تقارير الطاقة

    أسعار النفط بين علاوة مخاطر هرمز وضغوط الطلب

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •9 دقائق
    ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز، الصورة مصممة بالذكاء الاصطناعي.

    شهدت أسعار النفط تحركات صعودية حادة خلال التعاملات الأخيرة، مدفوعة بتجدد العمليات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط وارتفاع مستوى المخاطر المحيطة بحركة الملاحة في مضيق هرمز، بالتزامن مع تزايد المخاوف من اتساع نطاق المواجهات وتأثر تدفقات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.

    وفي المقابل، تواجه الأسعار ضغوطًا تحد من استمرار الصعود بالمعدلات نفسها، في مقدمتها زيادة المعروض، وارتفاع مرونة الطلب، وتراجع واردات بعض الاقتصادات الكبرى، إلى جانب احتدام المنافسة بين المنتجين وتقديم خصومات سعرية للحفاظ على الحصص السوقية وزيادة المبيعات.

    ارتفاعات قوية مع تجدد العمليات العسكرية

    وقال الدكتور سيد قاسم، الخبير الاقتصادي، إن أسعار النفط سجلت ارتفاعات كبيرة خلال جلستين متتاليتين، بلغت وفق توقيت الرصد نحو 12%، ليصل سعر البرميل إلى قرابة 84.5 دولار، وسط استجابة قوية من أسواق الطاقة لتجدد العمليات العسكرية وتصاعد المخاوف المرتبطة بأمن الإمدادات.

    وأوضح قاسم أن هذه الزيادة لا ترتبط بحدوث نقص فعلي واسع في المعروض فقط، وإنما تعكس أيضًا إعادة تسعير الأسواق لاحتمالات استمرار القصف المتبادل واتساع نطاق المواجهات، وما يمكن أن يترتب على ذلك من اضطراب في حركة ناقلات النفط والغاز وارتفاع تكاليف التأمين والشحن.

    وأشار إلى أن الأسعار قد تسجل مزيدًا من الارتفاع خلال الفترة المقبلة إذا استمرت العمليات العسكرية بالمستويات الحالية، أو توسعت لتشمل منشآت طاقة وموانئ وطرقًا بحرية رئيسة، لافتًا إلى أن السوق تتعامل بحساسية شديدة مع أي تطورات مرتبطة بمضيق هرمز.

    وأضاف أن التوترات وصلت إلى مستويات شديدة الخطورة، في ظل استمرار القصف المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يثير مخاوف المتعاملين من تطور المواجهة إلى صراع أكثر اتساعًا، بما قد يهدد انتظام الإمدادات ويرفع علاوة المخاطر المضافة إلى أسعار الخام.

    كما أوضح قاسم أنّ مضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، ولذلك فإن أي توتر أمني داخله أو في محيطه ينعكس على توقعات المتعاملين وشركات الشحن والتأمين، حتى في حال استمرار عبور بعض الناقلات بصورة طبيعية.

    وهو يرى أن ارتفاع الأسعار الأخير يعكس إدراك الأسواق لحجم المخاطر المحيطة بالمضيق، خصوصًا مع تزايد الحديث عن توفير حماية عسكرية للناقلات وفرض رسوم مقابل تأمين عبورها.

    وأوضح أن أي ترتيبات جديدة لحماية ناقلات النفط والغاز ستؤدي إلى زيادة التكلفة الإجمالية للشحن، سواء جاءت في صورة رسوم مباشرة، أو ارتفاع في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، أو زيادة في تكلفة الوقود والانتظار وتغيير المسارات.

    اقرأ أيضًا: مضيق هرمز يشتعل.. النفط يقفز ومخاوف من شلل الملاحة

    ترامب: الحماية مقابل 20% من قيمة الشحنة

    ولفت قاسم إلى إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استعداد الولايات المتحدة لتوفير الحماية لناقلات النفط والغاز العابرة للممرات البحرية المهددة، مقابل رسوم مقترحة تعادل 20% من قيمة كل شحنة.

    وأكد أن هذا المقترح، في حال تطبيقه بهذه النسبة، سيمثل عبئًا ماليًا ضخمًا على الشركات والمستوردين، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن طريقة تنفيذ القرار والجهة التي ستتحمل التكلفة وآلية احتسابها ما تزال عوامل حاسمة في تحديد أثره الحقيقي على سعر النفط.

