تقرير: باسل محمود
في صباحٍ بدا هادئاً لمستثمري التكنولوجيا، تحوَّلت لوحة المؤشرات فجأةً إلى اللون الأحمر، عندما وجدت شركة “إنفيديا” نفسها في خضمّ عاصفةٍ ماليةٍ هي الأعنف في تاريخ الأسواق العالمية، وفق بلومبرج.
فقدت الشركة ما يُقدَّر بـ465 مليار دولار من قيمتها السوقية في ساعاتٍ معدودة، في ضربةٍ وُصِفت بأنّها الأكبر على الإطلاق من حيث القيمة المُتبخِّرة من شركةٍ واحدة خلال يومٍ واحد.
وعلى الرغم من أن إنفيديا سبق أن اختبرت تقلبات حادّة في سبتمبر الماضي أدّت لخسارتها 279 مليار دولار، فإنّ ما حدث هذه المرّة كان أشبه بزلزالٍ ماليّ ضرب عرش الشركة وألقى بظلاله على أسواق الأسهم الأمريكية والعالمية ككلّ.
465 مليار دولار تتبخر من إنفيديا
استيقظت وول ستريت يوم الاثنين على وقع الأخبار الصادمة، حيث فتحت أسهم إنفيديا منخفضةً بنسبةٍ حادّة وصلت إلى 13%، لتخسر بذلك نحو 465 مليار دولار من قيمتها السوقية في فترةٍ وجيزة. ورغم أنّ الأجواء كانت توحي بأنّ الأسواق مُقبلة على تصحيح، إذ إنّ الشركات التكنولوجية العملاقة غالباً ما تكون في دائرة الضوء، لكنَّها قلّما تتعرّض لصدمةٍ قاسية بهذا الحجم.
نظراً لأنَّ إنفيديا تُعَدُّ مكوِّناً رئيسياً في مؤشري “S&P 500” و”Nasdaq 100″، فإنّ اهتزازها انعكس سريعاً على المؤشرين؛ حيث تراجع مؤشر “S&P 500” بنحو 2.3% في التداولات الصباحية، فيما هبط “Nasdaq 100” بنسبةٍ تجاوزت 3.6%.
هذا التأثير الدومينو يجعل مدى حساسية الأسواق لتقلّبات شركات التكنولوجيا الكبرى واضحًا؛ حيث إنّ ارتفاع هذه الشركات أو انهيارها لا يؤثّر في شريحةٍ من المستثمرين فحسب، بل ينعكس على طيفٍ واسع من المحافظ والصناديق الاستثمارية حول العالم.
ولعلّ المفارقة كانت أنّ إنفيديا سبق أن شهدت تراجعاً في سبتمبر الماضي بنسبة 9%، ما أدّى حينها إلى خسارة نحو 279 مليار دولار من قيمتها، لكنّ ما حصل الآن فاق تلك الحادثة بأشواط، ليُنَصَّب هذا التراجع في صدارة أكبر الانهيارات السوقية من حيث القيمة المطلقة لشركة مُدرجة في سوق الأسهم الأمريكية.
اقرأ المزيد في هذا التقرير: بالضربة القاضية DeepSeek يهزم عمالقة التكنولوجيا
كيف أشعلت DeepSeek فتيل المخاوف؟
لم يكن هذا الزلزال المالي مرتبطاً بمجرد أوضاعٍ اقتصادية شاملة أو بياناتٍ سلبية تخص الشركة الأمريكية فحسب، بل جاء نتيجةً مباشرةً لتطورٍ صينيّ مفاجئ؛ فقد طرحت شركة “DeepSeek”، وهي ناشئة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، نموذجاً جديداً مُنخفِض التكلفة بات منافساً حقيقياً لنماذج الذكاء الاصطناعي المكلفة التي تنتجها شركاتٌ كبرى على غرار “OpenAI” و”Meta”.
