف العسيلي المشهد الاقتصادي العالمي بأنه مشحون بالتوترات التجارية والضغوط السياسية، مؤكدًا أن الاجتماع المقبل للفيدرالي “لن يكون تقنيًا فقط، بل سياسيًا أيضًا”، لأن قراراته ستحدد ما إذا كانت الكلمة العليا للاقتصاد أم للبيت الأبيض.

    وأشار إلى تقديرات مؤسسات مالية كبرى مثل بنك أوف أمريكا وجيه بي مورجان، التي ترجّح خفضًا طفيفًا للفائدة بمقدار 25 نقطة أساس (¼%)، ما سيؤدي إلى تراجع النطاق المستهدف للفائدة إلى 4.75 – 5.00% بعد أن كان عند 5.00 – 5.25% منذ يونيو الماضي.

    أما بيانات بلومبرغ، فتشير إلى أن احتمال الخفض يبلغ نحو 68%، وفقًا لتسعير عقود الفيوتشر في الأسواق الأمريكية، بينما أظهرت بيانات بورصة شيكاغو التجارية (CME) أن الأسواق ترجح استمرار دورة الخفض التدريجي خلال النصف الأول من عام 2026 إذا استمر تباطؤ النمو وتراجع التضخم الأساسي دون 2.8%.

    وأشار العسيلي إلى أن التحدي الأكبر أمام الفيدرالي يتمثل في الموازنة بين دعم النمو الاقتصادي وتجنب عودة التضخم، الذي ما زال يحوم حول 3.3% حتى سبتمبر الماضي، أي أعلى من المستهدف الرسمي عند 2%.

    بين استقلال الفيدرالي وضغوط البيت الأبيض

    يُذكّر العسيلي بأن الفيدرالي يتمتع بـ”استقلال قانوني راسخ يمنع الرئيس الأمريكي من التدخل المباشر في قراراته”، لكنه يوضح أن الواقع السياسي “يكشف عن ضغوط ناعمة تمارسها الإدارة عبر التعيينات المؤثرة داخل مجلس الاحتياطي”، فقد عيّن ترامب مؤخرًا الخبير الاقتصادي ستيفن ميران عضوًا في لجنة السوق المفتوحة (FOMC)، وكان الصوت الوحيد المطالب بخفض أكبر من ربع نقطة مئوية في الاجتماع السابق.

    وأضاف: “ترامب، ومنذ عودته إلى المشهد السياسي، لم يخفِ رغبته في التأثير على السياسة النقدية، فقد دعا علنًا إلى خفض أسرع للفائدة لتحفيز الصادرات والنمو، واتهم رئيس الفيدرالي جيروم باول بالتباطؤ في مواجهة الركود المفتعل”. ويرى العسيلي أن هذا الصراع بين الاستقلال المالي والسلطة السياسية يمثل اختبارًا حقيقيًا لهوية الفيدرالي في المرحلة المقبلة: هل يظل مؤسسة تكنوقراطية تستند إلى المؤشرات، أم يتحول إلى أداة سياسية تدار من البيت الأبيض؟

    اقرأ أيضًا: هل سيحافظ الفيدرالي الأمريكي على استقلاليته في عهد ترامب؟

    التأثيرات العالمية لقرارات الفيدرالي

    أشار العسيلي إلى أن أي خفض في أسعار الفائدة الأمريكية، حتى لو كان تدريجيًا، سينعكس فورًا على الأسواق العالمية، فانخفاض العائد على الدولار سيؤدي إلى تحول رؤوس الأموال نحو الأسواق الناشئة بحثًا عن عوائد أعلى، ما يرفع من تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى أدوات الدين في الاقتصادات النامية والعربية، كما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الذهب والنفط باعتبارهما ملاذين آمنين في فترات التيسير النقدي.

    وأضاف الخبير أنَّ بعض العملات المحلية –مثل الجنيه المصري– قد تشهد تحسنًا مؤقتًا في قيمتها نتيجة انخفاض الضغط الدولاري، لكن التذبذب المستمر في سياسات الفيدرالي قد يعيد حالة عدم اليقين في الأمد المتوسط، مما يدفع البنوك المركزية في الشرق الأوسط إلى مراقبة التطورات لحظة بلحظة قبل تعديل سياساتها.

    وفي ختام تحليله، أكّد الدكتور حسين العسيلي أن ما يدور في أروقة الفيدرالي اليوم يتجاوز كونه نقاشًا فنيًا حول نسب الفائدة، ليصبح “صراعًا بين العقل الاقتصادي وصوت السياسة”، وقال: “إما أن يثبت الفيدرالي استقلاله التاريخي في مواجهة الضغوط السياسية، أو أن تدخل الولايات المتحدة مرحلة جديدة من التسييس المالي، بما يحمله ذلك من مخاطر على أكبر اقتصاد في العالم، وقرار الفيدرالي القادم لن يحدد فقط مسار الفائدة والدولار، بل سيحدد أيضًا اتجاه الاقتصاد العالمي برمّته”.

    اقرأ أيضًا: ماذا يعني تخفيض تصنيف أمريكا الائتماني؟