تراجعت أسعار النفط خلال تعاملات اليوم الاثنين، 6 يوليو 2026، مع تصاعد ضغوط المعروض العالمي بعد قرار تحالف "أوبك+" زيادة مستهدفات الإنتاج اعتبارًا من أغسطس المقبل، وذلك بالتزامن مع تحسن حركة الملاحة وصادرات الخام عبر مضيق هرمز، في وقت بدأت فيه الأسواق تسعير مرحلة ما بعد التوترات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة خلال الأسابيع الماضية.
وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 34 سنتًا، أو ما يعادل 0.47%، لتسجل 71.78 دولارًا للبرميل، بعدما أنهت تعاملات الجمعة على ارتفاع بنسبة 0.45%، كما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 20 سنتًا، أو بنسبة 0.29%، ليصل إلى 68.49 دولارًا للبرميل، في حين لم تُسجل تسوية للعقود يوم الجمعة بسبب إغلاق الأسواق الأمريكية قبل عطلة عيد الاستقلال.
أهم العوامل المؤثرة في أسعار النفط
وجاء هذا التراجع في ظل حالة ترقب واسعة داخل أسواق الطاقة، حيث يراقب المستثمرون تطورات العلاقات الأمريكية الإيرانية، ومستقبل الملاحة عبر مضيق هرمز، ووتيرة تعافي صادرات النفط الخليجية، إلى جانب أثر زيادة إمدادات "أوبك+" على توازن العرض والطلب خلال الفترة المقبلة.
واتفق تحالف "أوبك+"، الذي يضم منظمة البلدان المصدرة للبترول وحلفاءها بقيادة روسيا، يوم الأحد، على رفع مستهدفات الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يوميًا اعتبارًا من أغسطس المقبل، وذلك بعد زيادات مماثلة خلال شهري يونيو ويوليو. وجاء القرار متوافقًا مع توقعات الأسواق، إلا أن تأثيره الفعلي لا يزال مرهونًا بقدرة المنتجين على استعادة كامل طاقتهم التصديرية بعد الاضطرابات التي أصابت حركة الشحن في المنطقة.
ورغم أن زيادات الإنتاج المعلنة بقيت في جانب منها على الورق خلال الفترة الماضية، بسبب تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات نفط تابعة لعدد من كبار المنتجين، فإن تحسن حركة الملاحة مؤخرًا أعادت جزءًا مهمًا من الإمدادات إلى السوق، ما عزز توقعات تراجع الأسعار خلال الأشهر المقبلة.
اقرأ أيضًا: مضيق هرمز بعد الاتفاق.. لماذا يستغرق تعافي النفط وقتاً؟
تأثير تحسن تدفق النفط عبر مضيق هرمز
وتشير بيانات حركة العبور في مضيق هرمز إلى أنّ الأيام الأولى من يوليو شهدت قدرًا من الاستقرار، بالتزامن مع المفاوضات التي جرت في الدوحة، بعدما كانت حركة الناقلات قد هبطت من مستويات مرتفعة بلغت نحو 57 حركة عبور في يوم واحد إلى نحو 12 حركة فقط خلال ذروة التوترات. وخلال الأيام الأخيرة استقرت حركة العبور عند قرابة 30 حركة يوميًا، غالبيتها لناقلات النفط والمشتقات.
وفي يوم 2 يوليو، عبرت نحو 33 سفينة مضيق هرمز، منها سفن عبرت المسار الدولي، وأخرى عبرت المسار الإيراني، إلى جانب المسار الجنوبي الذي فتحته سلطنة عمان، وشملت الحركة 4 ناقلات نفط خام تحمل نحو 8 ملايين برميل، و4 ناقلات للمشتقات النفطية، وناقلة للغاز المسال، ما يعكس عودة تدريجية لحركة الشحن بعد فترة من الاضطراب.
كما نقلت السعودية خلال الأيام الماضية 5 ناقلات تحمل نحو 10 ملايين برميل من النفط، فيما رفعت الكويت إنتاجها إلى نحو 1.65 مليون برميل يوميًا، بعد أن كان قد تراجع إلى نحو نصف مليون برميل يوميًا أو أقل خلال مايو الماضي، وهو ما يعكس تحسنًا واضحًا في قدرة المنتجين الخليجيين على العودة للأسواق.
ويمثل تحسن تدفق النفط عبر مضيق هرمز مؤشرًا إيجابيًا لأسواق الطاقة، خصوصًا أن المضيق كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب نحو خُمس إمدادات العالم من النفط، ومع ذلك لا تزال التدفقات الحالية أقل من مستويات ما قبل الحرب، إذ تُقدر بنحو 7 ملايين برميل يوميًا مقابل نحو 15 مليون برميل يوميًا قبل اندلاع الأزمة.