    وقال إن فرض رسوم تعادل 20% من قيمة الشحنة يمكن، وفق تقديره، أن يرفع التكلفة النهائية لبرميل النفط بما يتراوح بين 15 و25 دولارًا، خاصة إذا أضيفت هذه الرسوم إلى تكاليف التأمين والشحن والمخاطر التشغيلية الأخرى.

    وأوضح أن هذا التقدير لا يمثل زيادة سعرية مؤكدة أو تلقائية، لأن التأثير النهائي سيتوقف على كيفية توزيع الرسوم على قيمة الشحنة، وحجمها، والمسافة التي تقطعها الناقلة، ومدى قدرة الشركات على تمرير التكلفة إلى المشترين.

    وأضاف أن تطبيق الرسوم على نطاق واسع قد يدفع بعض الناقلات إلى تجنب المرور في المناطق المرتفعة الخطورة، أو تأجيل الرحلات، أو طلب أسعار أعلى مقابل تنفيذ عمليات النقل، بما يؤدي إلى مزيد من الضغوط على تكاليف الإمداد.

    وأكد أن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في ارتفاع سعر الخام، وإنما في انتقال الزيادة إلى مشتقات البترول والغاز وتكاليف الكهرباء والنقل والتصنيع، ثم إلى أسعار السلع والخدمات في الأسواق المحلية.

    المستهلك يتحمل الفاتورة النهائية

    أشار الخبير الاقتصادي إلى أن الشركات المنتجة والناقلة وشركات التأمين لن تتحمل وحدها التكاليف الجديدة الناتجة عن التصعيد، لأن معظم عقود الشحن والتوريد تسمح بإضافة رسوم المخاطر والتأمين والوقود إلى التكلفة النهائية.

    وأوضح أن المستوردين والمصنعين سيحاولون بدورهم تمرير هذه الزيادات إلى التجار والمستهلكين، ما يرفع احتمالات حدوث موجة جديدة من التضخم، خاصة في الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على استيراد النفط والغاز أو المواد الخام والسلع المنقولة بحريًا.

    وأكد أن الأثر سيمتد إلى قطاعات واسعة، تشمل النقل البري والجوي والصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، والأسمدة، والبتروكيماويات، والأغذية، والخدمات اللوجستية. وأضاف أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يدفع البنوك المركزية إلى التعامل مع ضغوط تضخمية جديدة، وهو ما يزيد احتمالات تأجيل خفض أسعار الفائدة أو العودة إلى سياسات نقدية أكثر تشددًا في عدد من الاقتصادات.

    اقرأ أيضًا: مقارنة شاملة بين السياسة المالية والسياسة النقدية

    عوامل تحد من استمرار الصعود

    في المقابل، قال ياسين أحمد، خبير أسواق النفط، إن المخاطر الجيوسياسية ليست العامل الوحيد المتحكم في اتجاه أسعار النفط، موضحًا أن زيادة المعروض ومرونة الطلب العالمي تفرضان ضغوطًا معاكسة تحد من قدرة الخام على مواصلة الارتفاع بالمعدلات نفسها.

    وأوضح أحمد أن السوق تتفاعل سريعًا مع الأخبار العسكرية والهجمات وحركة الناقلات، لكنها تعود بعد ذلك إلى تقييم أوضاع الإنتاج والمخزونات والاستهلاك الفعلي، وهو ما يفسر التذبذبات الحادة بين الصعود والهبوط.

    وأضاف أن تطورات الأزمة استمرت لأكثر من ثلاثة أشهر، وتتجه إلى مزيد من التصعيد، دون ظهور مؤشرات واضحة على اقتراب استعادة السلام أو الأمن الكامل في مضيق هرمز.

    وأكد أن استمرار حالة عدم اليقين يدفع الأسعار إلى التحرك بعنف مع كل تطور جديد، إلا أن ضعف الطلب لدى بعض الاقتصادات الكبرى ووجود إمدادات إضافية في السوق قد يمنعان الأسعار من البقاء عند مستويات مرتفعة لفترات طويلة.

    تغيرات هيكلية في سوق النفط

    أشار ياسين أحمد إلى أن الأزمة الحالية لا تترك تأثيرات مؤقتة فقط، وإنما تفرض تغيرات هيكلية على سوق النفط، خاصة في ما يتعلق بسياسات التسعير والمنافسة بين المنتجين وأساليب الحفاظ على العملاء.

