في خطوة قد تمثل بداية جديدة للتعاون بين أقوى اقتصادين في العالم، أعلنت الولايات المتحدة عن توصلها إلى اتفاق مبدئي مع الصين بشأن النزاع التجاري الطويل الأمد الذي شهد تبادل الرسوم الجمركية العالية وأثر بشكل كبير على الأسواق العالمية.
وأعلنت واشنطن عن التوصل إلى اتفاق بين أمريكا والصين بعد جولة محادثات مكثفة استمرت على مدى يومين في جنيف، وسط أجواء مشحونة بالتوتر التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم.
من جانبه، أكد الممثل التجاري الأمريكي جيميسون جرير أنَّ الطرفين توصلا إلى اتفاق مبدئي بشأن الرسوم الجمركية، موضحاً أن التفاصيل النهائية سيتم الإعلان عنها في وقت لاحق من اليوم. وقال جرير: “نحن واثقون من أن الاتفاق الذي توصلنا إليه مع شركائنا الصينيين سيساعدنا في المضي قدماً نحو إنهاء حالة الطوارئ الوطنية”.
ووصف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، الذي شارك في المحادثات من جنيف، الاتفاق بأنه خطوة هامة نحو التهدئة، قائلاً: “لقد حققنا تقدماً كبيراً في هذه المحادثات، ونتطلع إلى البناء على هذا الاتفاق لحل أزمة العجز التجاري”.
وفي سياق متصل، قال وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك إن الإدارة الأمريكية تعتزم إعادة النظر في الرسوم الجمركية المرتفعة، مشيراً إلى إمكانية خفضها من 145% إلى 80% على بعض المنتجات الصينية، وذلك كجزء من جهود لتخفيف التوترات التجارية. وأضاف لوتنيك: “الرسوم الجمركية كانت خطوة أولى نحو مفاوضات تجارية أوسع تهدف إلى فتح الأسواق العالمية أمام المنتجات الأمريكية”.
ترامب يعلن التوصل إلى اتفاق تجاري أولي مع الصين
كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن الشهر الماضي حالة طوارئ وطنية بسبب العجز التجاري مع الصين الذي بلغ 1.2 تريليون دولار، ما دفعه لفرض رسوم جمركية تصل إلى 145% على الواردات الصينية، في خطوة أثارت غضب بكين وأشعلت شرارة حرب تجارية شاملة.
وقد صرح الرئيس دونالد ترامب مؤخرًا عبر منصته على “تروث سوشيال” بأن المفاوضات التجارية مع الصين حققت تقدماً كبيراً، مضيفاً: “تمت مناقشة العديد من الأمور، وتم التوصل إلى اتفاق على كثير منها. لقد تم التفاوض بطريقة ودية، ولكن بنّاءة”.
وأشار ترامب إلى أن الهدف الأساسي من هذه المفاوضات هو إعادة ضبط العلاقات التجارية بين البلدين، قائلًا: “نريد أن نرى انفتاحاً أكبر في السوق الصينية أمام المنتجات الأمريكية، وهذا ما نعمل عليه حالياً”.
ردود الفعل الصينية على الاتفاق
على الجانب الصيني، عقد الوفد التجاري الصيني مؤتمراً صحفياً مساء الأحد في جنيف، وصف فيه المحادثات بأنها صريحة وبنّاءة، وقد أكّد نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينج أن الجانبين اتفقا على إنشاء آلية تشاور جديدة لمتابعة القضايا التجارية والاقتصادية بشكل دوري، مشيراً إلى أن الهدف من هذه الآلية هو ضمان عدم تكرار النزاع التجاري.
وقال هي ليفينج: “نحن لا نريد خوض حرب تجارية مع الولايات المتحدة، لكننا مستعدون للدفاع عن مصالحنا حتى النهاية إذا استمرت واشنطن في تصعيد الإجراءات الحمائية”.
من جهته، وصف السفير الصيني لدى منظمة التجارة العالمية لي تشنج قانج الاتفاق بأنه إشارة إيجابية للأسواق العالمية، قائلاً: “بغض النظر عن موعد إصدار البيان المشترك، فإنه سيكون خبراً ساراً للعالم، لأن استقرار التجارة بين الصين وأمريكا سيؤدي إلى تهدئة الأسواق المضطربة”.
