ارتفعت أسعار دقيق القمح في موريتانيا بما يصل إلى 25% على أساس سنوي في بعض الأسواق خلال أغسطس 2026، رغم أن صور الأقمار الصناعية أظهرت ظروفاً نباتية متوسطة أو أفضل في معظم مناطق الإنتاج، ويعود جزء أساسي من التفسير إلى اختلاف السلعة نفسها، فالتحسن المتوقع يرتبط بالأرز والحبوب الخشنة المحلية، بينما دقيق القمح الذي تشتريه الأسر هو سلعة مستوردة ترتبط كلفتها بسلسلة توريد مختلفة.
وبحسب موجز منظمة الأغذية والزراعة "فاو" الصادر في 28 أكتوبر، استقرت أسعار التجزئة لدقيق القمح المستورد أو ارتفعت بما يصل إلى 5% بين مايو وأغسطس، وفي أغسطس، كانت الأسعار مماثلة لمستويات العام السابق أو أعلى منها بما يصل إلى 25% في الأسواق التي ترصدها المنظمة.
ولا يمثل هذا الرقم متوسطاً وطنياً، ولا يعني أن جميع الأسواق سجلت ارتفاعاً بالنسبة نفسها، ولكنه يكشف أن تحسن مؤشرات بعض المحاصيل لا ينتقل تلقائياً إلى تكلفة الغذاء الأساسي في المتاجر.
أسعار دقيق القمح في موريتانيا ترتفع حتى 25%
يشير موجز "فاو" إلى أن دقيق القمح المستورد من الأغذية الأساسية الرئيسية في البلاد، وفي المقابل، بقيت أسعار الأرز المستورد مستقرة عموماً بين مايو وأغسطس، وجاءت في أغسطس قريبة من مستواها قبل عام.
وتوضح هذه المقارنة أن الاعتماد على الاستيراد وحده لا يفسر اختلاف مسار أسعار كل السلع الغذائية، فأسعار الدقيق والأرز، تتأثر بشروط التوريد والمخزونات وتكلفة النقل والتوزيع وهيكل السوق الخاص بكل سلعة، بينما لا ينسب موجز "فاو" ارتفاع دقيق القمح إلى سبب منفرد.
لكن الاعتماد الخارجي يجعل سعر الدقيق أكثر عرضة لتغيرات الكلفة خارج المزارع المحلية، ويذكر برنامج الأغذية العالمي أن موريتانيا تعتمد بدرجة كبيرة على الأسواق الدولية للغذاء، ما يعرض توافر السلع وأسعارها لاتجاهات التضخم واختناقات سلاسل الإمداد.

محاصيل الحبوب المحلية لا تعوض استيراد القمح
يتواصل حصاد الحبوب الخشنة لموسم 2026، ومن المتوقع اكتماله في ديسمبر المقبل، بينما يُنتظر حصاد الأرز المروي، الذي يمثل الحصة الأكبر من إجمالي إنتاج الحبوب، خلال نوفمبر وديسمبر، لذلك فإن قراءة أسعار أغسطس سبقت وصول جانب مهم من المحصول المحلي إلى الأسواق.
والأهم أن نمو إنتاج الأرز أو الذرة الرفيعة أو الدخن، لا يزيد معروض دقيق القمح بالقدر نفسه، وتشير صفحة استثمارية تابعة لـ"فاو" إلى أن الإنتاج المحلي يغطي نحو 1% فقط من احتياجات موريتانيا الوطنية من القمح، ومن ثم، قد يساعد محصول محلي جيد في تحسين توافر الحبوب والدخل الريفي وتخفيف الضغط على بعض الأغذية، لكنه لا يحول سريعاً موريتانيا إلى سوق مكتفية من القمح، ويظل سعر الدقيق حساساً لسعر السلعة المستوردة وكلفة وصولها وتحويلها وتوزيعها داخل البلاد.
تحسن الإنتاج لم يكتمل بعد
لا تزال آفاق محصول 2026 إيجابية بوجه عام، لكنها ليست حصيلة نهائية، فقد اتسم موسم الأمطار بتوزيع زمني غير منتظم، وكميات تراوحت بين القريبة من المتوسط ودونه في معظم مناطق الإنتاج، وأدى الجفاف المبكر إلى إعادة الزراعة في بعض المناطق.
وتحسنت الظروف الجوية في أواخر يوليو، غير أن فترات الجفاف في أغسطس وسبتمبر قد تؤدي إلى نقص محلي في الإنتاج، لا سيما في ولاية غورغول، كما سجلت بعض مناطق البراكنة وغورغول والحوض الغربي مراعي دون المتوسط، وهو ما يثير مخاوف بشأن توافر العلف والمياه خلال موسم الجفاف.
لهذا لا يكفي تحسن الغطاء النباتي وحده للحكم على أسعار الغذاء أو قدرة الأسر على الشراء، فالسعر يتحدد أيضاً بما إذا كان المحصول وصل إلى السوق، وبأي سلعة، وبأي تكلفة.
اقرأ أيضاً: هل يواجه العالم خامس أزمة غذائية كبرى ؟
ضغط أكبر على الأمن الغذائي في الحوض الشرقي
قدّرت "فاو" أن أكثر من 500 ألف شخص، يمثلون 9% من السكان المشمولين بالتحليل، واجهوا انعداماً شديداً وحاداً في الأمن الغذائي عند المرحلة الثالثة "الأزمة" أو أعلى خلال موسم الشحوب بين يونيو وأغسطس 2026، بينهم نحو 13,900 شخص في مرحلة الطوارئ.
ويمثل ذلك تحسناً عن الفترة المقابلة من 2025، حين بلغ العدد نحو 590 ألف شخص، أو 12% من السكان المشمولين بالتحليل، وترجع المنظمة هذا التحسن إلى الأثر الإيجابي لمحصول الحبوب فوق المتوسط الذي حُصد في 2025 على توافر الغذاء وإمكان الحصول عليه.
لكن الحوض الشرقي يظل تحت ضغط خاص مع استمرار وصول الفارين من النزاع في مالي، فقد بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء في موريتانيا نحو 305 آلاف شخص بنهاية أغسطس، بينهم نحو 290 ألفاً في الحوض الشرقي، ولا تثبت هذه الأرقام أن اللاجئين هم سبب ارتفاع سعر الدقيق، لكنها توضح اتساع الضغط على الموارد وفرص كسب العيش والخدمات الأساسية.
ويبقى مسار أسعار دقيق القمح في موريتانيا مرتبطاً بقدرة السوق على تأمين الواردات بكلفة مستقرة، بينما يتوقف أثر موسم الحصاد المحلي على حجمه الفعلي ووصوله إلى الأسواق وتوزعه بين المناطق، لذلك يمكن أن تتحسن آفاق الزراعة، في الوقت نفسه الذي تبقى فيه سلعة مستوردة رئيسية مرتفعة الثمن.