    وأوضح أن المنتجين أصبحوا أكثر استعدادًا لتقديم خصومات سعرية من أجل زيادة المبيعات والحفاظ على حصصهم في الأسواق الرئيسة، خصوصًا في آسيا التي تمثل مركز الثقل للطلب العالمي.

    وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات كبيرة لا يضمن زيادة إيرادات المنتجين، لأن الطلب يتسم بمرونة متزايدة، ويبدأ المستوردون في تقليل المشتريات أو تأجيلها أو السحب من المخزونات عندما ترتفع الأسعار بصورة حادة.

    وأشار إلى أن بعض المشترين يتجهون كذلك إلى تنويع مصادر الإمداد، أو زيادة الاعتماد على أنواع خام أقل تكلفة، أو البحث عن بدائل للطاقة، بما يضع سقفًا لقدرة المنتجين على رفع الأسعار.

    وأكد أن المنافسة لم تعد تعتمد فقط على توافر الكميات، بل تشمل أيضًا السعر، وشروط البيع، وتكاليف النقل، وسرعة التسليم، وانتظام الإمدادات، والقدرة على توفير ضمانات للعملاء في أوقات الأزمات.

    اقرأ أيضًا: حرب إيران ترفع كلفة المعيشة على الأسر الأمريكية

    الخصومات وسيلة للحفاظ على الحصص السوقية

    قال أحمد إن المنتجين يلجؤون إلى تخفيض أسعار البيع الرسمية أو تقديم حوافز وخصومات للمشترين بهدف الحفاظ على تدفقات الصادرات، ومنع انتقال العملاء إلى موردين آخرين.

    وأوضح أن هذه الخصومات تظهر بصورة واضحة في السوق الآسيوية، مع ارتفاع حدة المنافسة بين دول الخليج وروسيا والولايات المتحدة ومنتجين آخرين على تلبية احتياجات المصافي.

    وأشار إلى أن خفض الكويت سعر بيع النفط الخام إلى آسيا خلال أغسطس يعكس هذه الضغوط، ويؤكد أن الدول المنتجة تهتم حاليًا بالحفاظ على حجم المبيعات بقدر اهتمامها بمستوى السعر.

    وأضاف أن تقديم خصومات لا يعني بالضرورة ضعف الموقف المالي للمنتجين، لكنه يكشف عن حاجة السوق إلى تسعير أكثر مرونة في ظل تراجع شهية بعض المشترين وارتفاع تكلفة الشحن والتأمين.

    وأكد أن المنتجين قد يضطرون إلى تقديم مزيد من التنازلات السعرية إذا استمرت واردات الاقتصادات الكبرى في التراجع، أو إذا زادت الإمدادات المتاحة من خارج منطقة الخليج.

    تراجع الواردات الصينية يغير موازين السوق

    أوضح ياسين أحمد أن الصين، باعتبارها أحد أكبر محركات الطلب العالمي على النفط، خفضت وارداتها، وهو ما يفرض ضغوطًا كبيرة على المنتجين ويمنح المشترين الصينيين قدرة تفاوضية أكبر.

    وأشار إلى أن أي انخفاض في مشتريات الصين يترك أثرًا مباشرًا على توازنات السوق العالمية، بسبب حجم استهلاكها ودورها في تحديد اتجاه التجارة النفطية والأسعار في آسيا.

    وأضاف أن تراجع الواردات يدفع الدول المنتجة إلى المنافسة عبر الخصومات وشروط الدفع المرنة وخفض أسعار البيع الرسمية، بهدف الحفاظ على العلاقات التجارية مع المصافي الصينية.

    وأكد أن المستثمرين يراقبون مؤشرات النشاط الصناعي والاقتصادي في الصين، وحجم المخزونات ومعدلات تشغيل المصافي، لأنها تحدد جزءًا كبيرًا من توقعات الطلب العالمي خلال الأشهر المقبلة.

    وأوضح أن استمرار ضعف الطلب الصيني يمكن أن يحد من أثر المخاطر الجيوسياسية على الأسعار، ما لم يحدث تعطل فعلي وكبير في إمدادات النفط القادمة من الخليج.

    اقرأ أيضًا: إعلان إيران بإغلاق مضيق هرمز يوسع دائرة التصعيد مع واشنطن

    التصريحات السياسية لا تكفي لطمأنة شركات الشحن

    وفي ما يتعلق بمضيق هرمز، أكد ياسين أحمد أن التصريحات الأمريكية بشأن استمرار فتح المضيق لا تكفي وحدها لإعادة الثقة إلى شركات الملاحة والتأمين. وأوضح أن المعيار الحقيقي يتمثل في قدرة ناقلات النفط والغاز على العبور بصورة منتظمة وآمنة، وتراجع احتمالات الاستهداف أو الاحتجاز، وانخفاض أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب.

