تتجه ألمانيا إلى تحول كبير في سياستها المالية خلال عام 2027، مع طرح الحكومة مشروع موازنة جديد يتضمن زيادة واسعة في الإنفاق العسكري، مقابل خفض الإنفاق في قطاعات أخرى، في وقت تواصل فيه الديون العامة الارتفاع بوتيرة سريعة.
وأظهرت "ساعة الدين" في الحي الحكومي بالعاصمة برلين، والتي نصبها اتحاد دافعي الضرائب الألمان للتنبيه إلى تصاعد الدين العام، أن إجمالي الدين الألماني بلغ نحو 2.78 تريليون يورو، بما يعادل 3.18 تريليون دولار، في 6 يوليو الجاري.
وبحسب مشروع الموازنة الذي أعلنه وزير المالية الألماني لارس كلينجبايل، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، من المتوقع أن يصل إجمالي الإنفاق في عام 2027 إلى نحو 555.4 مليار يورو، بينها 109.7 مليار يورو مخصصة للإنفاق الدفاعي، بزيادة تقارب الثلث مقارنة بعام 2026.
ونظرًا لتجاوز النفقات حجم الإيرادات الضريبية، تعتزم الحكومة الألمانية اللجوء إلى اقتراض جديد يقترب من 119 مليار يورو، إلى جانب إنفاق إضافي عبر صناديق خاصة ممولة بالدين، ما يرفع إجمالي الدين الجديد المتوقع في 2027 إلى نحو 203 مليارات يورو.
البنية التحتية والتحول العسكري في ألمانيا
وتعتمد الحكومة الألمانية على صندوق خاص للبنية التحتية والتحول المناخي بقيمة 500 مليار يورو، موزع على 12 عامًا، لتمويل إصلاح الطرق والجسور وشبكات السكك الحديدية المتدهورة، إلى جانب دعم هدف ألمانيا للوصول إلى الحياد الكربوني.
كما خصصت الحكومة صندوقًا إضافيًا لدعم الجيش الألماني "البوندسفير"، في إطار خطة لرفع الإنفاق الدفاعي تدريجيًا إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، وصولًا إلى الهدف الجديد لحلف شمال الأطلسي "الناتو" البالغ 5% بحلول عام 2035.
وبرر وزير المالية الألماني هذا التوسع في الإنفاق العسكري بالحرب الروسية في أوكرانيا، مؤكدًا أن التهديدات الروسية تمثل أكبر خطر على السلام في أوروبا منذ فترة طويلة، وأن ألمانيا لا تستطيع تعويض عقود من تقليص الإنفاق الدفاعي من دون اللجوء إلى ديون جديدة.
هل تنجح برلين في تخطي معضلة "كبح الديون"؟
ورغم أن الدستور الألماني يفرض ما يعرف بـ"كبح الديون"، والذي يحد من الاقتراض الإضافي عند 0.35% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن الإنفاق الدفاعي والأمني بات مستثنى إلى حد كبير من هذه القاعدة، كما تسمح فترات التباطؤ الاقتصادي بهوامش اقتراض أوسع.
وتؤكد الحكومة أن ألمانيا لا تزال قادرة على تحمل مستويات الدين الجديدة، باعتبارها أكبر اقتصاد في أوروبا وثالث أكبر اقتصاد عالميًا، مشيرة إلى أن نسبة الدين المتوقعة في 2027 ستبلغ 69.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أعلى من سقف منطقة اليورو البالغ 60%، لكنها تظل أقل من متوسط دول المجموعة.
وتأتي هذه التحولات في ظل تباطؤ اقتصادي حاد تعانيه ألمانيا، إذ فشلت الحكومة التي تولت السلطة في مايو 2025، والمكونة من التحالف المحافظ والحزب الاشتراكي الديمقراطي، في إعادة تنشيط الاقتصاد كما وعدت عند تشكيلها.
وقال كلينجبايل إن الحرب التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران خفضت التعافي الاقتصادي الذي كانت ألمانيا تتوقعه هذا العام إلى النصف، مؤكدًا أن هذه الحرب تكلف برلين أموالًا إضافية.
اقرأ أيضًا: قمة الناتو في أنقرة.. بين وحدة الحلف وضغوط ترامب
كيف ستمول الحكومة الألمانية عجز الموازنة؟
وتسعى الحكومة إلى توفير مصادر إيرادات جديدة من خلال فرض ضريبة على البلاستيك والسكر، وزيادة الضرائب على التبغ والكحول، إلى جانب دراسة فرض ضريبة على فاحشي الثراء، إلا أن هذه الإيرادات لن تكون كافية لسد فجوات التمويل المتزايدة.
ومن المتوقع أن تطال إجراءات الخفض معظم الوزارات، باستثناء وزارة الدفاع، حيث طلبت وزارة المالية خفضًا بنسبة 1% من موازنات الوزارات في 2027، على أن يرتفع الخفض إلى 3% في عام 2028.
وتعتزم وزارة المالية أيضا السحب من صندوق المناخ والتحول، الممول من عائدات نظام تداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي، وهو ما أثار اعتراضات من منظمات بيئية وحزب الخضر، الذين حذروا من استخدام أموال المناخ لسد فجوات الموازنة.
كما ستتأثر صناديق الضمان الاجتماعي، خاصة التقاعد والتأمين الصحي، بسبب تقليص الدعم الفيدرالي المقدم لها، رغم أنها تعاني بالفعل من ضغوط مالية مزمنة وتحتاج سنويًا إلى مليارات اليوروهات من الدعم الحكومي.
نقابات العمال ومنظمات المجتمع المدني تهاجم الموازنة
وانتقد اتحاد نقابات العمال الألماني هذه السياسة، معتبرًا أنها تمثل اختلالًا كبيرًا، إذ يجري تقليص الإنفاق الاجتماعي في الوقت الذي ترتفع فيه مخصصات الدفاع بصورة حادة.
ومن بين القطاعات التي ستتأثر بالخفض أيضًا مساعدات التنمية، إذ من المقرر تقليص موازنتها في 2027 بنحو 500 مليون يورو، لتصل إلى 9.5 مليار يورو، رغم تأكيد الحكومة أن ألمانيا ستظل شريكًا دوليًا موثوقًا وأكبر مانح بعد تراجع الولايات المتحدة عن تمويل التنمية الدولية.
وفي هذا السياق، دعت منظمة "أنقذوا الأطفال" البرلمان الألماني إلى تعديل مشروع الموازنة خلال مناقشاته المقبلة، وزيادة مخصصات المساعدات الإنسانية والتعاون الإنمائي بما يتناسب مع الاحتياجات الفعلية.
ومن المقرر أن يبدأ البرلمان الألماني مناقشة مشروع موازنة 2027 بعد العطلة الصيفية في سبتمبر المقبل، وسط جدل واسع حول أولويات الإنفاق بين الدفاع، والبنية التحتية، والمناخ، والرعاية الاجتماعية.
قد يهمّك أيضًا: البيروقراطية تُكلّف الاقتصاد الألماني 67 مليار يورو وتهدد تنافسيته
