تقارير خاصة

    اتفاق مكة للدفاع المشترك.. قراءة استراتيجية واقتصادية

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •7 دقائق
    الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بعد توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك.
    الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بعد توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك في مكة المكرمة، المملكة العربية السعودية، في 7 أغسطس 2026.

    أثار الإعلان عن "اتفاق مكة للدفاع المشترك" بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تساؤلات واسعة بشأن طبيعة الاتفاق، ومحاوره العسكرية والأمنية، والرسائل التي يحملها في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.

    وبحسب ما ورد في الإعلان، فإن الاتفاقية ذات طبيعة دفاعية، تهدف إلى تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين الدول الثلاث، كما أنّها تنص على أن أي هجوم خارجي تتعرض له إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا.

    وفي الوقت نفسه، أكدت الأطراف المشاركة أن “اتفاق مكة” يستهدف دعم بيئة إقليمية أكثر أمنًا واستقرارًا، وأن انعكاساته المتوقعة ستكون إيجابية على المنطقة.

    وشدد الجانب السعودي على أنّ الاتفاقية ليست موجهة ضد أي دولة، ولا تمثل تهديدًا لأي طرف إقليمي، وهي الرسالة نفسها التي أكدها مسؤولون أتراك، وفي مقدمتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

    ماذا يعني اتفاق مكة إقليميًا

    وفي هذا الشأن، قال منير أديب، الخبير في الشأن السياسي، إن اتفاق مكة يمثل تطورًا مهمًا في بنية العلاقات الاستراتيجية بين السعودية وتركيا وباكستان، خاصة أن الاتفاق يتجاوز مفهوم التنسيق السياسي التقليدي إلى بناء إطار واضح للتعاون الدفاعي والعسكري، يقوم بصورة أساسية على مبدأ أن أي اعتداء خارجي تتعرض له واحدة من الدول الثلاث يُنظر إليه باعتباره اعتداءً على الدول المشاركة جميعًا.

    وأوضح أديب أن أهمية هذا المبدأ تكمن في تأثيره على مفهوم الردع، لأنه يرفع تكلفة أي تهديد محتمل لإحدى الدول الثلاث، ويجعل الطرف الذي يفكر في ممارسة ضغط عسكري أو أمني عليها مطالبًا بحساب ردود فعل ثلاث قوى إقليمية، وليس دولة واحدة فقط.

    وأضاف أن الاتفاق، وفق ما أعلنته الدول المشاركة، لا يستهدف تأسيس محور هجومي ضد دولة بعينها، وإنما يقوم في الأساس على تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، وهي نقطة شديدة الأهمية في قراءة أبعاد الاتفاق سياسيًا، خاصة في ظل التخوفات التي تصاحب عادة ظهور تحالفات عسكرية جديدة في مناطق تشهد أزمات وصراعات مفتوحة.

    اتفاق مكة

    تراكم استراتيجي وليس قرارا مفاجئًا

    وأشار أديب إلى أن النظر إلى اتفاق مكة باعتباره مجرد رد فعل على التطورات العسكرية الراهنة في المنطقة قد يكون قراءة غير مكتملة، لأن التعاون بين الدول الثلاث سبق الإعلان الرسمي عن الاتفاق بسنوات.

    وأوضح أن المسار الدفاعي، وخاصة في مجال الصناعات العسكرية، بدأ يتبلور منذ نهاية عام 2022، قبل أن يتطور في عام 2023 عبر آليات للتعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وهو ما يعني أن الاتفاق الحالي جاء تتويجًا لمسار متراكم من التنسيق وليس قرارًا جرى اتخاذه بصورة مفاجئة نتيجة أزمة عابرة.

    وأضاف أديب أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقال التعاون من مستوى التفاهم السياسي إلى مستوى أكثر مؤسسية، يتضمن تدريبات عسكرية مشتركة، وتنسيقًا متزايدًا بين وزارات الدفاع وقيادات القوات المسلحة، إلى جانب التعاون في التصنيع العسكري ونقل التكنولوجيا والخبرات الدفاعية بين الأطراف الثلاثة.

    وأكد أن هذا البعد الصناعي ربما يكون واحدًا من أهم عناصر الاتفاق على المدى البعيد، لأن التحالفات الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على تحريك القوات، وإنما كذلك بقدرتها على بناء قواعد إنتاج دفاعي مستقلة وتطوير التكنولوجيا العسكرية وتقليل الاعتماد على مصادر التسليح الخارجية.

    الممرات البحرية ومفهوم الأمن الجماعي

    ومع ذلك، أكد أديب أن اتفاق مكة لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع التي تشهدها منظومة الأمن الإقليمي، وخاصة في البحر الأحمر والممرات البحرية.

    وأشار إلى أن التحركات المتعلقة ببناء أطر دفاعية لحماية الملاحة البحرية تعكس إدراكًا متزايدًا لدى دول المنطقة بأن حماية الممرات الحيوية لم تعد قضية وطنية تخص دولة واحدة، وإنما قضية أمن جماعي مرتبطة بالطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية.

    وأوضح أن السعودية وتركيا وباكستان تمتلك كل منها مصالح مباشرة في استقرار هذه الممرات، الأمر الذي يفسر وجود أرضية واسعة للتنسيق بينها.

    اقرأ أيضًا: السعودية وسوريا توقّعان عقودًا استثمارية بمليارات الريالات

    تركيا وتنويع التحالفات الاستراتيجية

    ويرى أديب أن المشاركة التركية في اتفاق مكة يجب قراءتها أيضًا في إطار توجه أنقرة خلال السنوات الأخيرة إلى تنويع شراكاتها الدفاعية وعدم حصر خياراتها الاستراتيجية في علاقاتها التقليدية مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

    وأشار إلى أن العلاقات التركية الغربية شهدت خلافات متعددة، خاصة في ملفات التسليح والطائرات المقاتلة ومنظومات الدفاع الجوي، وهو ما دفع أنقرة إلى التركيز بصورة أكبر على تطوير صناعاتها الدفاعية المحلية والبحث عن شراكات إقليمية جديدة.

    وبحسب أديب، تمثل السعودية بالنسبة إلى تركيا قوة عربية وإقليمية تتمتع بثقل سياسي واقتصادي كبير، بينما تمثل باكستان قوة عسكرية مهمة ودولة نووية تمتلك خبرات دفاعية واسعة، وبالتالي فإن بناء شراكة بين الدول الثلاث يمكن أن ينتج شبكة مصالح استراتيجية تتجاوز التعاون العسكري التقليدي.

    وأضاف أن الاتفاق لا يعني بالضرورة ابتعاد تركيا عن الناتو، لأن الدول تستطيع الحفاظ على عضويتها في تحالفات قائمة، وفي الوقت نفسه بناء أطر دفاعية جديدة تخدم مصالحها الخاصة، خصوصًا أن السعودية وباكستان ترتبطان أيضًا بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة والغرب.

    باكستان والممرات البحرية

    أما فيما يتعلّق بباكستان، فقد أكد أديب أن العامل الاقتصادي والأمن القومي يمثلان محورًا أساسيًا في فهم موقفها من الاتفاق، خاصة مع تنامي التهديدات المحيطة بمضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب.

    وأوضح أن باكستان تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار حركة التجارة والطاقة في المنطقة، ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في الممرات البحرية الرئيسة ستكون له انعكاسات مباشرة على اقتصادها وأمنها القومي، الأمر الذي فرض على إسلام آباد البحث عن آليات تعاون أوسع مع القوى الإقليمية القادرة على حماية طرق التجارة وتأمين المصالح المشتركة.

    وأضاف أن انضمام باكستان إلى اتفاق دفاعي يجمعها بالسعودية وتركيا يحمل رسالة استباقية مفادها أن الأطراف الثلاثة لديها استعداد للتنسيق إذا تعرضت مصالحها الاستراتيجية أو أمنها المباشر للخطر، دون أن يعني ذلك وجود توجه مسبق لخوض حرب أو استهداف دولة بعينها.

    اتفاق مكة لا يلغي التحالف القديم بين السعودية وباكستان

    وقال أديب إن الاتفاق الثلاثي الجديد لا يتعارض مع العلاقات الدفاعية التاريخية بين السعودية وباكستان، بل يضيف إليها إطارًا أوسع بمشاركة تركيا.

    وأوضح أن الرياض وإسلام آباد تمتلكان تاريخًا طويلًا من التعاون العسكري والأمني، لكن إنشاء اتفاق جديد يجمع ثلاث دول يسمح ببناء آليات مستقلة للتعاون الجماعي دون الحاجة إلى إعادة صياغة الترتيبات الثنائية القديمة.

    وأضاف أن هذا النموذج يمكن أن يوفر مرونة أكبر في إنشاء لجان مشتركة، وإجراء مناورات عسكرية، وتطوير مشروعات إنتاج دفاعي، ووضع قواعد للتنسيق السياسي والعسكري في التعامل مع الأزمات الإقليمية.