تنتمي “DeepSeek” إلى جيلٍ جديد من الشركات الصينية التي تحاول تطوير تقنية الذكاء الاصطناعي بطرقٍ مختلفة تماماً عمّا تنتهجه الشركات الغربية. وبحسب محللين في “Jefferies”، فإنّ هذا النموذج الجديد، المطروح الأسبوع الماضي، يستند إلى تقنيات مفتوحة المصدر، ويمكنه إنجاز مهماتٍ شبيهة بتلك التي تنفّذها روبوتات الدردشة الأمريكية، لكن مع استهلاكٍ أقل للطاقة وتكلفةٍ أقل في تجهيز البنية التحتية.
فور انتشار هذا الخبر، ارتفعت علامات الاستفهام لدى المستثمرين حيال مستقبل شركاتٍ اعتمدت نماذج تُكلِّف مئات الملايين، إن لم يكن المليارات من الدولارات، في البنية التحتية ورقائق المعالجة الفائقة. وهنا برز السؤال الكبير: هل يمكن لشركةٍ صينيةٍ حديثة النشأة أن تُغَيّر قواعد اللعبة بمجرد توفير حلولٍ مُنافسة وأقلّ تكلفة؟
هذا التساؤل أربك السوق وأدّى إلى موجة بيعٍ واسعة طالت إنفيديا قبل غيرها، بوصفها المُورِّد الأبرز لوحدات المعالجة الرسومية عالية الأداء التي تقوم عليها ثورة الذكاء الاصطناعي حتى الآن.
الرابح والخاسر في معركة الذكاء الاصطناعي
للوهلة الأولى، تبدو إنفيديا الخاسر الأكبر من هذه الهزّة؛ فقد تراجعت قيمتها السوقية بمئات المليارات في وقتٍ قياسي، لكنّ الواقع يُؤَشِّر إلى أنّ التأثير السلبي قد يتجاوز هذه الشركة إلى سائر الأسواق، إذ تتعرّض شركات التكنولوجيا بوجهٍ عام لموجة بيعٍ في أسهمها تحت وطأة تخوّفات من أنَّ التقنيات الصينية قادرةٌ على تحقيق القفزات نفسها التي يُقدّمها الغرب، إنما بتكاليفٍ أدنى.
وفي هذا الصدد، تتساءل شرائح واسعة من المستثمرين ما إذا كان هذا النموذج الصينيّ الناشئ سيتحول إلى بديلٍ يُشَجّع شركاتٍ عالمية، خاصة تلك الواقعة تحت الضغط لخفض النفقات أو الباحثة عن حلولٍ مرنة، على تبنّي التقنيات المنخفضة التكلفة.
هذا ما قد يُحوِّل الرقائق الفائقة من إنفيديا إلى ترفٍ لا ضرورة له بالنسبة لكثيرٍ من مستخدمي أنظمة الذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب. مع ذلك، لا يمكن إغفال أنّ إنفيديا ما تزال تتصدّر سباق الذكاء الاصطناعي من زاوية استحواذها على الحصة الأكبر من تصنيع وحدات المعالجة المتخصصة (GPUs).
رغم موجة البيع الأخيرة، يبقى إنفاق كُبرى شركات التقنية في العالم على مشاريع الذكاء الاصطناعي هائلاً، ما قد يمنح إنفيديا فرصةً لتعويض بعض خسائرها إذا ما واصلت تلك الشركات شراء الرقائق فائقة الأداء التي تُعَدُّ عصب تقنيات التعلّم العميق والأنظمة اللغوية المتقدمة.
نماذج مفتوحة المصدر أم باهظة الثمن؟
يكمن جوهر الصدمة الجديدة في تزايد الحديث عن أنّ “DeepSeek” وغيرها من الشركات قد تستثمر في تطوير حلول قائمة على تقنيات مفتوحة المصدر، وبالتالي يتراجع اعتمادها على الرقائق باهظة الثمن التي تنتجها الشركات الأمريكية.
