وسط تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، وتداخل الحسابات السياسية مع الأبعاد العسكرية والاقتصادية، تتزايد حالة عدم اليقين حول مسار الأحداث وإمكانية وقف التصعيد، وسط مخاوف من تداعيات اقتصادية وسياسية قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة.
وفي هذا الشأن، أكد الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، أن منطقة الشرق الأوسط تمر حاليًا بمرحلة شديدة الحساسية، في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، مشيرًا إلى أن المشهد الحالي لم يعد يقتصر على تبادل الرسائل السياسية أو العسكرية، بل يقترب بشكل متزايد من احتمالات مواجهة قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة بالكامل.
وأوضح العسيلي أن ما يزيد من تعقيد المشهد هو تداخل الحسابات العسكرية مع الرهانات السياسية، إلى جانب تضارب التصريحات والتحركات على الأرض، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية تتعلق بحقيقة ما يجري، وحدود التصعيد، وإمكانية احتوائه قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.
وأشار إلى أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تحدث فيها عن وجود موافقة إيرانية ضمنية على عدم السعي لامتلاك سلاح نووي، جاءت في إطار محاولة لتهيئة المناخ نحو تسوية محتملة بشروط أمريكية، إلا أن هذه التصريحات قوبلت برفض إيراني قاطع، حيث نفت طهران بشكل واضح وجود أي مفاوضات أو تفاهمات، في رسالة تؤكد تمسكها بموقفها ورفضها للضغوط السياسية والإعلامية.
تأجيل الضربة العسكرية
في هذا السياق، لفت العسيلي إلى أن قرار ترامب بتأجيل الضربة العسكرية لمدة خمسة أيام لا يمكن اعتباره خطوة عابرة، فهو يحمل دلالات استراتيجية متعددة، إذ قد يمثل فرصة أخيرة لإحياء المسار السياسي، وفي الوقت ذاته قد يكون مساحة لإعادة ترتيب الأوراق والاستعدادات العسكرية.
وأضاف أن المعطيات تشير إلى أن واشنطن لم تدفع باتجاه استهداف المنشآت النووية الإيرانية، بل إن هناك مؤشرات على أن ترامب طلب من إسرائيل تجنب ضرب تلك المواقع الحساسة، في محاولة واضحة لاحتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة شاملة يصعب السيطرة عليها.
كما أشار إلى أن حديث ترامب عن ضرورة وجود قيادة مشتركة لإدارة الحرب ضد طهران يعكس توجهًا نحو تنظيم العمليات العسكرية ضمن إطار تحالف أوسع، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع ليشمل أطرافًا متعددة، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي ويجعل السيطرة عليه أكثر صعوبة.
وفيما يتعلق بالأبعاد الجغرافية والاستراتيجية، أوضح العسيلي أن جزيرة خارك تُعد أحد أهم المراكز الحيوية في منظومة تصدير النفط الإيراني، ما يجعلها هدفًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، حيث إن أي محاولة للسيطرة عليها تمثل ضغطًا اقتصاديًا مباشرًا على إيران. لكنه حذر في الوقت نفسه من أن استهداف هذه الجزيرة قد يؤدي إلى تصعيد بحري خطير في منطقة الخليج، ويهدد استقرار إمدادات الطاقة العالمية، وهو ما قد تكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد الدولي.
هل تستسلم إيران؟
أكد العسيلي أن الحديث عن احتمال استسلام إيران في الوقت الراهن يبدو بعيدًا عن الواقع، نظرًا لطبيعة النظام الإيراني وقدرته على الصمود في مواجهة الضغوط، إضافة إلى امتلاكه أدوات نفوذ إقليمية متعددة، وهو ما يرجح أن يتخذ الصراع مسارًا طويلًا قائمًا على الاستنزاف، بدلًا من الحسم السريع.
أما على الجانب الاقتصادي، والذي وصفه العسيلي بأنه الأكثر تأثيرًا على المدى المباشر، فقد أشار إلى أن هذه التطورات تحمل انعكاسات عميقة على المنطقة، خاصة في ظل حساسية أسواق الطاقة لأي توتر في منطقة الخليج.
وأوضح أن التقديرات تشير إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر برميل النفط قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم عالميًا بنسبة تتراوح بين 0.3% و0.5%، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على سياسات البنوك المركزية، وقد يؤخر خطط خفض أسعار الفائدة.
اقرأ أيضًا: كيف تؤثر أسعار الفائدة على التضخم والاقتصاد العالمي
تأثير الأوضاع على الاقتصاد المصري
على الصعيد السياسي، شدد العسيلي على أن مصر تلعب دورًا متوازنًا وواضحًا في التعامل مع هذه التطورات، حيث تتبنى موقفًا قائمًا على تجنب التصعيد والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، مع حماية مصالحها الاستراتيجية.
وأوضح أن الدور المصري من المرجح أن يظل في إطار الجهود الدبلوماسية، مع استبعاد أي تدخل عسكري مباشر، إلا في حال تعرض الأمن القومي المصري لتهديد واضح، خاصة فيما يتعلق بحركة الملاحة أو استقرار المنطقة المحيطة.
