هدَّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإلغاء المساعدات الأمريكية عن الأردن إذا لم توافق على استقبال اللاجئين الفلسطينيين النازحين من قطاع غزة، معرباً عن ثقته في أنَّ الأردن سيقبل استقبال هؤلاء النازحين، رغم التحفظات الرسمية التي أبداها المسؤولون الأردنيون بشأن هذه المسألة.
ويعتبر ترامب أنّ الدعم الأمريكي عنصر أساسي في استقرار الاقتصاد الأردني، حيث تعتمد المملكة بشكل كبير على المساعدات الخارجية في تمويل العديد من المشاريع التنموية والخدمات العامة، ومع تصاعد الضغوط المالية وتزايد الأعباء الناتجة عن استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، قد يشكل تنفيذ هذا القرار ضربة قوية للاقتصاد الأردني، مما يضع الحكومة أمام تحديات إضافية في إدارة الوضع الداخلي وتأمين مصادر تمويل بديلة.
تأثر إلغاء المساعدات الأمريكية للأردن
أكَّد الباحث محمد خيري، المُتَخَصِّص في الشؤون الاقتصادية والسياسية، أنَّ قرار الولايات المتحدة وقف عمل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) في الأردن يُشَكِّل ضربة قاسية للاقتصاد الأردني، ويضع المملكة في موقف اقتصادي وسياسي حرج. وأوضح أنَّ هذا القرار ستكون له تداعيات كارثية على مختلف القطاعات الحيوية، لا سيَّما أنَّ الأردن يعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية، خصوصًا الأمريكية، لتمويل جزء كبير من ميزانيته.
وأشار محمد خيري في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” إلى أنَّ الأردن يُعاني بالفعل من ضغوط اقتصادية كبيرة بسبب صغر حجمه الجغرافي، وقلَّة موارده الطبيعية، وعبء استضافة اللاجئين، مما يجعله معتمدًا على المساعدات الأمريكية والغربية والعربية لضمان استقرار اقتصاده، ومع وقف الدعم الأمريكي، ستتفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد، خاصةً أنَّ هذه المساعدات كانت تُشَكِّل أكثر من 50% من الميزانية الأردنية.
وأوضح أنَّ تأثير القرار الأمريكي انعكس بشكل مباشر على سوق العمل، حيث فقد حوالي 35 ألف موظف أردني وأمريكي وظائفهم في القطاعين العام والخاص، نظرًا لاعتمادهم على مشاريع ممولة أمريكيًا، بالإضافةِ وقف الدعم المُخَصَّص للاجئين السوريين وذوي الدخل المنخفض، مما زاد من نسب البطالة والفقر داخل المجتمع الأردني.
اقرأ أيضًا: كيف يؤثر تجميد المساعدات الأمريكية على الدول النامية وبرامج الإغاثة؟
توقف التمويل عن القطاعات الحيوية
أكَّد الباحث أنَّ الوكالة الأمريكية كانت تُقَدِّم دعمًا مباشرًا لعدة قطاعات أساسية في الأردن، مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والمياه، ومشاريع البنية التحتية، وبرامج الحماية الاجتماعية، خاصة تلك الموجَّهة لحماية النساء والأطفال من العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وأشار إلى أنَّ القرار الأمريكي أدّى إلى إيقاف المساعدات المُخَصَّصة للاجئين السوريين والفلسطينيين في الأردن، مما أدى إلى حرمان الآلاف من الخدمات الأساسية، كما اضطرت الوكالة الأمريكية إلى إغلاق عدد من المراكز المجتمعية التي كانت تُقَدِّم خدماتها لحوالي 13 ألف شخص من ذوي الإعاقة، وهو ما أثر بشكل مباشر على الفئات الأكثر احتياجًا في المجتمع.
التداعيات الأمنية والعسكرية لوقف المساعدات
أوضح محمد خيري أنَّ تأثير قرار إلغاء المساعدات الأمريكية للأردن لن يقتصر على الاقتصاد فقط، بل يمتد ليشمل الجانب الأمني والاستراتيجي، حيث يستضيف الأردن حوالي 3000 جندي أمريكي، وفقًا لتقرير صادر عن دائرة أبحاث الكونغرس في عام 2022. وبينما لم يتم الإعلان رسميًا عن تأثير القرار على الوجود العسكري الأمريكي في المملكة، إلَّا أنَّ تقليص التعاون الاقتصادي قد يؤدي إلى إعادة النظر في الشراكات الأمنية والعسكرية بين البلدين.
وأضاف أنَّ الأردن يُعتبر حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهو يلعب دورًا محوريًا في الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب، خصوصًا في ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة، لكنّ وقف المساعدات قد يدفع الأردن إلى إعادة تقييم علاقاته الدولية، وربما البحث عن بدائل أخرى لتعويض هذا النقص، مثل تعزيز التعاون مع الصين وروسيا أو تعميق العلاقات الاقتصادية مع الدول الخليجية.
كيف يتأثر المواطن الأردني؟
أوضح الباحث أنَّ الأثر المباشر للقرار الأمريكي انعكس على حوالي 100 ألف مستفيد فقدوا خدماتهم الأساسية، كما اضطرت بعض المؤسسات إلى تسريح حوالي 30% من موظفيها بسبب نقص التمويل. وأكَّد أنَّ الاقتصاد الأردني الذي كان يعتمد بشكل كبير على التمويل الأمريكي وجد نفسه فجأة في مواجهة أزمة حقيقية، ما دفع الحكومة إلى البحث عن حلول بديلة لضمان استمرار تقديم الخدمات العامة.
وأشار إلى أنَّ الأردن يواجه الآن خطرًا اقتصاديًا مزدوجًا؛ فمن ناحية توقف الدعم الأمريكي، ومن ناحية أخرى تزايُد الضغوط المالية نتيجة الالتزامات الداخلية الضخمة. هذا الوضع قد يدفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات تقشفية صعبة، مما قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية واحتجاجات شعبية بسبب تراجع الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة.
هل يمكن للأردن الاستقلال اقتصاديًا؟
أكَّد محمد خيري أنَّ هذه الأزمة كشفت مدى هشاشة الاعتماد على المساعدات الخارجية، وضرورة أن يعمل الأردن على تحقيق استقلال اقتصادي حقيقي من خلال تنويع مصادر الدخل، وتحفيز الاستثمار المحلي، وتطوير القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة.
وأضاف أنَّ الدول التي تعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية تضع نفسها في موقف ضعف استراتيجي، حيث تصبح رهينة للقرارات السياسية للدول المانحة. ولفت إلى أنَّ هذه الأزمة يمكن أن تكون فرصة للأردن لإعادة النظر في سياساته الاقتصادية، والعمل على إيجاد حلول مستدامة تضمن استقلالية الاقتصاد الوطني وعدم خضوعه لضغوط القوى الخارجية.
وفي ختام تصريحاته، أكَّد الباحث محمد خيري أنَّ الأردن يواجه تحديًا اقتصاديًا غير مسبوق بعد وقف المساعدات الأمريكية، لكنّه في الوقت ذاته يملك فرصة لإعادة بناء اقتصاده على أسس أكثر استدامة، مشيرًا إلى أنَّ قدرة الأردن على تجاوز هذه الأزمة ستعتمد على مدى نجاحه في تطوير استراتيجيات اقتصادية جديدة، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية، والحد من الاعتماد على التمويل الخارجي.
علاوة على ذلك، شدَّد محمد خيري على ضرورة أن تبحث الأردن عن مصادر تمويل بديلة للمساعدات الخارجية لتمويل اقتصادها عبر مواردها الداخلية، وليس من خلال المعونات الدولية، ودعا إلى ضرورة أن تكون هذه الأزمة جرس إنذار للحكومة الأردنية لتبني إصلاحات اقتصادية جذرية، تمنح الأردن القدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية بشكل مستقل دون الحاجة إلى تدخلات خارجية.