عودة تدريجية للأسواق
وفي هذا السياق، عدلت مؤسسات مالية كبرى توقعاتها لأسعار النفط، وفي مقدمتها مجموعة "سيتي" البنكية الأمريكية، التي رجحت تراجع خام برنت إلى نحو 60 دولارًا للبرميل بنهاية العام الجاري، وهو مستوى يعيد الأسعار إلى نطاقات سجلتها في يناير 2026، وتستند هذه التوقعات إلى انحسار التوترات في مضيق هرمز، وعودة جزء متزايد من الإمدادات، وضعف الطلب الصيني، وزيادة المعروض الروسي في الأسواق.
ويرى ياسين أحمد، خبير أسواق النفط، أن الأسواق بدأت بالفعل تسعير مرحلة ما بعد الحرب، مع تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت قد دفعت الأسعار للصعود خلال ذروة التوتر. وقال أحمد إنّ استمرار المفاوضات في الدوحة، ووجود مسارات آمنة لحركة السفن، ساهم في تهدئة مخاوف المتعاملين من عودة الإغلاق الكامل أو اضطراب الملاحة بصورة حادة في مضيق هرمز.
وفي السياق ذاته، أوضح إن المتعاملين يلتزمون الحذر بعد عطلة نهاية الأسبوع في الولايات المتحدة، انتظارًا لمعرفة ما إذا كانت العلاقات الأمريكية الإيرانية ستتجه خلال الأيام المقبلة نحو التهدئة أم التصعيد.
ارتفاع صادرات النفط الخليجية والروسية
وأكد أن قرار زيادة الإنتاج من جانب "أوبك+" جاء متوافقًا مع توقعات السوق، مضيفًا أن تأثيره الفعلي لا يزال محدودًا في ظل استمرار تعافي الإنتاج تدريجيًا بعد انتهاء الصراع.
وأظهر استطلاع أن إنتاج دول "أوبك" ارتفع في يونيو بمقدار 3.3 ملايين برميل يوميًا مقارنة بالشهر السابق، ليصل إلى 19.43 مليون برميل يوميًا، متعافيًا من أدنى مستوى له منذ أكثر من عقدين.
كما قفزت صادرات النفط الخليجية خلال يونيو بأكثر من ثلاثة ملايين برميل يوميًا مقارنة بمايو، لتتجاوز 10 ملايين برميل يوميًا، لكنها ظلت أقل بنحو 40% من مستوياتها المسجلة قبل اندلاع الحرب.
وفي الوقت نفسه، سجلت شحنات النفط من الموانئ الغربية الروسية مستوى قياسيًا خلال يونيو، ومن المتوقع أن تحافظ على هذا المستوى خلال يوليو، بعدما تعرضت مصافي التكرير الروسية لأضرار جراء هجمات بطائرات مسيرة أوكرانية، ما دفع موسكو إلى زيادة صادراتها من النفط الخام.
ويزيد هذا العامل من وفرة المعروض في الأسواق، خصوصًا مع تراجع قدرة بعض المصافي الروسية على التكرير، واتجاه موسكو إلى تصدير كميات أكبر من الخام.
اقرأ أيضًا: ممرات آمنة.. الخليج يقلص قبضة مضيق هرمز على أسواق الطاقة
هل يعود النفط إلى مستويات ما قبل الحرب؟
العوامل سابقة الذكر كُلها تدعم سيناريو هبوط أسعار النفط إلى مستويات أقل خلال الفترة المقبلة، غير أن الطريق نحو 60 دولارًا للبرميل لا يزال مشروطًا بعدة عوامل، أبرزها استمرار تهدئة التوترات في مضيق هرمز، وعدم حدوث انتكاسة أمنية جديدة، واستمرار ضعف الطلب الصيني، وبقاء المعروض الروسي والخليجي عند مستويات مرتفعة.
في المقابل قد تحد عدة عوامل من هبوط أسعار النفط، في مقدمتها عودة الطلب الصيني بقوة، أو تعثر استعادة كامل الإنتاج في منطقة الخليج، حيث تشير تقديرات إلى أن نحو 80% من الإنتاج قد عاد بالفعل، بينما تظل النسبة المتبقية، البالغة نحو 20%، تحديًا قائمًا أمام الأسواق.
كما تبقى المخاطر الجيوسياسية حاضرة، حتى وإن تراجعت حدتها، لأن أي اضطراب جديد في مضيق هرمز قد يعيد علاوة المخاطر إلى الأسعار سريعًا.
قد يهمّك أيضًا: أسعار الذهب العالمية تسجل أول مكاسب أسبوعية في 5 أسابيع