    وأضاف أن شركات الشحن تتخذ قراراتها بناء على تقييمات أمنية ومالية دقيقة، ولا تعتمد فقط على التصريحات السياسية أو التعهدات بتوفير الحماية.

    كما أشار إلى أن استمرار ارتفاع تكلفة التأمين يمثل دليلًا على أن الأسواق لم تقتنع حتى الآن بعودة الأمان الكامل إلى المضيق، حتى مع استمرار حركة الملاحة بصورة جزئية.

    وأكد أن أي هجوم جديد على ناقلة، أو إعلان شركة كبرى تعليق عملياتها، يمكن أن يرفع تكاليف الشحن فورًا ويضيف علاوة مخاطر جديدة إلى أسعار النفط.

    ناقلات تؤجل الرحلات وتعيد تقييم المسارات

    قال أحمد إن استمرار المخاطر الأمنية يدفع بعض ناقلات النفط إلى تأجيل الرحلات أو الانتظار خارج المناطق الخطرة أو طلب تعليمات جديدة من الشركات المالكة وشركات التأمين.

    وأوضح أن تغيير المسارات أو تعليق الإبحار يزيد مدة الرحلة ويرفع استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل، كما يؤدي إلى تأخير تسليم الشحنات وتعقيد خطط المصافي والمستوردين.

    وأضاف أن سلامة الممرات البحرية تظل العامل الحاسم في عودة الأسواق إلى طبيعتها، لأن قيمة السفن والشحنات قد تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، وهو ما يجعل الشركات شديدة الحذر في اتخاذ قرار العبور.

    وأكد أن تراجع أعداد الناقلات العابرة أو استمرار ارتفاع التأمين سيبقي علاوة المخاطر حاضرة في الأسعار، حتى لو ظل المعروض العالمي كافيًا لتلبية الطلب.

    اقرأ أيضًا: تصعيد مضيق هرمز يرفع كلفة التأمين والشحن البحري

    سيناريوهات أسعار النفط خلال الفترة المقبلة

    تتحرك أسعار النفط حاليًا بين ثلاثة سيناريوهات رئيسة، يقوم السيناريو الأول منها على استمرار التصعيد دون توقف واسع في الإمدادات، وفي هذه الحالة قد تبقى الأسعار مرتفعة ومتقلبة، مع صعود قوي عند وقوع هجمات وتراجع جزئي عند ظهور مؤشرات على وفرة المعروض أو ضعف الطلب.

    أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تعرض ناقلات أو منشآت أو موانئ رئيسة لأضرار تؤدي إلى انخفاض فعلي في الإمدادات، وهو ما يمكن أن يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بسرعة، خصوصًا إذا ارتفعت أقساط التأمين أو جرى تطبيق رسوم واسعة على الشحنات العابرة.

    ويقوم السيناريو الثالث على احتواء التصعيد وتحسن أمن الملاحة وتراجع تكلفة التأمين، وفي هذه الحالة قد تفقد الأسعار جزءًا كبيرًا من علاوة المخاطر، لتعود عوامل الطلب الصيني وزيادة المعروض والخصومات السعرية إلى صدارة المشهد.

    ووفقًا للخببر، تواجه سوق النفط معادلة معقدة لا تسمح بحسم اتجاه الأسعار اعتمادًا على التطورات العسكرية وحدها؛ فمخاطر مضيق هرمز تدفع الخام إلى الصعود، بينما تحد زيادة المعروض ومرونة الطلب وتراجع بعض الواردات الكبرى من استمرار هذه الزيادات.

    واختتم الخبير تصريحاته، قائلاً :"سيظل اتجاه أسعار النفط خلال الفترة المقبلة مرتبطًا بمدى قدرة الناقلات على العبور بأمان، وتطور المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وتكلفة التأمين والحماية، إلى جانب مستويات الطلب العالمي وسياسات التسعير والخصومات التي يتبعها المنتجون" .

    وبينما تقف شركات النفط والملاحة والتأمين في الصف الأول من الأزمة، يبقى المستهلك الحلقة الأخيرة التي تتحمل نتائجها، سواء عبر زيادة أسعار الوقود أو ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والسلع والخدمات.