اقتصادات عالمية

    أوقية الذهب تقترب من 5 آلاف دولار وسط توترات جيوسياسية وتراجع الدولار

    •آخر تحديث •5 دقائق
    أوقية الذهب تقترب من 5 آلاف دولار وسط توترات جيوسياسية وتراجع الدولار

    واصلت أسعار الذهب ارتفاعها في الأسواق العالمية، مدفوعة بزيادة الإقبال على المعدن الأصفر كملاذ آمن، في أعقاب تجدد التوترات السياسية على الساحة الدولية، بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتعلقة بالنزاع حول غرينلاند. 

    وقال سعيد إمبابي، خبير أسواق الذهب، إن الذهب استعاد زخمه مسجلًا مستوى قياسيًا جديدًا، بعد تعرضه لضغوط محدودة في وقت سابق من الجلسة، ولامست أوقية الذهب مستوى 4980 دولارًا، متعافية من أدنى مستوياتها قرب 4899 دولارًا، لتتجه نحو تحقيق مكاسب أسبوعية للأسبوع الثالث على التوالي.

    ضعف أداء الدولار يدفع أوقية الذهب لمواصلة الارتفاع

    جاء الصعود في أسعار الذهب في ظل أداء ضعيف للدولار الأمريكي، إذ لم تساهم البيانات الاقتصادية الأمريكية المتباينة في تقديم دعم قوي للعملة الخضراء، ما أتاح المجال أمام الذهب لمواصلة الارتفاع.

    وأشار إمبابي إلى أنّ الذهب يقترب من تحقيق مكاسب تتجاوز 8% خلال الأسبوع الجاري، مدفوعًا بتصاعد الطلب على أصول الملاذ الآمن، في ظل مخاوف متزايدة من اتساع رقعة التوترات الجيوسياسية، وإعادة إحياء مخاوف ما يعرف بتوجهات “بيع أمريكا” .

    ورغم تراجع حدة بعض التوترات يوم الأربعاء، عقب إعلان ترامب التراجع عن تهديدات سابقة بفرض رسوم جمركية على عدد من الدول الأوروبية بعد التوصل إلى اتفاقية إطارية مستقبلية بشأن جرينلاند، فإن هذا التطور لم ينجح إلا بشكل محدود في كبح جماح صعود الذهب، خاصة في ظل غياب تفاصيل واضحة وملزمة داخل الاتفاق.

    ولا يزال المستثمرون متشككين حيال إمكانية احتواء التوترات بشكل كامل، بالتزامن مع استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي عالميًا، ما يُبقي الطلب مرتفعًا على المعدن النفيس.

    اقرأ أيضًا: الذهب يقود ثورة ضد الدولار.. هل يشهد العالم ولادة نظام مالي جديد؟

    بيانات اقتصادية متباينة تضغط على الدولار

    وفقًا للخبير، أظهرت البيانات الأولية لمؤشر مديري المشتريات العالمي (PMI) الصادر عن “ستاندرد آند بورز” ارتفاع مؤشر التصنيع إلى 51.9 نقطة في يناير، مقارنة بـ51.8 نقطة في ديسمبر، لكنه جاء دون التوقعات البالغة 52.1 نقطة.
    في المقابل، استقر مؤشر الخدمات عند 52.5 نقطة، دون تغيير عن الشهر السابق، وأقل من التوقعات التي بلغت 52.8 نقطة.

    كما أظهرت بيانات استطلاع جامعة ميشيجان لشهر يناير تحسنًا ملحوظًا في ثقة المستهلكين، حيث ارتفع مؤشر توقعات المستهلك إلى 57 نقطة، متجاوزًا التوقعات والقراءة السابقة البالغة 55 نقطة، فيما صعد مؤشر ثقة المستهلك إلى 56.4 نقطة، مقارنة بـ54 نقطة. وفي المقابل، تراجعت توقعات التضخم لمدة عام إلى 4.0% من 4.2%، كما انخفضت توقعات التضخم لخمس سنوات إلى 3.3% من 3.4%.

    وأظهرت بيانات أخرى صدرت يوم الخميس نمو الاقتصاد الأمريكي بمعدل سنوي بلغ 4.4% خلال الربع الثالث، متجاوزًا توقعات الأسواق عند 4.3%، ومتسارعًا من 3.8% في الربع الثاني. في حين استقر معدل التضخم الأساسي لنفقات الاستهلاك الشخصي عند 2.9%، وارتفعت طلبات إعانة البطالة الأولية إلى 200 ألف طلب.

    سياسات ترامب التجارية تدفع المستثمرين نحو الذهب

    يتداول مؤشر الدولار الأمريكي قرب مستوى 98.36 نقطة، مقتربًا من أدنى مستوياته في أسبوعين، ومتجهًا لتسجيل أول خسارة أسبوعية منذ ثلاثة أسابيع. وفي هذا السياق، يرى إمبابي أن الأجندة التجارية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واعتماده المتكرر على الرسوم الجمركية كأداة ضغط سياسي، أسهما في تآكل ثقة المستثمرين في الأصول الأمريكية، ما زاد المخاوف من تراجع قيمة الدولار ودفع المتعاملين نحو أصول الملاذ الآمن التقليدية، وفي مقدمتها الذهب.

    وفي هذا الإطار، أعلن ترامب يوم الخميس انتهاء المقابلات لاختيار رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، مؤكداً أنه حسم قراره، مع ترجيحات بأن يصدر الإعلان الرسمي قبل نهاية يناير.

    وتضم القائمة المختصرة، وفق تقارير إعلامية، كلًا من كيفن هاسيت، وريك ريدر، وكريستوفر والر، وكيفن وارش، ولا تزال الأسواق تخشى أن يؤدي تعيين رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي إلى تبني سياسة نقدية أكثر تيسيرًا، خصوصًا في ظل انتقادات ترامب المتكررة لرئيس البنك المركزي الحالي جيروم باول بسبب عدم خفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع.

    اقرأ المزيد: “باول” أمام تحقيق جنائي وسط ضغوط “ترامب” لخفض الفائدة

    توقعات السياسة النقدية ودعم الذهب

    على صعيد السياسة النقدية، عززت البيانات الاقتصادية الأمريكية الأخيرة التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي سيتجه إلى نهج التيسير التدريجي بدلًا من التخفيضات الحادة، وتشير التوقعات إلى شبه إجماع في الأسواق على تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماع 27–28 يناير، مع ترجيح استمرار السياسة الحالية طوال الربع الأول من العام.

    وقال مايكل هارتنت، كبير محللي الاستثمار في بنك أوف أمريكا، إن متوسط موجات الصعود التاريخية للذهب بلغ نحو 300% خلال 43 شهرًا، ما قد يدفع سعر أوقية الذهب إلى 6,000 دولار بحلول الربيع المقبل، أي أعلى بنحو 20% من المستويات القياسية الحالية.

    من جانبه، أكد مايكل ويدمر، رئيس أبحاث المعادن في بنك أوف أمريكا، أن الذهب سيظل عنصرًا محوريًا في المحافظ الاستثمارية خلال 2026، مشيرًا إلى أن تشديد أوضاع السوق وارتفاع حساسية الأرباح يعززان دور الذهب كأداة تحوط ومحرك محتمل للعوائد.

    وتستند توقعات البنك لعام 2026 إلى تراجع المعروض وارتفاع تكاليف الإنتاج، حيث يتوقع انخفاض إنتاج 13 شركة تعدين كبرى في أمريكا الشمالية بنسبة 2% ليصل إلى 19.2 مليون أوقية، مع ارتفاع متوسط التكلفة الشاملة للإنتاج (AISC) إلى نحو 1,600 دولار للأوقية.

    ترجيحات بارتفاع أسعار الفضة والبلاتين والبلاديوم

    يتوقع بنك أوف أمريكا أن يبلغ متوسط السعر الحقيقي للذهب نحو 4,538 دولارًا للأوقية خلال 2026، مع ترجيحات بارتفاع أسعار الفضة والبلاتين والبلاديوم.

    وأشار ويدمر إلى أن الفضة قد تكون أكثر جاذبية للمستثمرين ذوي الشهية المرتفعة للمخاطر، في ظل وصول نسبة الذهب إلى الفضة حاليًا إلى نحو 59، مقارنة بأدنى مستويات تاريخية بلغت 32 في عام 2011 و14 في عام 1980.
    وأكد ويدمر أن موجات الصعود القوية للذهب لا تنتهي لمجرد ارتفاع الأسعار، بل بزوال العوامل الأساسية الداعمة، مشيرًا إلى أن السوق لا يزال دون مستواه الاستثماري العادل، مع وجود مساحة واسعة لتعزيز دور الذهب في المحافظ الاستثمارية.

    وأوضح أن زيادة الطلب الاستثماري بنسبة 14% فقط قد تدفع الأسعار إلى المستهدف الحالي، بينما يتطلب الوصول إلى 8,000 دولار زيادة الطلب بنسبة 55%.

    الطلب الاستثماري والبنوك المركزية

    شهد الطلب الاستثماري، خاصة من الأفراد، قفزة قوية خلال الأشهر الأخيرة، مع تسجيل تدفقات صناديق المؤشرات المدعومة بالذهب في 2025 أعلى مستوياتها منذ 2020.

    كما يتوقع البنك استمرار مشتريات البنوك المركزية، حتى بعد وصول الاحتياطيات الرسمية إلى مستويات قياسية، مشيرًا إلى أن الذهب بات يمثل نحو 15% من إجمالي الاحتياطيات، مع إمكانية ارتفاع هذه النسبة إلى 30%.

    واختتم ويدمر بالقول إن السياسة النقدية الأمريكية ستظل العامل الحاسم في موجات الصعود المقبلة، موضحًا أن الذهب يرتفع في المتوسط بنسبة 13% خلال دورات التيسير النقدي عندما يتجاوز التضخم 2%.

    في حال صدقت توقعات “بنك أوف أمريكا”، فإن الذهب قد لا يجد سقفاً لطموحاته السعرية طالما استمرت العوامل الجيوسياسية في التفوق على البيانات الاقتصادية التقليدية، مما يجعل المعدن الأصفر حجر الزاوية في أي محفظة استثمارية تسعى للنجاة من عواصف 2026.

    قد يهمّك أيضًا: صعود أسعار الفضة 150% في عام.. مكاسب قوية وتحذيرات من التشبع