كشف مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية عن انخفاض أسعار الذهب وتراجع سعر الأوقية في البورصة العالمية بنسبة 2.5%، في ظل ضغوط ناجمة عن قوة الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد سندات الخزانة، ما عزز عمليات جني الأرباح في الأسواق العالمية.
وقال الدكتور وليد فاروق، خبير أسواق الذهب، إن الأوقية العالمية فقدت نحو 103 دولارات خلال الأسبوع، بعدما افتتحت التداولات عند مستوى 4120 دولارًا، قبل أن تغلق عند 4017 دولارًا، لتسجل أكبر خسارة أسبوعية منذ أوائل يونيو.
وأوضح فاروق أن الذهب تعرض لضغوط قوية خلال تعاملات الأسبوع الماضي، مع استمرار ارتفاع الدولار الأمريكي وعوائد سندات الخزانة، بالتزامن مع تنامي المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.
وأضاف أن هذه التطورات عززت توقعات الأسواق باحتمال استمرار السياسة النقدية الأمريكية المتشددة لفترة أطول، وهو ما ضغط على الذهب باعتباره أصلا لا يدر عائدًا، في مقابل زيادة جاذبية الدولار والسندات الأمريكية.
وأشار إلى أن ارتفاع عوائد السندات يزيد من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، بينما يؤدي صعود الدولار إلى زيادة تكلفة شراء المعدن الأصفر بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى، ما يحد من الطلب العالمي عليه.
وأكد أن الأسواق تترقب خلال الفترة المقبلة صدور عدد من البيانات الاقتصادية الأمريكية، وفي مقدمتها مؤشرات التضخم وبيانات سوق العمل، باعتبارها من أبرز العوامل المؤثرة في توجهات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ومن ثم في حركة أسعار الذهب عالميًا.
المؤسسات العالمية: التراجع تصحيح وليس تحولًا في الاتجاه
وتشير تقديرات عدد من المؤسسات المالية العالمية إلى أن التراجع الأخير في أسعار الذهب قد يندرج ضمن حركة تصحيحية طبيعية، بعد الارتفاعات القياسية التي سجلها المعدن الأصفر خلال الفترة الماضية.
ومع ذلك، لا يزال التباين قائمًا بشأن اتجاه أسعار الذهب خلال النصف الثاني من العام، في ظل استمرار حالة عدم اليقين المتعلقة بمسار أسعار الفائدة الأمريكية، والتضخم، وأداء الدولار، والتوترات الاقتصادية والجيوسياسية.
ويرى مجلس الذهب العالمي أن مشتريات البنوك المركزية وحالة عدم اليقين الاقتصادي لا تزالان من أبرز عوامل الدعم الرئيسة لأسعار الذهب على المديين المتوسط والطويل.
كما لا تزال بنوك استثمارية كبرى، من بينها «HSBC» و«BMO» و«ING» و«دويتشه بنك»، تتوقع تعافي الذهب تدريجيًا خلال المدى المتوسط، رغم اختلاف تقديراتها بشأن سرعة هذا التعافي وحجمه، في ظل الضبابية المحيطة بتوجهات السياسة النقدية الأمريكية.
توصيات بالشراء على مراحل
وبالنسبة للأفراد، أوصى مرصد الذهب الراغبين في شراء المعدن الأصفر بغرض الادخار بعدم اتخاذ قراراتهم الاستثمارية استنادًا إلى تحركات الأسعار اليومية أو الأسبوعية فقط، موضحًا أن السوق تمر حاليًا بمرحلة من التقلبات الطبيعية.
ويرى المرصد أن تقسيم عملية الشراء على عدة مراحل يظل الخيار الأنسب في ظل التذبذب الحالي، بما يساعد المدخر على تقليل مخاطر شراء كامل الكمية عند مستوى سعري واحد.
كما نصح المرصد بعدم التسرع في بيع الذهب بسبب التراجعات قصيرة الأجل، طالما كان الهدف الأساسي من الشراء هو الادخار طويل الأجل وحفظ قيمة الأموال، وليس المضاربة على التحركات اليومية للأسعار.