    السعودية وتنويع الشراكات الدفاعية

    وأشار أديب إلى أن الاتفاق يعكس في الوقت نفسه توجه السعودية إلى توسيع شبكة شراكاتها الاستراتيجية والدفاعية وعدم الاعتماد على مصدر واحد في بناء منظومة أمنها القومي.

    وأوضح أن الدول الكبرى عادة ما تعمل على تنويع علاقاتها العسكرية ومصادر التكنولوجيا والتسليح، بما يسمح لها بامتلاك هامش أوسع من الحركة والاستقلال في اتخاذ القرار.

    وأكد أن دخول السعودية في شراكة دفاعية مع تركيا وباكستان لا يعني إلغاء أو إضعاف علاقاتها الاستراتيجية القائمة مع الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الدولية، وإنما يضيف دائرة جديدة إلى شبكة العلاقات الأمنية التي تعتمد عليها المملكة في حماية مصالحها.

    وأضاف أن الأمر نفسه ينطبق على تركيا العضو في حلف الناتو، وباكستان التي ترتبط بعلاقات استراتيجية واسعة مع قوى دولية وإقليمية مختلفة.

    باب الانضمام ودلالات التوسع المحتمل

    ويرى أديب أن إعلان الأطراف الثلاثة أن الاتفاق يمكن أن يكون مفتوحًا مستقبلًا أمام دول شقيقة يمثل تطورًا يستحق المتابعة، لأنه قد يحول الاتفاق من إطار ثلاثي محدود إلى بنية أمنية أوسع إذا نجحت تجربته الأولى.

    وأشار إلى أن توسيع الاتفاق لا يمكن أن يتم بصورة تلقائية أو رمزية، وإنما يفترض وجود معايير واضحة تتعلق بالمصالح المشتركة والتوافق السياسي وطبيعة التهديدات التي تواجه الدول الراغبة في الانضمام، باعتبار أنّ نجاح أي تحالف دفاعي لا يرتبط بعدد أعضائه بقدر ما يرتبط بمدى وضوح التزاماتهم وقدرتهم على تنفيذها عند الضرورة، وبالتالي فإن الحفاظ على تماسك الاتفاق الثلاثي في مرحلته الأولى سيكون أكثر أهمية من التوسع السريع.

    لجان مشتركة ومؤسسة دفاعية محتملة

    وتوقع أديب أن يكون الاختبار الحقيقي لاتفاق مكة في كيفية تحويل الإعلان السياسي إلى مؤسسات وآليات تنفيذية؛ حيث يمكن أن تشهد المرحلة المقبلة تشكيل لجان عسكرية دائمة، ووضع خطط للتدريب والمناورات المشتركة، وتنسيق السياسات الدفاعية، إلى جانب إنشاء آليات للتعاون في الصناعات العسكرية ونقل التكنولوجيا.

    وأشار أديب إلى أن التحالف قد يتطور مستقبلًا إلى مؤسسة أكثر تنظيمًا، وربما إلى أمانة عامة أو جهاز تنسيق دائم يشرف على برامج التعاون الدفاعي والعسكري بين الدول الثلاث، وبناء هذا المستوى من المؤسسية يحتاج إلى وقت وإرادة سياسية واستمرار التوافق بين الأطراف، لكنه ليس أمرًا مستبعدًا إذا حافظت الدول الثلاث على الزخم الحالي.

    الرسالة الأهم.. الردع وليس الحرب

    واختتم أديب بأن الرسالة الأكثر أهمية في اتفاق مكة تتمثل في الردع، وليس في الاستعداد لخوض حرب، فالدول الثلاث -وفق الإطار المعلن- لا تستهدف الدخول في مواجهة عسكرية، وإنما تسعى إلى رفع تكلفة أي تهديد يمكن أن يستهدف إحدى دول الاتفاق.

    ونجاح الاتفاق -كما يرى أديب- سيكون مرهونًا بقدرته على منع الأزمات قبل وقوعها، وليس فقط بطريقة التعامل معها بعد اندلاعها.

    وفي نهاية حديثه، أكد أديب أن امتلاك السعودية وتركيا وباكستان ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا متفاوتًا ومتكاملًا يمنح الاتفاق أهمية استراتيجية، خاصة إذا نجحت الدول الثلاث في تحويله من إعلان سياسي إلى منظومة تعاون دائمة تشمل الردع العسكري، والصناعات الدفاعية، وحماية المصالح الاقتصادية والممرات الحيوية، والتنسيق السياسي في مواجهة الأزمات الإقليمية.

    اقرأ أيضًا: ماذا يعني تقليص مشاريع السياحة الفاخرة في السعودية؟