اقتصادات عالمية

    اقتصاد ألمانيا: هل يعود شبح “الرجل المريض” مجدداً

    •آخر تحديث •3 دقائق
    اقتصاد ألمانيا: هل يعود شبح “الرجل المريض” مجدداً

    “أصبحنا أكثر فقرًا”.. لم يجد وزير المالية الألماني حرجًا في الاعتراف بالوضع العسير الذي يمرّ به اقتصاد بلاده. ولعلّ الاقتصاد الألماني لم يشهد أزمةً مماثلة منذ أواخر التسعينات، حين أقرّت حكومة المستشار الأسبق غيرهارد شرودر حزمةً من الإصلاحات للخروج من وهدة الكساد.

    أزمةٌ دفعت وزير المالية إلى الإقرار صراحةً بأن بلاده لم تعد قادرةً على المنافسة، وقد جاء هذا الاعترافٌ بعد أيام قليلة من إعلان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية توقعاتها لنمو ثاني أكبر اقتصادات منطقة اليورو، والتي لم تتجاوز 0.3% للعام الجاري.

    ويواجه الاقتصاد الألماني رياحاً معاكسة بدأت مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، التي أفضت إلى موجة تضخم حادة جرّاء ارتفاع تكاليف الطاقة، يُضاف إلى ذلك التداعيات المتصاعدة للتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

    التحديات الداخلية والهيكلية تضرب اقتصاد ألمانيا

    التحديات الداخلية تبقى الأشدّ وطأةً على الحكومة الألمانية؛ إذ إضافةً إلى التوقعات المتشائمة التي أطلقتها المؤسسات الاقتصادية الدولية، كشفت بيانات مكتب الإحصاءات الاتحادي عن تراجع الصادرات الألمانية في ديسمبر الماضي 2023 بصورة فاقت التوقعات، وذلك بفعل فتور الطلب العالمي.

    كما أسهم صعود قوى منافسة للصناعة الألمانية في تآكل مكانة البلاد على خارطة التنافسية العالمية، فضلاً عن تنامي مخاطر الاعتماد المفرط على السوق الصينية، وتعقيدات مسار التحول الطاقي، وانكماش قطاع التصنيع، والضغوط المتزايدة الناجمة عن التحولات الديموغرافية.

    وعلى صعيد آخر، تواجه حكومة أولاف شولتز موجةً من الاحتجاجات المتواصلة؛ من مزارعين أغلقوا الطرق بجراراتهم، إلى سائقي قطارات عطّلوا حركة النقل بإضراباتهم لأيام متتالية.

    ألمانيا رجل أوروبا مريض

    مع تجدّد شبح “الرجل المريض” فوق أكبر اقتصادات أوروبا، تتصاعد شعبية تيارات اليمين المتطرف، وفي مقدمتها حزب البديل من أجل ألمانيا، وتعلو أصواتٌ تنادي بانسحاب ألمانيا من الاتحاد الأوروبي فيما بات يُعرف بـ”ديكسيت”، على غرار “بريكسيت” البريطاني.

    وقد وصف بعض المسؤولين هذه المطالب بأنها كارثية لِما تنطوي عليه من خسائر فادحة لبرلين والاتحاد الأوروبي على حدٍّ سواء، في حين رأى فيها آخرون السبيلَ الأمثل لاستعادة الأمجاد الاقتصادية.

    وفي غياب إجابة قاطعة عن حجم الخسائر التي قد يتكبّدها الاتحاد الأوروبي إذا أقدمت برلين على مغادرة الكتلة -إذ يتوقف ذلك على جملة من العوامل المتشعّبة كشروط الخروج، وتداعياته على التجارة والاستثمار والهجرة والاستقرار السياسي- سعى عددٌ من الخبراء إلى تقدير العواقب الاقتصادية المحتملة لهذا السيناريو الافتراضي.

    اقرأ أيضًا: تهاوي أسعار المنازل في ألمانيا بأكبر وتيرة في 23 عامًا

    مخاطر الخروج من الاتحاد الأوروبي

    وفقاً لدراسة أعدّتها مؤسسة بيرتلسمان البحثية، فإن الخروج من الاتحاد الأوروبي سيُفضي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد بنسبة 0.3%، وللناتج المحلي الألماني بنسبة 0.5% بحلول عام 2030، مقارنةً بسيناريو بقاء ألمانيا في الكتلة.

    كما خلصت الدراسة إلى أن “ديكسيت” سيُقلّص صادرات الاتحاد الأوروبي بنسبة 1.7% وصادرات ألمانيا بنسبة 3.2%، وسيُخفّض عدد سكان الاتحاد بنسبة 1.4% وعدد سكان ألمانيا بنسبة 3.9%، وقد افترضت الدراسة أن ألمانيا ستنسحب من الاتحاد والسوق الموحّدة معاً، مما يعني مواجهتها حواجز تجارية أعلى وحركةً مقيّدة للعمالة مع شركائها الأوروبيين.

    أما مركز الإصلاح الأوروبي، وهو مؤسسة بحثية بريطانية، فيُقدّر في دراسة مستقلة أن “ديكسيت” سيُكلّف الاتحاد الأوروبي ما يعادل 0.9% من ناتجه المحلي الإجمالي، وألمانيا 1.9% من ناتجها بحلول عام 2030. وتتوقع الدراسة ذاتها أن ينعكس ذلك سلباً على الصادرات، بتراجع صادرات الاتحاد 2.3% وصادرات ألمانيا 4.7%، إلى جانب انخفاض عدد سكان الاتحاد بنسبة 0.8% وعدد سكان ألمانيا بنسبة 2.5%.

    وقد هذه بنت الدراسة توقعاتها على فرضية أن ألمانيا ستغادر الاتحاد مع الإبقاء على عضويتها في السوق الموحّدة، غير أنها ستواجه حواجز غير جمركية أعلى ونفوذاً سياسياً أضعف في مفاوضاتها مع الاتحاد.