استقرار الأسواق والتوقعات المستقبلية
توقعت الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، أن اتفاق أمريكا والصين سيساهم في استقرار الأسواق العالمية، خاصة إذا تم التوصل إلى آلية لتخفيض الرسوم الجمركية على بعض المنتجات، مما قد يسهم في تعافي حركة التجارة بين البلدين.
لكن رغم الإعلان عن التوصل إلى اتفاق، حذرت الخبيرة من أن الاتفاق قد لا يكون كافياً لإنهاء الأزمة بشكل كامل، مشيرة إلى تصريحات وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك بأن “الرسوم الجمركية المرتفعة كانت خطوة أولى نحو مفاوضات تجارية أوسع، ونريد فتح الأسواق المغلقة أمام المنتجات الأمريكية، ولكننا لن نتنازل عن حقوقنا التجارية، وهذا الاتفاق هو البداية فقط”، وهذا يعني أن مستقبل العلاقات التجارية بين البلدين لا يزال محفوفاً بالتحديات.
وفي الوقت نفسه، أشارت تقارير إلى أن الرئيس ترامب قد يواجه انتقادات داخلية بسبب استبعاده أوروبا من الاتفاق، حيث يرى بعض المحللين أن التركيز على الصين وحدها قد يعرض العلاقات التجارية مع أوروبا للخطر، خاصة في ظل استمرار تقديم الاتحاد الأوروبي شكاوى ضد الرسوم الجمركية الأمريكية أمام منظمة التجارة العالمية.
ومن ناحية أخرى، ترى الخبيرة أنه رغم الترحيب بالاتفاق المبدئي بين واشنطن وبكين، فإن العديد من التساؤلات لا تزال قائمة حول تفاصيل الاتفاق وآليات تنفيذه، فالرئيس ترامب يخطط لاستغلال هذه اللحظة لتحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة تساهم في تعزيز شعبيته داخلياً، خاصة بعد الانتقادات الواسعة التي واجهها بسبب سياساته التجارية.
اقرأ أيضًا: الصين والاتحاد الأوروبي يعززان شراكتهما لمواجهة الضغوط الأمريكية
تأثير الاتفاق على الذهب والأسواق المالية
من جهتها أكدت ندى حسن، الخبيرة الاقتصادية، أنَّ الاتفاق التجاري المرتقب بين الولايات المتحدة والصين قد يكون له تأثيرات حاسمة على أسواق الذهب والأسواق المالية العالمية. وأوضحت أن الجانب الأمريكي يهدف بشكل ملحوظ لتسريع المفاوضات مع الصين لتجنب أزمة محتملة في الإمدادات، خاصة بعد أن شهدت الأسواق الأمريكية ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الاستيراد قبل سريان التعريفات الجمركية.
وأضافت حسن: “تواجه الإدارة الأمريكية الآن ضغوطًا كبيرة لإنجاز الاتفاق، قبل أن تبدأ الأسواق في استشعار نقص البضائع، وقد كان الذهب أحد السلع التي استوردتها أمريكا بكميات ضخمة، لكن إذا طال أمد المفاوضات فقد نرى تقلبات حادة في أسعاره”.
التوقعات حول دور اليابان
أشارت حسن إلى أن اليابان قد تلعب دورًا رئيسيًا في هذه المرحلة، مشيرة إلى أن طوكيو تمتلك أوراق ضغط قوية قد تستخدمها للتأثير على موقف الولايات المتحدة، لا سيما فيما يتعلق بالسندات الأمريكية، فاليابان الآن هي أكبر حامل للسندات الأمريكية، وأي خطوة لبيع تلك السندات قد تسبب اضطرابات شديدة في الأسواق، فضلًا عن أنّ رفع الفائدة ولو بنسبة طفيفة من قبل البنك المركزي الياباني قد يكون له تأثيرات سلبية على الاقتصاد الأمريكي”، تقول حسن.
رد الصين المفاجئ يُربك حسابات ترامب
أوضحت ندى حسن أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يكن يتوقع الرد الصيني القوي على فرض التعريفات الجمركية، مؤكدة أن بكين نجحت في فرض نفسها كقوة اقتصادية وعسكرية لا يمكن تجاهلها. وأضافت: “ترامب بدأ الحرب التجارية معتقدًا أن الصين ستتراجع سريعًا، لكن ما حدث هو العكس تمامًا؛ فالصين لم تكتفِ بالرد الاقتصادي، بل أثبتت قوتها في عدة صفقات عسكرية، ما دفع الولايات المتحدة لإعادة النظر في موقفها”.
