واصلت أسهم شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى في وول ستريت تراجعها للأسبوع الثالث على التوالي، في ظل تصاعد المخاوف من رفع جديد لأسعار الفائدة، بالتزامن مع عمليات جني أرباح طالت أسهماً في القطاع كانت قد بلغت مستويات تقييم مرتفعة خلال فترة زمنية قصيرة.
وسجّل قطاع التكنولوجيا أطول سلسلة خسائر له منذ بداية العام، بعد ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوياتها منذ أكتوبر 2022، ما زاد الضغوط على أسهم النمو بفعل تأثير توقعات تشديد السياسة النقدية عالمياً على شهية المخاطرة لدى المستثمرين.
كيف تأثرت المؤشرات الرئيسة بضغوط البيع؟
شهدت الأسواق محاولات ارتداد محدودة في الدقائق الأخيرة من جلسة التداول، مدفوعة بتحركات فنية ارتبطت بانتهاء صلاحية كميات كبيرة من عقود الخيارات يوم الجمعة، 18 أغسطس 2023، غير أن هذه التحركات لم تكن كافية لتغيير الاتجاه العام، إذ أنهى كل من مؤشر ستاندرد آند بورز 500 ومؤشر داو جونز الصناعي الجلسة دون تغيّر يُذكر.
في المقابل، تراجع مؤشر ناسداك 100 بنسبة 0.2%، بينما تكبّد مؤشر MSCI للأسهم العالمية أكبر خسارة أسبوعية له منذ انهيار مصرف سيليكون فالي بنك في مارس الماضي.
شبح التضخم يطارد المستثمرين
رغم تراجع المخاوف من ركود اقتصادي وشيك، يواجه المستثمرون تحدياً مختلفاً يتمثل في استمرار الضغوط التضخمية، وما يرافقها من احتمالات لمزيد من تشديد السياسة النقدية. وقد انعكس ذلك سلباً على الأصول عالية المخاطر، إذ تراجعت عملة بتكوين بنسبة وصلت إلى 8%، فيما سجّل النفط أول خسارة أسبوعية له منذ يونيو.
وقال ديفيد دونابديان، رئيس شؤون الاستثمار في شركة CIBC Private Wealth بالولايات المتحدة، إن المستثمرين يشعرون بالقلق من أن استمرار ارتفاع عوائد السندات، إلى جانب قوة الاقتصاد الأمريكي بوتيرة تفوق المستويات المريحة، قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى مزيد من رفع أسعار الفائدة. وأضاف أن ارتفاع العوائد إلى مستويات جاذبة يفرض منافسة مباشرة على سوق الأسهم، حيث باتت السندات تُنظر إليها كخيار أقل مخاطرة في الوقت الراهن.
وفي هذا السياق، عادت أسواق السندات إلى الارتفاع يوم الجمعة وسط تكهنات بأن موجة الخسائر الأخيرة ربما كانت مبالغاً فيها؛ ففي سوق الخزانة الأمريكية تراجع العائد على السندات لأجل 10 سنوات عن مستوياته المرتفعة المسجلة يوم الخميس، والتي كانت تقترب من أعلى مستوى منذ عام 2007. كما ارتفعت السندات البريطانية والألمانية.
هل أصبحت السندات الملاذ الآمن مقابل مخاطر الأسهم؟
حالة من الترقب تسود في الأسواق قبيل الاجتماع السنوي لصنّاع السياسة النقدية في جاكسون هول بولاية وايومينغ الأسبوع المقبل، بحسب أندرو هانتر، نائب كبير الاقتصاديين المعنيين بالاقتصاد الأمريكي في كابيتال إيكونوميكس.
وأشار هانتر إلى أن التوقعات بشأن إعادة تسارع الاقتصاد قد تعززت، إلا أن شحّ الأدلة على أن النمو الأقوى سيؤدي إلى إعادة إشعال الضغوط التضخمية يعني، في تقديره، أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول ليس مضطراً للعودة إلى لهجته المتشددة التي سادت العام الماضي.
وفي مؤشر إضافي على التوتر في الأسواق، ارتفع مؤشر التقلب Cboe ليتجاوز مستوى 18 نقطة خلال الجلسة، مسجلاً أعلى قراءة له منذ مايو. في هذا السياق، حذّر مايكل هارتنت من بنك أوف أمريكا من احتمال تراجع الأسهم بنسبة إضافية تبلغ 4%، في ظل الاضطرابات الاقتصادية في الصين والارتفاع الحاد في عوائد السندات.
ويرجّح أن يكون انتهاء صلاحية عقود الخيارات وراء جانب من التقلبات الحادة التي شهدتها الأسواق يوم الجمعة، إذ بلغت قيمة العقود الطويلة الأجل المرتبطة بالأسهم والمؤشرات التي استحقت التسوية نحو 2.2 تريليون دولار، وفقاً لتقديرات روكي فيشمان، مؤسس شركة Asym 500 المتخصصة في تحليل المشتقات.
تجنّب الركود… ليس محل إجماع
لا يتشارك جميع المستثمرين في وول ستريت التفاؤل بإمكانية تجنّب الركود الاقتصادي؛ فقد جدّد جيريمي غرانثام، المؤسس المشارك لشركة غرانثام مايو فان أوترلو الاستثمارية ومقرها بوسطن، توقعاته بدخول الاقتصاد في ركود.
ورغم إقراره بأهمية الذكاء الاصطناعي، الذي أسهم صعود الأسهم المرتبطة به في تأجيل سيناريوهات انهيار السوق التي كان يتوقعها سابقاً، أشار غرانثام إلى أن ذلك قد لا يكون كافياً لتفادي الركود، قائلاً إن “الأوان ربما قد فات”.
ومن المقرر أن تعلن شركة إنفيديا، التي تُعد رمزاً لطفرة أسهم الذكاء الاصطناعي، عن نتائجها المالية يوم الأربعاء.
من جهته، كتب إيمانويل كاو، الخبير الاستراتيجي في باركليز، أن الأسواق تواجه “عاصفة مكتملة العناصر”، في ظل ارتفاع أسعار الفائدة، وتدهور البيانات الاقتصادية في الصين، وضعف السيولة خلال فصل الصيف.
وفي الأسواق الأخرى، جرى تداول عملة بتكوين قرب مستوى 26 ألف دولار، في وقت أفادت فيه وول ستريت جورنال بأن شركة سبيس إكس التابعة لإيلون ماسك باعت ما تملكه من العملة المشفرة بعد شطب 373 مليون دولار من قيمتها.
اقرأ أيضًا: لماذا تصدر الشركات السندات؟
