تقارير اقتصادية

    حزب أمريكا: إيلون ماسك يفتح جبهة جديدة في مواجهة ترامب

    •آخر تحديث •4 دقائق
    حزب أمريكا: إيلون ماسك يفتح جبهة جديدة في مواجهة ترامب

    تقرير: باسل محمود

    في تحرك يفتح جبهة سياسية جديدة داخل الولايات المتحدة، أعلن الملياردير إيلون ماسك عن تأسيس “حزب أمريكا”، ليشكل بذلك تحديًا مباشرًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ذروة الخلاف بين الطرفين حول قانون خفض الضرائب والإنفاق الذي أقرّه ترامب مؤخرًا، بحسب بلومبرغ.

    ماسك -الذي لجأ إلى منصته “إكس” ليُعلن عن هذه الخطوة- وصف الحزب بأنه “استعادة لحرية الأمريكيين”، في إشارة واضحة إلى رفضه لسياسات الحزبين التقليديين، وكتب قائلا: “نحن لا نعيش في ديمقراطية، بل في نظام الحزب الواحد”، كما أنّه اعتبر أن توقيت تأسيس الحزب الجديد، الذي يتزامن مع ذكرى الاستقلال، يحمل دلالة رمزية على “الرغبة في الاستقلال السياسي عن هيمنة الحزبين”.

    قانون الضرائب يشعل فتيل الأزمة

    التحرك السياسي لماسك لم يكن مفاجئًا في توقيته، بل جاء بعد توقيع ترامب على حزمة تخفيضات ضريبية وإنفاقية بلغت قيمتها 3.4 تريليون دولار، تتضمن إلغاءً تدريجيًا لامتيازات ضريبية لطالما استفادت منها شركات السيارات الكهربائية، وعلى رأسها “تسلا”.

    ترامب -الذي اعتبر معارضة ماسك لمشروع القانون “مصلحية” – ألمح إلى احتمال سحب الدعم الحكومي عن شركات الملياردير، بل ذهب أبعد من ذلك حين سُئل عن ترحيل ماسك، فأجاب: “لا أعلم… علينا أن ننظر في الأمر”.

    رد ماسك لم يتأخر، فاتهم الإدارة بتدمير الصناعات المستقبلية لصالح “قطاعات بائدة”، محذرًا من أن المشروع سيضيف 5 تريليونات دولار إلى سقف الدين العام، واصفًا القانون بأنه “جنون مدمر”.

    اقرأ المزيد حول تفاصيل المواجهة بين ترامب وإيلون ماسك

    حزب أمريكا.. خطوة مدروسة أم مغامرة؟

    إعلان إيلون ماسك عن “حزب أمريكا” لم يكن مجرد تغريدة عابرة؛ ففي ذكرى الاستقلال أجرى استطلاع رأي على منصته “إكس”، شارك فيه الملايين، وأظهرت نتائجه أن 65% من المشاركين يدعمون تأسيس حزب جديد، وقد استند إلى تلك النتائج ليؤكد: “بنسبة اثنين إلى واحد، أنتم أردتم حزبًا جديدًا، وستحصلون عليه”.

    ومع ذلك، لم يُقدّم حتى الآن أي أوراق رسمية لتسجيل الحزب، ولا يُعرف بعد إن كان سيترشح بنفسه أو يدعم مرشحين مستقلين، لكن مصادر مقربة تؤكد أن المشروع في طريقه للتبلور على الأرض.

    ترامب: حزب ثالث فكرة سخيفة

    في أول رد علني، قلل ترامب من أهمية خطوة ماسك، قائلًا إن الأحزاب الثالثة “لم تنجح يومًا”، وإن النظام الأمريكي “قائم على حزبين فقط”، لكن هذه التصريحات لم تُخف قلق البيت الأبيض من احتمال استقطاب ماسك لأصوات قد تكون حاسمة في الكونغرس أو على مستوى الولايات، خاصة مع شعبيته الجارفة بين الشباب ورواد التكنولوجيا.

    بعدها، زاد ترامب من لهجته التصعيدية قائلًا: “ماسك يفقد امتيازاته، وقد يخسر أكثر مما يظن”، ملمحًا إلى أن تصرفاته السياسية قد تفتح الباب لتدقيق أوسع في علاقاته وتمويل مشاريعه، بل وربما استخدام “وزارة الكفاءة الحكومية” -التي أسسها ماسك نفسه- ضده.

    تداعيات اقتصادية على “تسلا”

    بعيدًا عن السياسة، تلقت أسهم “تسلا” ضربة موجعة في الأسواق، مع تراجع بنسبة 5% في منصة “بلو أوشن” خلال جلسات آسيا، وقد أبدى المستثمرون قلقهم من تشتت تركيز ماسك، خاصة في وقت تواجه فيه الشركة صعوبات في مبيعاتها بأهم أسواقها العالمية.