في المقابل، اعتمدت الشركات الغربية مثل “OpenAI” و”Meta” على بناء نماذج ضخمة تحتاج إلى طاقةٍ حوسبيةٍ هائلة، الأمر الذي جعلها تُواصل شراء كمياتٍ ضخمة من رقائق إنفيديا المتقدمة. وبما أنّ “DeepSeek” قادرةٌ -بحسب تقارير أولية- على محاكاة أداء نماذج الدردشة الذكية الغربية بتكاليفٍ أدنى، فإنّ نموذج العمل التقليدي للذكاء الاصطناعي القائم على إنفاقٍ ضخم في بنيته التحتية بات مهدداً.
هذه النقطة بالذات أثارت القلق لدى المستثمرين، فإذا اختار السوق مستقبلاً التوجّه نحو الحلول مفتوحة المصدر ومنخفضة التكلفة، فقد تجد إنفيديا نفسها أمام فائضٍ في العرض وعدم اتّساقٍ مع حجم الطلب الذي سبق توقعه.
ويُشير محللو “Jefferies” في مذكرةٍ بحثيةٍ حديثة إلى أنّ “المخاوف ظهرت فوراً بشأن إمكانية تَسبُّب هذا التطوّر في إرباك نموذج الأعمال الحالي للذكاء الاصطناعي، القائم على رقائق عالية الأداء وقدرات حوسبة هائلة، وبالتالي استهلاكٍ كبيرٍ للطاقة”؛ حيث يرى هؤلاء أنّ المستثمرين بدأوا ينظرون بعين الريبة إلى مدى قدرة الشركات العملاقة على تبرير هذه النفقات الباهظة في ظلّ بزوغ بدائل أقلّ تكلفة.
إنفاقٌ ضخم وسط حالة عدم اليقين
على الضفة الأخرى، تُواصِل شركاتٌ عملاقة مثل “Meta” ضخّ استثمارات هائلة في الذكاء الاصطناعي؛ فقد أعلنت يوم الجمعة عزمها رفع نفقات رأس المال على مشروعات الذكاء الاصطناعي هذا العام بنسبةٍ تقارب النصف، لتصل إلى حدود 65 مليار دولار، وهذا يعكس إيمان “Meta” بآفاق نموّ الذكاء الاصطناعي ودوره المستقبلي في تطوير منصّاتها الاجتماعية والخدمات الرقمية التي تُقدّمها.
وبشكلٍ متزامن، أعلنت “OpenAI” و”SoftBank Group Corp”، و”Oracle Corp” عن مشروعٍ مشترك باسم “Stargate”، بقيمة 100 مليار دولار، هدفه بناء مراكز بيانات وبنية تحتية فائقة في الولايات المتحدة لتسريع تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتحسين أدائها، واستيعاب ملايين المستخدمين المحتملين.
ولعلّ هذا التوجّه الضخم يُصَوِّر مدى الثقة لدى بعض الكيانات الرائدة في أنّ الذكاء الاصطناعي هو رهان المستقبل، وأنّ أي إنفاقٍ كبيرٍ اليوم قد يُترجَم بعوائد تفوق التوقعات على المدى الطويل، بَيد أنّ هذه الأرقام الفلكية تُقلِق شريحةً من المستثمرين الذين باتوا يتساءلون: هل تستحقّ هذه التقنيات الناشئة كل تلك الاستثمارات أم يُمكن أن تتعرّض للتقادم السريع بفعل قفزاتٍ تقنية تأتي من جهاتٍ جديدة وأصغر حجماً؟
مع ظهور “DeepSeek” بهذه القوة وقدرتها الواضحة على تطوير نموذج الذكاء الاصطناعي بتكلفةٍ أقل، باتت الفجوة بين الشركات العملاقة والشركات الناشئة أقل وضوحاً من قبل.
