تعتبر عملية تعديل النظام المحاسبي وإقرار القيمة العادلة للأصول في البورصة المصرية خطوة حيوية في إعادة هيكلة الاقتصاد المصري، حيث يلعب النظام المحاسبي دورًا أساسيًا في تقييم الشركات، ودراسة تأثير ذلك على أسعار الأسهم في السوق المالي.
حتى الآن، كانت القيمة الدفترية هي الأساس في تقدير قيمة الأصول، مما أدى إلى تباين كبير بين القيمة الدفترية والقيمة السوقية الفعلية، وهو ما أثر سلبًا على تقييم الشركات في البورصة، ولكن من خلال إعادة تقييم الأصول لتكون قائمة على القيمة العادلة، يمكن للمستثمرين والشركات استعادة الثقة، مما يسهم في تحسين الأداء الاقتصادي وزيادة الاستثمارات.
تطبيق القيمة العادلة للأصول
وفقًا للجهاز المركزي للمحاسبات، انعقدت اللجنة الفنية الدائمة للنظام المحاسبي الموحد والمعايير التابعة للجهاز، لمناقشة التعديلات الجديدة التي أدخلت على معيار المحاسبة المصري رقم (10)، المتعلق بالأصول الثابتة وإهلاكها.
وأقرت اللجنة الموافقة على إتاحة استخدام المنشآت المُلزمة بتطبيق النظام المحاسبي الموحد، ومعايير المحاسبة المصرية كإطار مكمل لنموذج إعادة تقييم الأصول الثابتة وفقًا للمعيار رقم (10) الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم 883 لسنة 2023، وقد تم اعتماد التعديلات على النظام المحاسبي الموحد بما يتناسب مع آثار تعديل المعيار رقم (10).
وتجدر الإشارة إلى أن اعتماد نموذج إعادة التقييم يهدف إلى إظهار القيمة العادلة للأصول، مما يسهم في تعزيز الملاءة المالية للشركات التي ستقوم بتطبيق هذا النموذج كسياسة محاسبية معتمدة.
القيمة الدفترية
يقول أيمن فوده محلل أسواق المال: “حتى الآن، يعتمد النظام المحاسبي المصري على القيمة الدفترية لأصول أي شركة لحساب القيمة العادلة لها، وبالتالي قيمة السهم بالنسبة للشركات المقيدة والمطروحة للتداول في البورصة”. ثُمّ أوضح أن القيمة الدفترية هي قيمة الأصل عند شرائه أو إنشائه، وهذا يؤدي إلى انخفاض مستوى قيمة الشركة وسهمها لمستويات بعيدة جداً عن قيمتها العادلة حالياً.
على سبيل المثال، قطعة أرض تم شراؤها منذ أربعين عاماً بسعر 2 جنيه للمتر الواحد، ما تزال تلك الأرض تُقيّم في الشركة مالياً بمبلغ 2 جنيه للمتر، ثم نتفاجأ بأن نفس القطعة تُباع بالفعل مقابل 8000 جنيه للمتر.
إذا تم تقسيم ثمن الأرض على أسهم الشركة، سيكون نصيب السهم أكبر من ثمنه الحالي على شاشة التداول، مما يقلل القيمة العادلة للأسهم حالياً ويرفع نسب حقوق المساهمين، وهذا سيحقق مردودًا كبيرًا بالنسبة لالتزامات الشركة وسعرها السوقي، ويُساهم في خفض مكررات الربحية للأسهم أكثر مما هي عليه الآن.
وأضاف محلل أسواق المال: “لذا باختصار، فإن هذا التعديل على النظام المحاسبي سيكون له انعكاس إيجابي على أسعار الأسهم، خاصة بالنسبة لأصحاب الأصول الكبيرة في قطاعات العقارات والبتروكيماويات والموارد الأساسية، وكذلك الشركات التي تملك خطوط إنتاج ومحافظ أراضٍ كبيرة. وبالتالي، سيعيد هذا التعديل تقييم الأسهم للأفضل بنسبة كبيرة جداً، تصل إلى أضعاف ما هي عليه الآن”.
حقوق ملكية
من جانبه يقول حافظ سليمان، استشاري الاستثمار وإدارة الأعمال، إنه قبل التطرق إلى التفاصيل يجب التأكيد على معلومة مهمة، وهي أن فروق إعادة التقييم تُعتبر من حقوق الملكية ولا يُستحق عليها ضريبة، كونها تُعتبر أرباحًا رأسمالية غير محققة.
وأضاف سليمان، في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia، أنّه وفي خطوة نهائية للتطبيق الفوري، اعتمد الجهاز المركزي للمحاسبات التعديلات على النظام المحاسبي الموحد بما يتناسب مع آثار تعديل المعيار المحاسبي رقم 10. وتجدر الإشارة إلى أن اعتماد تعديلات نموذج إعادة التقييم يهدف إلى إظهار القيمة الحقيقية للأصول، مما يساهم في تعزيز الملاءة المالية للشركات.