    في أوروبا، انخفضت مبيعات “تسلا” بنسبة 30% خلال مايو، للشهر الخامس على التوالي، وفي الصين، ورغم تحسن طفيف بلغ 0.8% في الشحنات من مصنع شنغهاي، تواجه الشركة منافسة شديدة من “BYD” و”شاومي”، اللتين تطرحان سيارات كهربائية بأسعار منافسة.

    هذه المعطيات دفعت محلل “ويدبوش”، دانيال آيفز، إلى القول إن “مغامرة ماسك السياسية قد تكون مكلفة جدًا”، متوقعًا ضغوطًا متزايدة من مجلس إدارة “تسلا” لوقف التصعيد، وأضاف أنَّ “ماسك يضع مستقبل الشركة في مواجهة مباشرة مع البيت الأبيض”.

    انقسام في صفوف المستثمرين

    على الرغم من القلق الظاهر، يرى بعض المستثمرين في تحرّك ماسك فرصة لتعزيز نفوذه السياسي، وبالتالي حماية مصالحه الاقتصادية في حال تغيرت المعادلة في واشنطن.

    جيسون هسو، الرئيس التنفيذي للاستثمار في “رايليانت غلوبال أدفايزرز”، وصف الخطوة بأنها “تحرك عبقري”، مشيرًا إلى أن الحزب الجديد قد يمنح ماسك كتلة ضغط داخل الكونغرس، دون الحاجة إلى الفوز بالرئاسة.

    لكن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، كان له رأي آخر، إذ حث ماسك على “العودة لإدارة شركاته”، معتبرًا أن “مجالس إدارات شركاته لن تكون سعيدة بهذا الانخراط السياسي العميق”.

    اقرأ أيضًا: إيلون ماسك وحركة “اجعل أمريكا عظيمة” يتجهون لخفض الإنفاق الحكومي

    انسحاب من إدارة ترامب.. وبداية مواجهة

    الخلاف بين ترامب وماسك ليس وليد اللحظة، ففي مايو الماضي انسحب ماسك من وزارة الكفاءة الحكومية، التي أسسها بنفسه تحت إدارة ترامب لتقليص الإنفاق الحكومي، بعد تصاعد الخلاف حول آليات تنفيذ الخطة.

    ومنذ ذلك الحين، تصاعدت انتقادات ماسك لإدارة ترامب، متهمًا إياها بأنًّها تُضيّع الفرصة على أمريكا لتكون رائدة في صناعات المستقبل، عبر “إجراءات مالية قصيرة النظر”، وفق تعبيره.

    ترامب من جانبه لم يُخفِ استياءه، وقال عبر منصته “تروث سوشال”: “يحزنني أن أرى إيلون ماسك يخرج عن السيطرة”، وتفاخر بأن خطته المالية “ألغت دعم السيارات الكهربائية، للأسف، بالنسبة لإيلون”.

    خطوة محفوفة بالمخاطر السياسية

    رغم تاريخ الإخفاق الذي رافق الأحزاب الثالثة في النظام الانتخابي الأمريكي القائم على مبدأ “الفائز يحصد كل شيء”، يرى البعض أن شخصية ماسك وخطابه المعادي للمؤسسة السياسية التقليدية قد يُحدثان مفاجآت.

    خاصة أن الاستقطاب الحاد في المجتمع الأمريكي، وتراجع ثقة الجمهور في الحزبين الكبيرين، يفتحان الباب أمام سيناريو غير تقليدي، قد يسمح لحزب ثالث بالتأثير الحقيقي على نتائج الكونغرس، وربما الولايات المُتأرجحة في الانتخابات الرئاسية.

    حتى اللحظة، لا يمكن الجزم بمآلات خطوة ماسك، لكنها بالتأكيد أعادت رسم العلاقة بين قطبين مؤثرين في الحياة الأمريكية، الملياردير صاحب النفوذ التكنولوجي، والرئيس الذي لا يعترف بأنصاف الحلول.

    وفي ظل صعود الحركات الشعبوية، وتآكل الثقة في السياسة التقليدية، يبقى السؤال، هل يُمكن لحزب “أمريكا” أن يكسر القاعدة؟ أم أنَّ ماسك أطلق معركته الأخيرة ضد واشنطن من خارج قواعد اللعبة، وبتكلفة باهظة؟

    ما هو مؤكد، أن الأيام المقبلة ستشهد تصعيدًا غير مسبوق، قد لا تقتصر تبعاته على السياسة وحدها، بل تمتد إلى الاقتصاد، والتكنولوجيا، وموقع الولايات المتحدة في خريطة المستقبل.

    قد يهمّك أيضًا: إيلون ماسك بين تحديات السياسة الأمريكية والصينية