أما فيما يخص الاقتصاد المصري، فقد أكد العسيلي أن التقديرات تُشير إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في أسعار النفط قد ترفع أعباء الموازنة العامة للدولة بما يتراوح بين 35 إلى 45 مليار جنيه سنويًا، نتيجة ارتفاع تكلفة دعم المواد البترولية والنقل، كما أشار إلى أن معدلات التضخم المحلي قد ترتفع بنسبة لا تقل عن 1% إلى 1.5%، نتيجة زيادة تكاليف الإنتاج والخدمات.
وأضاف أن قناة السويس تُعد من أكثر القطاعات عرضة للتأثر بهذه التطورات، حيث إن تصاعد المخاطر في البحر الأحمر أو الخليج قد يؤدي إلى تراجع حركة الملاحة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الإيرادات التي تجاوزت 9 مليارات دولار سنويًا في الفترات الأخيرة. وفي المقابل، أشار العسيلي إلى احتمال استفادة جزئية من ارتفاع تحويلات المصريين العاملين في الدول النفطية في حال تحسن إيرادات تلك الدول، إلا أن هذه المكاسب تظل غير مؤكدة في حال اتساع نطاق الصراع.
وشدد العسيلي على أن الاقتصاد المصري يواجه تحديًا مركبًا في ظل هذه الظروف، يتمثل في ضرورة احتواء الضغوط التضخمية، والحفاظ على استقرار سعر الصرف، وتأمين مصادر النقد الأجنبي، وهو ما يتطلب تبني سياسات مالية ونقدية تتسم بالانضباط والمرونة في آن واحد.
وأكد في ختام تصريحاته، أنه رغم خطورة المشهد، لا تزال هناك فرصة لاحتواء الأزمة، حيث تدرك جميع الأطراف أن كلفة المواجهة الشاملة ستكون باهظة للغاية، مشيرًا إلى أن التصعيد الحالي قد يكون في جانب منه أداة ضغط لفرض شروط تفاوضية جديدة، وليس بالضرورة مقدمة لحرب مفتوحة. كما أعرب عن أمله في أن تسود لغة العقل والحلول السياسية، قبل أن تنزلق المنطقة إلى مواجهة لا يمكن التنبؤ بتداعياتها.
اطّلع على تفاصيل: موازنة مصر 2026/2027.. طموحات النمو وتحديات الدين العام
الاقتصاد العالمي يدفع الثمن
من جهته، أكّد الدكتور أيمن عبد المقصود، الخبير الاقتصادي، أن التطورات الأخيرة المرتبطة بملف مضيق هرمز وأسعار النفط ألقت بظلالها بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن احتمالات التهدئة وإمكانية الدخول في مفاوضات مع الجانب الإيراني.
وأوضح عبد المقصود أن الأسواق العالمية، ولا سيما الأسواق الآسيوية، أظهرت تفاعلًا سريعًا مع هذه التصريحات، حيث شهدت أسعار النفط تراجعًا ملحوظًا فور الحديث عن احتمالات التوصل إلى تفاهمات بين واشنطن وطهران، وهو ما يعكس مدى حساسية الأسواق لأي إشارات سياسية تتعلق بمناطق التوتر الحيوية المرتبطة بإمدادات الطاقة.
وأشار إلى أن هذا التفاعل السريع من جانب الأسواق الآسيوية يعكس طبيعتها الديناميكية وسرعة استجابتها للأخبار والتطورات الجيوسياسية، سواء كانت إيجابية أو سلبية، إلا أنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة التعامل بحذر مع هذه التحركات، موضحًا أن ردود فعل الأسواق في مثل هذه الحالات غالبًا ما تكون مؤقتة وقصيرة الأجل.
وأضاف أن الاتجاهات الحقيقية للأسواق لا تتحدد فقط من خلال التصريحات، بل تعتمد بشكل أساسي على ما ستؤول إليه التطورات خلال الأيام المقبلة، سواء من حيث جدية المفاوضات أو استمرار التصعيد، وهو ما يجعل المرحلة الحالية مرحلة ترقب حذر من جانب المستثمرين.
وأكد الدكتور أيمن عبد المقصود أن حالة عدم اليقين لا تزال هي السمة الغالبة على المشهد، في ظل غياب مؤشرات واضحة على مسار الأحداث، وهو ما يدفع الأسواق إلى التحرك بشكل متذبذب بين التفاؤل الحذر والقلق من عودة التوترات.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه الأسواق العالمية، مشيرًا إلى أن استقرار الأوضاع مرهون بوضوح الرؤية السياسية، في حين أن استمرار الغموض قد يبقي الأسواق تحت ضغط التقلبات، خاصة في ما يتعلق بأسعار النفط وحركة التجارة الدولية.
اقرأ أيضًا: الفاتورة غير المعلنة.. هل يتحمل الاقتصاد الأمريكي الحرب على إيران؟