وأكد أهمية شراء الذهب من مصادر موثوقة، والحصول على فاتورة ضريبية توضح تفاصيل عملية الشراء، والتأكد من وجود الدمغة الرسمية على المشغولات أو السبائك، إلى جانب مقارنة قيمة المصنعية لدى أكثر من تاجر قبل اتخاذ قرار الشراء.
اقرأ أيضًا: ما العلاقة بين الذهب والدولار؟ وأيهما أفضل للاستثمار؟
هل تشكل محطة 3800 دولار أرضية لارتداد الذهب؟
ومن جانبها توقعت حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية، أن تتعرض أسعار الذهب لمزيد من الضغوط خلال المدى القريب، في ظل استمرار توقعات الأسواق بشأن تشدد السياسة النقدية الأمريكية واحتمالات بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، مشيرة إلى أن المعدن الأصفر قد يتراجع بنحو 200 دولار ليختبر مستوى 3800 دولار للأوقية.
وأوضحت أن مستوى 3800 دولار قد يمثل منطقة دعم رئيسة أو أرضية سعرية للذهب خلال الفترة المقبلة، بما قد يحد من استمرار التراجع ويمهد لعودة المعدن الأصفر إلى الصعود مرة أخرى، خاصة في ظل استمرار وجود عوامل داعمة للطلب.
وأشارت إلى أن الذهب لا يزال يحظى بدعم من السوق الفورية، إلى جانب استمرار الطلب من جانب البنوك المركزية، وهو ما يوفر للمعدن الأصفر قاعدة دعم قوية رغم الضغوط المرتبطة بتوقعات أسعار الفائدة وتحركات الأسواق المالية.
وأضافت أن الضغوط الحالية على أسعار الذهب ترتبط بدرجة أساسية بتوقعات المستثمرين بشأن اتجاه السياسة النقدية، إذ تؤدي توقعات رفع أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها مرتفعة لفترة أطول إلى زيادة جاذبية الدولار وأدوات الدخل الثابت، ما يفرض ضغوطًا على الذهب الذي لا يدر عائدًا.
ورغم ذلك، رجحت المحللة أن تبدأ البيانات الاقتصادية المقبلة في تقديم دعم جديد لأسعار الذهب، خاصة إذا أظهرت مؤشرات التضخم تباطؤا يسمح بعودة التوقعات بشأن خفض أسعار الفائدة خلال الفترة القادمة.
وأوضحت أن بيانات التضخم المنتظرة خلال الأسبوع قد تدعم احتمالات التحول نحو سياسة نقدية أقل تشددًا، بما يعزز توقعات خفض الفائدة ويمنح الذهب فرصة لاستعادة زخمه الصعودي بعد الانتهاء من موجة التصحيح المحتملة.
كما أشارت إلى أن بيانات سوق العمل تدعم الاتجاه نفسه، موضحة أن المؤشرات المرتبطة بالتوظيف تُظهر، من وجهة نظرها، أن الأسواق تبالغ في تسعير احتمالات استمرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في اتباع سياسة نقدية شديدة التشدد.
وأكدت أن ضعف بيانات الوظائف أو ظهور إشارات على تباطؤ سوق العمل قد يقلل قدرة الاحتياطي الفيدرالي على مواصلة التشدد النقدي، ويعيد إلى الأسواق الرهانات على خفض أسعار الفائدة، وهو ما يصب عادة في مصلحة أسعار الذهب.
وبحسب الخبير، فإن السيناريو الأقرب يتمثل في استمرار الضغوط على الذهب خلال المدى القصير، مع احتمال اختبار مستوى الدعم البالغ 3800 دولار، قبل أن تبدأ البيانات الاقتصادية، وفي مقدمتها التضخم والوظائف، في دعم المعدن الأصفر وإعادة تنشيط الاتجاه الصعودي.
وشددت على أن التراجع المحتمل لا يعني انتهاء الاتجاه الداعم للذهب، في ظل استمرار مشتريات البنوك المركزية وقوة الطلب في السوق الفورية، إلى جانب احتمالات تحول السياسة النقدية نحو خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