كما ناشد سليمان أجهزة سوق المال، خصوصًا الرقابة المالية وإدارة البورصة، أن يدعموا الشركات في تيسير إجراءات إعادة تقييم الأصول وفقًا للقيمة السوقية، مما يُفسح المجال لدورة اقتصادية في عدة قطاعات، وقد قامت الرقابة المالية بإعداد سجل خاص مختصر لخبراء معتمدين لإعادة التقييم، وربما يحتاج الأمر إلى زيادة نشر المعلومات التوضيحية على شاشات البورصة، خاصة أن فروق إعادة التقييم تعتبر من حقوق الملكية ولا يستحق عليها ضريبة، كونها أرباحًا رأسمالية غير محققة.
نموذج القيمة العادلة
لفت سليمان إلى أنه سبق وأن قررت هيئة سوق المال السعودية السماح للشركات المدرجة باستخدام نموذج القيمة العادلة، أو إعادة التقييم وفقًا للقيمة السوقية عند إعداد القوائم المالية. ومع الإصلاحات الاقتصادية الضخمة في السوق المصري، مثل تخفيض سعر الصرف وانعكاس معدلات التضخم على أسعار الأصول، كان من الضروري الالتفات اتباع معيار المحاسبة الدولية الذي يتيح إثبات الأصول وفقًا للقيمة السوقية بدلاً من التاريخية التي لا تعبر عن واقع ثروات مصر بصورة عاجلة.
أهمية ظهور القيمة الحقيقية لأصول الشركات المصرية
أوضح سليمان أن إعادة تقييم الأصول المصرية وإثبات القيمة السوقية الفعلية أصبح ضرورة حتمية، وذلك للأسباب الآتية:
- الحفاظ على مقدرات الوطن: وذلك من خلال توثيق قيمتها الفعلية في الوقت الحالي، لتلافي آثار انخفاض سعر العملة والتضخم.
- معرفة القيمة الحقيقية للثروة العقارية: حيث إنّ ذلك يُساعد على تقييم الأصول بشكل دقيق.
- تيسير تداول الأصول المصرية: بحيث تكون قريبة من قيمتها السوقية أو العادلة، بدلاً من إجراء دراسات قيمة عادلة لحالات خاصة عند الحاجة، مما يؤدي أحيانًا إلى بيع بعض الأصول بأسعار بخسة.
- سهولة مقارنة أداء الشركات: في الأسواق المختلفة، مما يسهل عملية التحليل والاستثمار.
- معرفة قيمة الأصول غير المستغلة: مما يؤدي إلى إزالة الستار عن قيمتها الحقيقية، وبالتالي تظهر فرص استثمارها من خلال المشاركة أو الدمج مع شركات أخرى أو بيعها لتوظيف قيمتها في قطاعات أخرى، مما سيؤدي إلى حركة اقتصادية نشطة في جميع قطاعات الدولة.
- فك التشابكات المالية بين جهات الدولة: وهذا خاص بالجهات التي تُعاني من مديونيات، لكنّها تمتلك أصولًا تم تقييمها بأسعار زهيدة لا تمكّنها من الاقتراض بقيمتها الفعلية، مع تطبيق معايير بسيطة للهندسة المالية لتعظيم قيمة الأصول.
- ظهور القيمة الحقيقية لأصول الشركات المصرية: مقارنةً بأسعار الأسهم المنخفضة للغاية، مما يؤدي إلى جذب استثمارات من الخارج، ويسهم في حل أزمة النقد الأجنبي.
أفضل فرص الاستثمار
من المعروف أن الأموال التي تأتي من خلال شراء الأسهم في البورصة تعتبر أكثر سهولة في التأثير في الاقتصاد، مقارنة بأموال السندات التي تلتزم الدولة بدفعها عند الطلب، مما يربك المالية العامة للدولة.
واستطرد استشاري الاستثمار وإدارة الأعمال: “يمكن اختصار ما سبق بالقول إن إعادة تقييم الأصول بالقيمة العادلة يساهم في أن تعكس القوائم المالية القيمة السوقية لتلك الأصول، مما يعزز من القيمة السوقية لتلك الشركات، وينشط عمليات الاستحواذ، ويزيد السيولة في سوق المال وتدفق النقد الأجنبي من الخارج”.
ومن جهته يقول حسام عيد خبير أسواق المال: “لا بد من الإقرار بحقيقة أن أصول وشركات مصر من بين أفضل فرص الاستثمار حول العالم في هذه اللحظة التاريخية، نتيجة لجملة عوامل تراكمت على مدى أكثر من 60 عامًا”.
وأضاف عيد، في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia، إنّ من غير المنطقي أن نجد حقوق ملكية بعض الشركات تحتوي على أراضٍ بسعر المتر خمسة جنيهات، بينما القيمة السوقية الفعلية اليوم تتجاوز خمسين ألف جنيه للمتر.
