تترقب الأوساط الاقتصادية اجتماع البنك المركزي المصري بشأن أسعار الفائدة، المقرر عقده في 17 أكتوبر 2024، ويأتي هذا الاجتماع وسط تحديات اقتصادية عالمية وإقليمية متزايدة، تشمل ارتفاع معدلات التضخم، وتأثير التوترات الجيوسياسية، وتقلبات الأسواق المالية، حيث تسعى اللجنة لتحقيق توازن دقيق بين احتواء التضخم ودعم النمو الاقتصادي، في ظل الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وتأثير السياسات النقدية العالمية.
القرار الناتج عن الاجتماع سيكون له تداعيات كبيرة على مستقبل الاقتصاد المصري، وعلى قطاعات حيوية مثل الاستثمار، والقطاع العقاري، والقطاع المصرفي. ويقول الدكتور أحمد شوقي، الخبير المصرفي، إن لجنة السياسات النقدية في البنك المركزي المصري تهدف إلى مراقبة الأسواق والأوضاع الاقتصادية، وسط التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وهذا يدفع اللجنة إلى توخي الحذر عند اتخاذ قرار بشأن أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل المزمع عقده، مع احتمالية الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية دون تغيير.
أسباب الإبقاء على أسعار الفائدة
أوضح شوقي أن هناك عدة أسباب وراء توجه اللجنة للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، أهمها استمرار ارتفاع التضخم الذي سجل زيادة طفيفة بنسبة 0.2% في نهاية سبتمبر، ليصل إلى 26.4% مقارنة بـ26.2% في أغسطس. وأشار إلى أن هذا الارتفاع يعكس تأثير رفع أسعار الفائدة إلى 27.25% للإيداع و28.25% للإقراض، مما ساعد جزئيًا في احتواء التضخم، مشيرًا إلى أن اللجنة قد تُعدِّل أهدافها في نهاية عام 2025 للوصول إلى معدل تضخم أحادي الرقم، وذلك في ظل التحديات الاقتصادية الخارجية.
وأضاف الخبير المصرفي في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” أن اللجنة تحاول الحفاظ على جاذبية أدوات الدين بعد خروج حوالي 800 مليون دولار من “الأموال الساخنة”، وهي أحد الموارد الثانوية للعملات الأجنبية، كما أكد ضرورة تحقيق معدلات عائد إيجابية بعد خصم معدل الضريبة، خاصة للمستثمرين الأجانب، وأشار إلى أنّ معدلات العائد الحالية للأوعية الادخارية بالجنيه المصري تُحقق عائدًا حقيقيًا بعد احتساب معدلات التضخم، مما يساهم في استقرار ودائع القطاع المصرفي.
وقد توقع الدكتور رمزي الجرم، الخبير المصرفي، أن يقوم البنك المركزي بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في الاجتماع المقبل، مستندًا إلى الضغوط التضخمية المستمرة، والارتفاع في أسعار الطاقة والسلع الأساسية، بالإضافة إلى التطورات الجيوسياسية، كما أشار إلى أن هناك حاجة لمزيد من الوقت لمراقبة تأثير الإجراءات النقدية السابقة، مع ارتباط برنامج الإصلاح الاقتصادي باتفاق مع صندوق النقد الدولي، وهو ما يعزز التوقعات بالإبقاء على أسعار الفائدة كما هي.
أداء الاقتصاد المصري
أوضح شوقي أن الاقتصاد المصري حافظ على معدل نمو محدود، حيث بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 2.4% في الربع الرابع من العام المالي 2023/2024، مقارنة بـ 3.8% في العام المالي السابق، وذلك في ظل الضغوط الناتجة عن التوترات الجيوسياسية.
وعلى الرغم من ارتفاع أسعار الفائدة التي تزيد من التكاليف التمويلية على القطاعات الاقتصادية، فإن مبادرة دعم القطاعين الصناعي والزراعي بفائدة 15% ساهمت في توفير التمويل اللازم لهذين القطاعين بمعدلات عائد منخفضة بنسبة 12.25%، بالإضافة إلى الهامش المقرر من البنوك حسب تكلفة رأس المال.
كما أكد شوقي على أهمية استخدام أدوات السياسة النقدية بشكل فعال لاحتواء التضخم، لكنه أشار إلى أن هذه الأدوات وحدها لن تكون كافية للوصول إلى معدلات التضخم المستهدفة دون دعم من السياسات المالية.
وأوضح أن الجهات المعنية بدأت بالفعل في اتخاذ إجراءات داعمة، مثل تقديم حوافز للمستثمرين، وتعديل الضرائب والجمارك، وخفض فاتورة الاستيراد، وذلك للتأثير في الفجوة المستمرة في الميزان التجاري ضمن ميزان المدفوعات.
ومن الجدير بالذكر أنّ الجرم اتفق مع رأي شوقي حول العوامل المؤثرة في قرار لجنة السياسات النقدية، مشيرًا إلى أن اللجنة تسعى لتحقيق توازن بين مكافحة التضخم ودعم النمو الاقتصادي، وأوضح أن دراسة تأثير تثبيت أسعار الفائدة على جاذبية الاستثمارات الأجنبية المباشرة تُعتبر من العوامل المؤثرة، وكذلك تأثير السياسات النقدية للدول الكبرى على السياسة النقدية في مصر.
اقرأ أيضًا: إعادة تقييم الشركات بالبورصة المصرية
التأثير المحتمل في القطاعات الاقتصادية
قال الجرم في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” إنّ استمرار ارتفاع أسعار الفائدة قد يؤدي إلى تباطؤ الاستثمار في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على الاقتراض، مثل القطاع العقاري. وقد ينعكس ذلك على تباطؤ النمو في هذا القطاع وتقليل الطلب على مواد البناء والمواد الخام.
ومع ذلك، قد يستفيد القطاع المصرفي من ارتفاع أسعار الفائدة من خلال زيادة هوامش الربح على القروض، فضلاً عن جذب الاستثمارات الأجنبية إلى أدوات الدين المصرية، مما يسهم في استقرار سعر الصرف.
على الرغم من أن تثبيت أسعار الفائدة يبدو السيناريو الأكثر ترجيحًا، إلا أن هناك مخاطر محتملة قد تؤثر في القرار، منها استمرار ارتفاع التضخم، وتدهور الأوضاع الاقتصادية العالمية، وزيادة التوترات الجيوسياسية.
وفي هذا الصدد، أوصى الجرم بضرورة أن تراقب الشركات والمستثمرون التطورات الاقتصادية من كثب لاتخاذ قرارات استثمارية مدروسة، وبيّن أنّ من واجب الحكومة المصرية مواصلة جهودها لتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي لجذب المزيد من الاستثمارات.
تحديات النمو الاقتصادي وضرورات خفض الفائدة
في السياق ذاته، توقعت مذكرة بحثية صادرة عن إدارة البحوث المالية بشركة “أتش سي” للأوراق المالية والاستثمار أن تحافظ لجنة السياسات النقدية في البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة الحالية دون تغيير، وذلك استنادًا إلى التطورات الاقتصادية الكلية والاضطرابات الجيوسياسية المؤثرة.
وأكدت نعمت شكري، رئيسة البحوث المالية في الشركة، أن هناك حاجة إلى خفض أسعار الفائدة لدعم نمو الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنّ ارتفاع معدل التضخم المتوقع خلال أكتوبر يدفع اللجنة إلى تأجيل الخفض حتى وقت لاحق من العام.
كما أشارت شكري إلى تحسُّن كبير في الوضع المالي الخارجي لمصر، حيث زاد فائض ميزان المدفوعات في الربع الرابع من السنة المالية 2023/2024 بحوالي تسع مرات على أساس سنوي، ليصل إلى 5.55 مليار دولار، إلى جانب ارتفاع صافي احتياطي النقد الأجنبي بقيمة 140 مليون دولار في سبتمبر، لكن على الرغم مما ورد في المذكرة من تحسن للمؤشرات، إلا أن النمو الاقتصادي في مصر ما زال مقيدًا نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة، مما يُلقي بثقل كبير على استثمارات القطاع الخاص.
وأشارت شكري أخيرًا إلى أن مؤشر مبادلة أخطار الائتمان لمصر تراجع من 857 نقطة أساس في بداية يناير إلى 407 نقاط أساس، مما يعكس بعض التحسن في الظروف المالية، ولكن ما زالت هناك تحديات كبيرة تؤثر في النمو.
