تقارير الطاقة

    أسعار النفط بين خفض أوبك+ وطفرة الإنتاج الأمريكي

    •آخر تحديث •4 دقائق
    أسعار النفط بين خفض أوبك+ وطفرة الإنتاج الأمريكي

    تعيش أسواق الطاقة حالة استثنائية من الغموض، حيث تتأرجح الأسعار صعودًا وهبوطًا، وإن كانت لا تزال تتماسك فوق مستوى الثمانين دولارًا للبرميل، غير أن التوترات الجيوسياسية والضبابية الاقتصادية تبقى المحرك الأساسي لهذه التقلبات الحادة التي تعيشها أسواق الخامات.

    ومنذ الربع الثالث من عام 2023، أمضت غالبية دول الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الغربية عقوبات على روسيا، قضت بوقف استيراد نفطها ومشتقاته ردًا على الحرب في أوكرانيا، وكان الطلب العالمي على النفط الخام الروسي قبيل اندلاع تلك الحرب يبلغ في المتوسط خمسة ملايين برميل يوميًا، يُضاف إليها نحو أربعة ملايين برميل من المشتقات. وقد راهن المنتجون حينها على أن هذه العقوبات ستُحوّل الطلب نحو النفط غير الروسي، فيما يظل تأثيرها محصورًا في الخام الروسي وحده.

    في سياق السعي إلى دعم الأسعار، أعلن تحالف أوبك+ في مطلع نوفمبر 2022 عن خفض جماعي في الإنتاج بمقدار 3.6 ملايين برميل يوميًا، يمتد حتى ديسمبر 2024، فتقليص المعروض يعني ارتفاع الأسعار، لكن السوق لم تستجب بالشكل المأمول. ومنذ يوليو 2023، انضمت السعودية وروسيا بقيادة مشتركة إلى خفض طوعي إضافي بلغ 2.2 مليون برميل يوميًا، فوق الخفض الإلزامي القائم، دون أن تُسجّل الأسعار صعودًا يُذكر.

    البحر الأحمر.. توتر بلا أثر يُذكر في الأسعار

    منذ نوفمبر 2023، دخلت جماعة الحوثي على خط الأزمة، مُعلنةً استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، في إطار ما وصفته بالتضامن مع قطاع غزة الذي يواجه حربًا إسرائيلية مدمرة بدعم أمريكي.

    وسرعان ما اتسعت دائرة الاستهداف لتطال السفن الأمريكية والبريطانية أيضًا، ورغم أن البحر الأحمر يستوعب نحو 10% من إمدادات النفط والمشتقات المنقولة بحرًا على مستوى العالم، فإن هذه الاضطرابات لم تُفضِ إلى ارتفاع ملموس في الأسعار، إذ لم تتجاوز الزيادة بضعة سنتات وفق البيانات التاريخية.

    اقرأ أيضًا: الحرب الكبرى تضع أسعار النفط أمام رالي ارتفاعات جديد

    عوامل تكبح صعود النفط

    رغم كل ما يحيط بأسواق الطاقة من توترات، ثمة عوامل عدة تُضغط على الأسعار وتحول دون انطلاقها صعودًا:

    • روسيا تتجاوز العقوبات

    لم تُفضِ العقوبات الغربية إلى تقليص الإنتاج الروسي أو صادراته بالقدر المأمول؛ إذ أعلنت موسكو في مناسبات متعددة أنها أبرمت اتفاقيات توريد مع الصين والهند، أكبر وثالث أكبر مستوردَين للنفط في العالم. وإن كان الإنتاج الروسي قد تراجع من نحو 10.5 ملايين برميل يوميًا إلى ما يقارب 9 ملايين برميل في ظل الخفض الإلزامي والطوعي، فإن تحويل مسار الصادرات نحو آسيا خفّف كثيرًا من وطأة هذه العقوبات.

    • تباطؤ الاقتصاد الصيني

    في مطلع فبراير الماضي توقع صندوق النقد الدولي استمرار تباطؤ النمو الصيني في السنوات المقبلة، وكان الاقتصاد الصيني قد سجّل نموًا رسميًا بلغ 5.2% العام الماضي، في إحدى أدنى معدلاته خلال نحو 25 عامًا، وسط تداعيات أزمة ديون القطاع العقاري، وضعف الطلب العالمي، والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة. وتكتسب هذه المعطيات أهمية بالغة في سياق أسواق النفط، كون الصين ثاني أكبر مستهلك للخام عالميًا بعد الولايات المتحدة، بمتوسط استهلاك يومي يبلغ 14 مليون برميل.

    • الإنتاج الأميركي يكسر الأرقام القياسية

    على الجانب الآخر من المعادلة، بلغ إنتاج النفط الأمريكي مستوى قياسيًا جديدًا عند 13.3 مليون برميل يوميًا في ديسمبر الماضي، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بزيادة قدرها 1.3 مليون برميل يوميًا مقارنة بأرقام 2022، فعوّض جزءًا معتبرًا من خفض أوبك+، مما أسهم في تقييد الأثر السعري للتحالف.

    أوبك+ تمدد الخفض… والالتزام يتفاوت

    سبقت توقعات ستاندرد آند بورز غلوبال الواقعَ بخطوة؛ إذ رجّحت المؤسسة أن يمضي أعضاء أوبك+ في تمديد تخفيضات الإنتاج حتى نهاية 2024، في مسعى لتحقيق الاستقرار في سوق الخام ومواجهة الضغوط الناجمة عن ارتفاع الإنتاج خارج التحالف. وفي الثالث من مارس 2024، جاء القرار مطابقًا للتوقعات، حين أعلن التحالف تمديد تخفيضاته الطوعية حتى نهاية يونيو، مراهنًا على تعافي الطلب في الربع الثالث. وتتولى السعودية، بحسب بلومبرغ، تنفيذ نصف الخفض المتعهد به البالغ نحو مليوني برميل يوميًا.

    بيد أن الصورة الداخلية للتحالف تكشف عن تفاوت في مستوى الالتزام؛ فبينما يسير معظم الأعضاء على المسار المرسوم، يواصل العراق وكازاخستان ضخ كميات تتجاوز حصصهما المقررة. وقد رصد مسح بلاتس الصادر عن ستاندرد آند بورز غلوبال أن إنتاج التحالف في فبراير تجاوز الحصص المجمعة بنحو 175 ألف برميل يوميًا، وإن بقي معدل الامتثال العام عند 97.8%.

    وعلى مستوى الأرقام الكلية، ضخّ التحالف المؤلف من 22 دولة نحو 41.21 مليون برميل يوميًا خلال الشهر ذاته، منها 26.58 مليون برميل من أعضاء أوبك الاثني عشر، و14.63 مليون برميل من الشركاء العشرة بقيادة روسيا، أما العراق فقد أنتج 4.27 مليون برميل يوميًا مقابل حصته البالغة 4 ملايين، فيما تجاوزت كازاخستان حصتها المقدرة بـ1.468 مليون برميل لتبلغ 1.56 مليون برميل يوميًا.

    اقرأ أيضًا: وكالة الطاقة تخالف الجميع وتراهن على تراجع الطلب على النفط