فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الأربعاء، حزمة عقوبات جديدة استهدفت أكثر من 30 جهة وكيانًا على صلة بمبيعات النفط الإيرانية وبرامج إنتاج الصواريخ الباليستية، وذلك قبيل جولة محادثات توصف بالحاسمة بين واشنطن وطهران.
وأوضحت وزارة الخزانة الأمريكية أن الإجراءات الجديدة تندرج ضمن حملة “الضغط الأقصى” التي تتبناها الإدارة تجاه إيران، في وقت يتزامن فيه ذلك مع رفع مستوى الجاهزية العسكرية لدفع طهران نحو القبول باتفاق نووي جديد، ومن المقرر أن يلتقي وفدا البلدين في جنيف لاستئناف المفاوضات، في ظل أجواء مشحونة بالرسائل المتبادلة.
عقوبات تستهدف الأسطول الإيراني الخفي
بحسب بيان وزارة الخزانة، استهدفت العقوبات سفنًا تعمل ضمن ما وصفته بـ”الأسطول الإيراني الخفي”، وهو الشبكة التي تستخدم للالتفاف على القيود المفروضة على صادرات النفط.
كما شملت العقوبات شبكات تنشط في إيران وتركيا والإمارات العربية المتحدة، متهمة بتمكين الحرس الثوري ووزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة من الحصول على مواد أولية وآلات حساسة تُستخدم في إعادة بناء قدرات إنتاج الصواريخ الباليستية والأسلحة المضادة للطائرات، إضافة إلى دعم نشر الطائرات المسيّرة في دول أخرى، وأكدت الوزارة أن هذه الخطوة تأتي دعمًا لمساعي إعادة تطبيق عقوبات الأمم المتحدة بعد انهيار الاتفاق النووي المبرم عام 2015.
في الوقت نفسه سعت إيران خلال الأيام الأخيرة لمضاعفة عمليات تحميل النفط، في تحرك اعتبرته تقارير دولية إجراءً احترازيًا تحسبًا لاحتمال تعرضها لضربة عسكرية أمريكية، ووفق بيانات شركة كبلر المتخصصة في تتبع شحنات الطاقة، بلغت صادرات النفط الإيراني من جزيرة خرج خلال الفترة من 15 إلى 20 فبراير نحو 20.1 مليون برميل، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف الكميات المحمّلة في الفترة نفسها من يناير، بما يعادل أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا، وهو مستوى يتجاوز بشكل واضح متوسط الصادرات اليومية المعتاد لإيران.
اقرأ أيضًا: لماذا بقي الملف النووي الإيراني بلا تسوية؟
أهمية النفط للاقتصاد الإيراني
يمثل النفط المصدر الرئيسي للعملات الصعبة للاقتصاد الإيراني، ما يجعل تسريع عمليات التصدير قبل أي اضطراب محتمل وسيلة لتعظيم الإيرادات وتقليل الخسائر في حال تعرض منشآت الإنتاج أو خطوط الإمداد لأي هجمات.
وتتركز غالبية الصادرات في جزيرة خرج، التي تمر شحناتها عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة عالميًا، وغالبًا ما تعتمد الناقلات على أساليب للحد من الرصد في ظل منظومة العقوبات.
وتعزز صور الأقمار الصناعية هذا الاتجاه، إذ أظهرت تضاعف عدد الناقلات جنوب شرق جزيرة خرج من 8 إلى 18 ناقلة بين 15 و20 فبراير، فيما أظهرت صورة بتاريخ 22 فبراير استمرار وجود 9 ناقلات في المنطقة. كما بدت مخزونات الخام في تراجع ملحوظ، حيث انخفض عدد الخزانات الممتلئة من سبعة في 15 فبراير إلى ستة أقل امتلاءً بحلول 20 فبراير.
وبلغت نسبة امتلاء مرافق التخزين نحو 67% خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقارنة بنسبة وصلت إلى 88% في 26 يناير، أي ما يعادل قرابة 30 مليون برميل، وتشير هذه الأرقام إلى تحرك منظم لإخراج أكبر قدر ممكن من النفط إلى البحر قبل أي تطور عسكري.