قيود التصدير الأمريكية في مواجهة التقدّم الصيني
ضمن سياقٍ أوسع، لا يمكن فصل قصة “DeepSeek” عن الصراع التكنولوجي المحتدم بين الولايات المتحدة والصين؛ إذ إنّ الولايات المتحدة تبذل جهوداً كبيرة لإبطاء تقدُّم بكين في مجال الذكاء الاصطناعي عبر منع تصدير التقنيات المتقدّمة في أشباه الموصلات إلى الشركات الصينية، وقد طالت هذه القيود إنفيديا نفسها، حيث تُحظَر عليها بعض المبيعات للصين فيما يخصّ الرقائق الأحدث والأكثر قوة.
علاوةً على ذلك، تُمارس واشنطن ضغوطاً على حلفائها الأوروبيين للحدّ من بيع أنظمةٍ متطورة للصين، وقد تجلّى ذلك في منع شركة “ASML” الهولندية من بيع أحدث أجهزتها العاملة بالأشعة فوق البنفسجية الشديدة إلى بكين، كما فرضت الحكومة الهولندية في وقتٍ سابق حظراً على بيع أنظمة الطباعة الغامرة بالأشعة فوق البنفسجية العميقة للصين.
من هنا، تأتي أهمية إنجاز “DeepSeek”، التي نجح مهندسوها في الالتفاف على قيود التصدير من خلال التركيز على الكفاءة واستغلال الموارد المحدودة بأقصى شكلٍ ممكن. ورغم أن قدرة “DeepSeek” على منافسة الكيانات الأمريكية الكبرى في الذكاء الاصطناعي ما تزال قيد الاختبار الدقيق، فإنّ ظهورها بقوةٍ في متجر تطبيقات “Apple” وتصدّرها قوائم التنزيل يُشير إلى جدية هذا التحدّي الصيني.
قد يهمّك أيضًا: الحرب على سيادة عرش التكنولوجيا
هل يستمر الذعر أم يخمد سريعاً؟
رغم الأجواء القاتمة التي خيّمت على تعاملات أسهم التكنولوجيا، يرى محللون أنّ ردّ الفعل الحالي قد يكون مبالغاً فيه على المدى القصير؛ إذ إنّ الأسواق تواجه مثل هذه التطوّرات غير المتوقَّعة غالبًا بعمليات بيعٍ عشوائية تُضخِّم الخسائر، لكنّ التقييم الأعمق لواقع التقنية يُشير إلى أنّ إنفيديا وغيرها من الشركات الكبرى لا تزال تمتلك إمكاناتٍ هائلة لقيادة قطار الذكاء الاصطناعي، خاصةً وأنّ الإنفاق الرأسمالي في هذا المجال يزداد بوتيرةٍ غير مسبوقة.
قد يكون ما حدث بمثابة صحوةٍ للمستثمرين لإعادة النظر في جدوى بعض الاستثمارات الضخمة، أو على الأقل للتمييز بين الشركات القادرة على تحويل إنفاقها الهائل إلى عائداتٍ فعلية، وتلك التي تجري وراء سباق الإنفاق فحسب.
من المرجّح أن تراقب الأسواق من كثب تطوّر نموذج “DeepSeek” على أرض الواقع، وفي حال تأكّد أنّ بمقدور هذا النموذج منافسة أو التفوّق على المنصات الغربية المعروفة، فإنّ التداعيات قد تتجاوز خسارة يومٍ واحد في سوق الأسهم.
لا شكّ أنّ الهزّة التي أصابت إنفيديا ستكون علامةً فارقة في مسار تطوّر الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم؛ فقد أظهرت هذه الواقعة أنّ السوق التكنولوجية شديدة التقلّب، وأنّ الشركات الناشئة قادرةٌ على إحداث صدمة إذا امتلكت رؤيةً مختلفة وتكنولوجيا كفؤة.
كما أكّدت أنّ السباق على الذكاء الاصطناعي ليس حكراً على الشركات الأمريكية الكبرى، بل إنّ الصين تمضي بخطواتٍ متسارعة نحو الأمام رغم القيود والعوائق.