يعتبر إعادة تسعير وتقييم الأصول منهجًا محاسبيًا يستخدم عادةً لإعادة تقييم أصول الشركات وتأثير التضخم أو التغييرات في القيمة منذ تملك الأصول. وعادةً ما يتم تنفيذ عمليات إعادة التقييم لأصل عندما يكون هناك فرق بين القيمة السوقية الحالية للأصل وقيمته في الميزانيات العمومية للشركات المدرجة.
وأكد الخبير أنه بعد الارتفاعات الملحوظة لمعدلات التضخم والتغيرات التي شهدها الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية الأخرى، دفع ذلك أغلب القيم العادلة للشركات نحو الارتفاع مع استمرار انخفاض القيم السوقية لأغلب الشركات المدرجة، وخاصةً في قطاع العقارات الذي ما زالت شركاته تعاني من انخفاض القيم السوقية لها.
اقرأ أيضًا: كيف يؤثر إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية على أداء البورصة المصرية
تأثير إعادة تقييم الأصول في البورصة المصرية
ستنعكس عملية إعادة تقييم الأصول إيجابًا على أداء الشركات المدرجة، وذلك من خلال ارتفاع القيمة السوقية لأغلبها، وذلك من خلال ما يأتي:
- زيادة الشفافية والثقة: عندما تقوم الشركات المدرجة في البورصة بإعادة تقييم أصولها، فإنها تعكس قيمتها الحقيقية بصورة أفضل، الأمر الذي يزيد شفافية المعلومات المالية، ويعزز ثقة المستثمرين في السوق، مما قد يؤدي إلى زيادة الاستثمارات.
- ارتفاع القيمة السوقية: يمكن أن تؤدي إعادة تقييم الأصول إلى زيادة القيمة السوقية للشركات، حيث تعكس الأسعار الجديدة الأصول بطريقة أكثر دقة، وهذا قد يؤدي إلى تحسين التصنيف الائتماني للشركات، مما يسهل عليها جمع الأموال من الأسواق المالية.
- جذب المستثمرين: في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، قد تصبح الشركات التي تقوم بإعادة تقييم أصولها أكثر جذبًا للمستثمرين، حيث إنّ تحسين التقييمات المالية علامة على إدارة مالية قوية، وهذا يشجع المستثمرين على الدخول في السوق.
- تأثيرات إيجابية على القطاعات المختلفة: القطاعات المختلفة تتأثر بشكل مختلف بإعادة تقييم الأصول، فقد يشهد قطاع العقارات، على سبيل المثال، زيادة في الأسعار السوقية نتيجة إعادة تقييم الأصول، مما يؤدي إلى تحسين أداء الشركات العاملة في هذا القطاع.
اقرأ أيضًا: هل سيشهد الجنيه المصري تراجعات أكبر؟
تأثير إعادة تقييم الأصول في الاقتصاد المصري
إضافة إلى ما سبق ذكره، هناك عدد من الفوائد التي ستتحقق مع إعادة تقييم الأصول على المستوى الاقتصادي العام، وهي كما يأتي:
- تحسين الاقتصاد الكلي: زيادة القيمة السوقية للشركات تؤدي إلى زيادة الاستثمارات، مما يحسّن من النمو الاقتصادي الكلي، حيث يعتبر الاستثمار أحد المحركات الرئيسة للنمو، لهذا فإن زيادة الاستثمارات تعزز التنمية الاقتصادية.
- زيادة الإيرادات الحكومية: عندما ترتفع القيمة السوقية للشركات، فإن ذلك يمكن أن يساهم في زيادة الإيرادات الضريبية، بما فيها ضرائب الأرباح والمبيعات، مما يساعد الحكومة في توفير المزيد من الأموال لمشروعات التنمية.
- تعزيز استقرار السوق: إعادة تقييم الأصول تساعد على تقليل الفجوات بين القيم الدفترية والقيم السوقية، وهذا بدوره يعزز استقرار السوق، ويقلل من مخاطر التقلبات الحادة في الأسعار، مما يعود بالنفع على الاقتصاد بشكل عام.
- التعامل مع التضخم: في ظل الظروف الاقتصادية الحالية التي تشهد معدلات تضخم مرتفعة، تعتبر إعادة تقييم الأصول أداة فعّالة لمواجهة هذه التحديات، فمن خلال تعديل قيم الأصول لتعكس الواقع الاقتصادي، تستطيع الشركات الحفاظ على استقرارها المالي، مما يساهم في استقرار الاقتصاد الوطني.
وفي النهاية، اتفق الخبراء على أن إعادة تقييم الأصول عملية حيوية تؤثر بشكل كبير على البورصة المصرية والاقتصاد المصري، من خلال تعزيز الشفافية والثقة، وزيادة القيمة السوقية، وتحفيز الاستثمارات، فضلًا عن مساهمتها الفعالة في إعادة تحقيق نمو اقتصادي مستدام، لهذا يجب على الشركات والجهات المعنية أن تعطي أهمية كبيرة لهذه العملية، خاصة في ظل التغيرات الاقتصادية السريعة.