اقرأ أيضًا: لماذا تعاني إيران من أزمة طاقة رغم مواردها الهائلة؟
الحشد العسكري الأمريكي
على المستوى العسكري، وُصف الحشد العسكري الأمريكي بأنه الأكبر في المنطقة منذ حرب الخليج الثانية عام 2003؛ حيث شهدت الأسابيع الأخيرة وصول قطع بحرية إضافية، وتحركات مكثفة للطائرات العسكرية، وتعزيزات في قواعد إقليمية وأوروبية. وتشير تقارير إلى وصول ناقلات نفط وطائرات نقل عسكرية أمريكية إلى المطارات والموانئ الإسرائيلية، مع توقع وصول حاملة الطائرات “جيرالد فورد” إلى السواحل الإسرائيلية ودخولها ميناء حيفا، في إطار استعراض قوة يهدف إلى تعزيز الردع ورفع سقف الضغط.
في هذا السياق، يرى الدكتور أحمد فارس، خبير العلاقات الدولية، أن المنطقة دخلت مرحلة شديدة الحساسية، حيث لم يعد السؤال يقتصر على احتمالية اندلاع مواجهة، بل بات يتعلق بطبيعة أهدافها وترتيبات اليوم التالي وفق الرؤية الأمريكية، مشيرًا إلى أن المؤشرات الميدانية من تحركات عسكرية وإجلاءات دبلوماسية وتحذيرات لرعايا أجانب تعكس استعدادًا فعليًا لسيناريوهات تصعيدية.
ولفت فارس إلى تحذير السفارة الهندية في طهران لرعاياها بالمغادرة الفورية، وإقدام السفارة الأمريكية في بيروت على إجلاء عدد من موظفيها كإجراء احترازي، إضافة إلى تأجيل زيارة وزير الخارجية الأمريكي إلى إسرائيل، باعتبارها إشارات على رفع مستوى الجاهزية.
في المقابل، أعلن قائد الجيش الإيراني حالة الاستنفار الكامل، مؤكدًا الدفاع عن استقلال البلاد ووحدة أراضيها، فيما نفت الخارجية الإيرانية وجود أي اتفاق مؤقت مع واشنطن، وأكدت أن أي ضربة أمريكية ستُعد عملًا عدائيًا.
المسار الدبلوماسي المتعثر
على المستوى الدبلوماسي، تسير التحركات السياسية بالتوازي مع التصعيد العسكري، فمن المنتظر عقد اجتماع بين مفاوضين أمريكيين وإيرانيين لبحث مقترح جديد بشأن البرنامج النووي، مع تقارير عن تسلّم واشنطن ردًا رسميًا من طهران.
ومن جانبه، أكد الدكتور أحمد عناني، خبير العلاقات الدولية، أنَّ تعدد نقاط الانتشار العسكري الأمريكي يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات لانطلاق أي هجوم محتمل، فقاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن تعد من أبرز المنصات المرشحة، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية وجود أكثر من 60 طائرة حربية، إضافة إلى أكثر من 12 مقاتلة من طراز F-35 مصطفّة على المدرج، بما يعكس جاهزية مرتفعة.
ووفقًا للخبير، يظل خيار الانطلاق من قواعد أوروبية مثل قبرص واليونان وبلغاريا مطروحًا، خاصة في ظل تمركز عدد كبير من الطائرات الأمريكية في أوروبا. غير أن محدودية مدى مقاتلات F-35 وF-16 تستدعي الاعتماد على طائرات التزود بالوقود من طراز KC-135، التي يمكن أن تنطلق من الولايات المتحدة أو بريطانيا إلى قواعد أوروبية مختارة، ثم تلتقي بالمقاتلات في الجو لتزويدها بالوقود، ما يسمح بتنفيذ العمليات والعودة بأمان.
أما الخيار الثالث، فيتمثل في تنفيذ الهجوم من البحر عبر حاملات الطائرات والمدمرات المنتشرة في عرض البحر، وتمتاز هذه القطع البحرية بقدرات هجومية دقيقة وإمكانات تشويش متقدمة قادرة على تعطيل الرادارات الإيرانية وإرباك منظومات القيادة والسيطرة، ما يضعف الدفاعات الجوية ويمهد لضربات أوسع.
ويرى عناني أن تعدد مسارات الانطلاق يعكس استراتيجية أمريكية قائمة على المرونة وتوزيع مصادر الهجوم، بما يمنح واشنطن قدرة أكبر على المناورة ويعقد حسابات الرد الإيراني، في حين قد تلجأ طهران إلى تفعيل أذرعها الإقليمية مثل حزب الله والحوثيين والحشد الشعبي ما قد يوسع نطاق المواجهة ويرفع كلفتها.
قد يهمّك أيضًا: مشروع قرار في الكونغرس لمنع ترامب من ضرب إيران دون تفويض مسبق