وعن تأثير الاتفاق التجاري على أسعار الذهب، قالت حسن: “الذهب كان الملاذ الآمن خلال فترة التوترات، لكن مع اقتراب توقيع الاتفاق قد نشهد موجة بيع لجني الأرباح من قبل كبار المستثمرين، لكن إذا استمرت الضغوط على الدولار أو ظهرت مفاجآت جديدة في الاتفاق من المحتمل أن يعود الذهب للارتفاع مجددًا”.
وفي ختام تصريحاتها، أكدت ندى حسن أن الحرب التجارية لم تنتهِ بعد، وأن المرحلة القادمة قد تحمل العديد من المفاجآت، خاصة مع دخول دول مثل الهند واليابان كلاعبين رئيسيين في الساحة الاقتصادية، بالإضافة إلى أن الاقتصاد العالمي الآن في مرحلة إعادة تشكيل القوى، وأي اتفاق بين واشنطن وبكين سيكون له تأثيرات مباشرة على أسواق المال، لكن الترقب ما زال سيد الموقف.
اتفاق أمريكا والصين.. هل تنتهي الحرب؟
من جانبه أكد الدكتور مصطفى أبو زيد، الخبير الاقتصادي، أن اتفاق أمريكا والصين بشكل مبدئي قد يكون خطوة مهمة نحو تهدئة التوترات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، لكنه في الوقت نفسه قد يكون بداية لفخ اقتصادي إذا لم يتم التعامل مع التحديات المستقبلية بحذر.
وقال أبو زيد: “الاتفاق بين الصين والولايات المتحدة يمثل تطورًا مهمًا في العلاقات التجارية بين البلدين، خاصة أن كلا الجانبين يعاني من تداعيات النزاع التجاري الذي استمر لفترة طويلة، لكن يجب أن نلاحظ أن هناك تفاوتًا كبيرًا في الاعتماد التجاري بين البلدين، فالولايات المتحدة تعتمد بشكل أكبر على الصين في تلبية احتياجاتها من السلع والمنتجات، وهو ما يضعها في موقف حساس إذا استمرت التوترات التجارية”.
اقرأ أيضًا: تحركات صينية لخفض التصعيد التجاري بإعفاءات جمركية محتملة
تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي
أوضح الخبير أنّ الصين أكثر تنوعًا في أسواقها التجارية، كما أنّها لا تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة، مما يمنحها بعض المرونة في التعامل مع أي أزمات اقتصادية أو تجارية، وهذا التفاوت في الاعتماد التجاري قد يؤثر في قدرة كل طرف على التكيف مع أي تغييرات في السياسات التجارية.
وتابع أبو زيد: “رغم أن هناك تفاؤلًا بنجاح الاتفاق، يجب أن نكون حذرين بشأن آثاره طويلة الأمد، فالاتفاق قد يكون مجرد هدنة مؤقتة في حرب تجارية أوسع، وقد تتجدد التوترات في المستقبل مع تطور الأمور، خاصة إذا لم يتم التوصل إلى حلول جذرية لمعالجة القضايا الجوهرية مثل العجز التجاري أو سياسات الحماية الجمركية”.
كما حذر أبو زيد من أن استمرار التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين قد يؤدي إلى تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل الاعتماد الكبير بين البلدين في العديد من القطاعات الاقتصادية. وأضاف: “إذا استمرت هذه التوترات قد نرى تأثيرات واسعة على الأسواق العالمية، بما في ذلك أسعار السلع الأساسية وحركة التجارة العالمية”.
وفي ختام تصريحاته، أكد الدكتور مصطفى أبو زيد أن هذه الاتفاقيات تمثل بداية مرحلة جديدة من المفاوضات الاقتصادية بين القوى الكبرى، مشددًا على ضرورة مراقبة تطورات الوضع بعناية لتجنب أي آثار سلبية قد تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي.
قد يهمّك أيضًا: اتفاق تجاري تاريخي بين أمريكا وبريطانيا يعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية
