تقارير اقتصادية

    اتفاق تجاري تاريخي بين أمريكا وبريطانيا يعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية

    •آخر تحديث •6 دقائق
    اتفاق تجاري تاريخي بين أمريكا وبريطانيا يعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية

    في خطوة تُعد تحولاً استراتيجياً في العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وقّع البلدان اتفاقاً تجارياً تاريخياً يستهدف تعزيز التعاون الاقتصادي وتخفيف الأعباء الجمركية التي فرضتها السياسات الحمائية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

    ويأتي هذا الاتفاق كأول اتفاق بين أمريكا وبريطانيا منذ أن بدأت واشنطن بفرض الرسوم الجمركية على العديد من شركائها التجاريين، ما يجعل من هذا الإعلان انتصاراً سياسياً لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الذي يسعى لإعادة رسم الخارطة الاقتصادية لبريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.

    أبرز بنود الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة وبريطانيا

    أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا عن توقيع اتفاق تجاري شامل يهدف إلى إعادة تنظيم العلاقات التجارية بين البلدين، وقد وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا اليوم بأنه “خاص جداً”، مؤكداً أن الاتفاق يشمل خططاً لجعل بريطانيا أكثر توافقاً اقتصادياً وأمنياً مع الولايات المتحدة، كما أوضح أن الاتفاق يركز على مبدأ “المعاملة بالمثل والإنصاف” في التجارة الدولية، بما يضمن تحقيق مصالح البلدين في مختلف القطاعات.

    وأشار ترامب إلى أن الاتفاق يتيح للولايات المتحدة زيادة صادراتها من لحوم البقر والإيثانول والمنتجات الزراعية الأخرى إلى السوق البريطانية، مع تسهيل عملية مرور السلع الأمريكية عبر الجمارك البريطانية، وأكد أن التفاصيل النهائية للاتفاق ستُعلن خلال الأسابيع المقبلة.

    صفقة طائرات “بوينغ” بقيمة 10 مليارات دولار

    أحد أبرز بنود الاتفاق يتمثل في صفقة بقيمة 10 مليارات دولار لشراء بريطانيا طائرات من شركة “بوينغ”، وقد أسهم الإعلان عن الصفقة في ارتفاع سهم “بوينغ” بنسبة 3.8%، ليصل إلى أعلى مستوياته منذ يوليو الماضي، وأوضح ترامب أن هذه الصفقة ليست مجرد اتفاق تجاري، بل خطوة استراتيجية لدعم قطاع الطيران الأمريكي الذي شهد ضغوطاً كبيرة خلال السنوات الماضية.

    ومن الجانب البريطاني، تُعد الصفقة فرصة لتحديث أسطول الطائرات البريطانية وتعزيز القدرة التنافسية في قطاع الطيران، مع استفادة الشركات البريطانية من الإعفاءات الجمركية على محركات “رولز رويس” وأجزاء الطائرات.

    دعم قطاع السيارات البريطاني

    في خطوة تهدف إلى دعم قطاع السيارات البريطاني، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن الاتفاق سيسهم في خفض الرسوم الجمركية على صادرات السيارات البريطانية بنسبة 10% لحصة تصل إلى 100 ألف سيارة سنوياً. هذا الإعلان يأتي كدعم كبير لشركات السيارات البريطانية التي عانت من اضطرابات في سلاسل التوريد بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

    كما أكد ستارمر أن الاتفاق سيساعد على حماية آلاف الوظائف، لا سيما في المناطق الصناعية مثل ويست ميدلاندز، حيث تحتفظ شركات السيارات الكبرى بمصانعها ومراكزها الإنتاجية.

    اتفاق رقمي لتيسير التبادل التجاري

    في خطوة لافتة، اتفقت الحكومتان على تطوير اتفاق تجاري رقمي يهدف إلى تسهيل العمليات التجارية بين الشركات الأمريكية والبريطانية عبر تقليص الإجراءات الورقية والتحول إلى الأنظمة الرقمية، وذلك في إطار التحول نحو الاقتصاد الرقمي الذي بات يشكل أولوية في العلاقات التجارية العالمية.

    ومن المتوقع أن يسهم الاتفاق الرقمي في تسريع عمليات التصدير وتبسيط الإجراءات الجمركية، مما يعزز القدرة التنافسية للشركات البريطانية في السوق الأمريكية.

    قد يهمك أيضًا: تهديد ووعيد من قادة الاتحاد الأوروبي لترامب بسبب الرسوم الجُمركية

    الأسواق العالمية تتفاعل مع الاتفاق

    انعكس الإعلان عن الاتفاق التجاري سريعاً على أسواق الأسهم الأمريكية؛ حيث شهدت بورصة نيويورك ارتفاعاً ملحوظاً، فقد ارتفع مؤشر داو جونز بنسبة 0.92% ليصل إلى 41,493.10 نقطة، فيما ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.86%، ليصل إلى 5679.80 نقطة.

    أما مؤشر ناسداك، فقد شهد ارتفاعاً بنسبة 1.16% ليصل إلى 17,943.63 نقطة، كما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 4.312%، ما يعكس زيادة ثقة المستثمرين في الاقتصاد الأمريكي بعد الإعلان عن الاتفاق.

    من جانب آخر، أعلن وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك أن التعريفة الجمركية الأمريكية البالغة 10% ستظل قائمة باستثناء بعض المنتجات الصناعية، مثل محركاترولز رويس وأجزاء الطائرات. وأكد أن الحكومة البريطانية ستقوم بتأميم شركة الصلب البريطانية كجزء من الاتفاق، بهدف حماية الصناعة المحلية من التأثيرات المحتملة لزيادة المنافسة الأمريكية، كما أوضح أن الصفقة الموقعة مع “بوينغ” جاءت بتمويل من القطاع الخاص، ما يفتح الباب أمام المزيد من التعاون التجاري في قطاع الطيران.

    هل يهدد الاتفاق الأمريكي البريطاني العلاقات مع الاتحاد الأوروبي؟

    فيما يتعلق بالتأثيرات على الاتحاد الأوروبي، قد يُنظر إلى الاتفاق بين أمريكا وبريطانيا على أنه خطوة استفزازية، خاصة أن بريطانيا كانت تسعى للتوصل إلى اتفاق تجاري شامل مع الاتحاد الأوروبي منذ خروجها من الاتحاد، وبالتالي فإن الاتفاق الأمريكي البريطاني قد يدفع الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ إجراءات حمائية تجاه الصادرات البريطانية، مما قد يعقد المشهد التجاري في المرحلة المقبلة، كما قد يُعيد الاتحاد الأوروبي النظر في سياساته التجارية مع بريطانيا، خاصة في ظل توسع السوق الأمريكية في المملكة المتحدة.

    من الناحية الإحصائية، تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة سجلت فائضاً تجارياً في السلع مع المملكة المتحدة بلغ 11.9 مليار دولار في العام الماضي، وبلغت قيمة السلع المستوردة من بريطانيا 68 مليار دولار، وهو ما يمثل 2% فقط من إجمالي واردات الولايات المتحدة.

    اقرأ أيضًا: الصين والاتحاد الأوروبي يعززان شراكتهما لمواجهة الضغوط الأمريكية

    تعزيز مكانة بريطانيا في التجارة العالمية

    على الجانب الآخر، تُعد الولايات المتحدة الشريك التجاري الأكبر لبريطانيا، حيث تستحوذ على الحصة الأكبر من صادراتها، خصوصاً في قطاع الخدمات، إلا أن الاتفاق الجديد قد يساهم في إعادة التوازن التجاري بين البلدين من خلال توسيع نطاق التجارة السلعية وزيادة فرص التصدير للشركات البريطانية.

    وقد أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنَّ الاتفاق لن يكون الأخير، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تخطط لعقد المزيد من الاتفاقات التجارية مع دول أخرى في المرحلة المقبلة، كما دعا المستثمرين إلى التوجه نحو البورصة والاستفادة من الارتفاعات الأخيرة في الأسهم، مما يعكس ثقته في نجاح الاتفاق وقدرته على تحقيق نمو اقتصادي طويل الأجل.

    ومن جانبه، وصف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الاتفاق بأنه خطوة رائعة لدعم الاقتصاد البريطاني، مشيراً إلى أن الاتفاق سيساهم في حماية آلاف الوظائف، خاصة في قطاعات السيارات والصلب والطيران، وأكد أن بريطانيا ستستمر في العمل على تعزيز علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة والدول الأخرى، بما يسهم في تعويض الخسائر التي تكبدتها نتيجة خروجها من الاتحاد الأوروبي.

    كيف يخدم الاتفاق مصالح أمريكا وبريطانيا؟

    في تعليقه على الخبر، أكد الخبير الاقتصادي خالد إسماعيل أن الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة يُعد خطوة استراتيجية لتحقيق مكاسب اقتصادية مزدوجة لكل من واشنطن ولندن. وأوضح أن الاتفاق يهدف إلى تقليل الأعباء الجمركية، وهو ما سيمهد الطريق أمام الشركات الأمريكية لدخول السوق البريطانية بشكل أوسع، خاصة في قطاعات الزراعة والطيران والصناعات الثقيلة.

    كما أضاف إسماعيل أن الاتفاق يُعد فرصة ذهبية لتعزيز صادرات الولايات المتحدة من المنتجات الزراعية، مثل لحوم البقر والإيثانول، والتي ستتمكن الآن من الوصول إلى السوق البريطانية بدون عوائق جمركية كبيرة. وأكد أن هذا الاتفاق سيساهم في تقوية قطاع الزراعة الأمريكي، خاصة بعد أن تأثر بفعل السياسات التجارية السابقة.

    شدد إسماعيل على أن نجاح الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة وبريطانيا يعتمد بشكل كبير على سرعة التنفيذ وقدرة البلدين على تحقيق التوازن بين حماية الصناعات المحلية والاستفادة من الفرص التجارية الجديدة، وقال: “رغم المكاسب المعلنة، فإن التحديات لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بحماية الصناعات المحلية، وضمان استفادة الشركات الصغيرة والمتوسطة من الاتفاق”.

    وأوضح أن الاتفاق التجاري لا يُعد فقط فرصة لتعزيز التبادل التجاري بين أمريكا وبريطانيا، بل هو أيضاً خطوة نحو تعزيز التحالفات الاقتصادية في مواجهة التوترات التجارية العالمية، مؤكدًا أن الاتفاق يرسل رسالة واضحة إلى العالم بأن العلاقات الاقتصادية بين واشنطن ولندن ستظل قوية، وهو ما قد يشجع دولاً أخرى على توقيع اتفاقات مماثلة مع الولايات المتحدة”.

    واختتم إسماعيل تصريحاته بالتأكيد على أنَّ الاتفاق بين أمريكا وبريطانيا يمثل خطوة استراتيجية لكلا البلدين، لكنَّه في الوقت نفسه يحمل في طياته تحديات تتعلق بالتنفيذ وردود الفعل الدولية، خاصة من الاتحاد الأوروبي.

    اقرأ أيضًا: ترامب يُشعل سباق التعدين في أعماق البحار ضد الصين