شهدت أسعار الذهب في السوق المصرية تراجعًا طفيفًا خلال تعاملات يوم السبت، 18 أكتوبر 2025، وذلك بالتزامن مع العطلة الأسبوعية للبورصات العالمية، في وقت أنهى فيه المعدن الأصفر أسبوعًا استثنائيًا سجَّل خلاله مكاسب قوية بلغت نحو 6% للأوقية، وسط توترات تجارية متصاعدة بين الولايات المتحدة والصين، وموجة من عدم اليقين السياسي والاقتصادي العالمي.
ووفقًا لتقرير صادر عن منصة “آي صاغة” المتخصصة في متابعة أسواق الذهب، فإنَّ التراجع الحالي لا يعكس تغيُّرًا في الاتجاه العام، بل يُعد حركة تصحيحية مؤقتة بعد صعود قوي، خاصة أن الذهب ما زال يتحرك في مسار صاعد منذ بداية عام 2025، مسجلًا زيادة تجاوزت 62% حتى الآن، وهو أفضل أداء سنوي له منذ أزمة ليمان براذرز في عام 2008.
تراجع أسعار الذهب بعد موجة مكاسب تاريخية
قال سعيد إمبابي، خبير أسواق الذهب، إنَّ أسعار الذهب العالمية تراجعت بنحو 200 دولار للأوقية خلال تعاملات الأسبوع الجاري، لتنخفض مؤقتًا دون مستوى 4200 دولار قبل أن تعود مجددًا إلى التداول فوق 4250 دولارًا، بدعم من أجواء التهدئة بين واشنطن وبكين.
وأوضح أن الفضة أيضًا شهدت تراجعًا بنحو 5% من أعلى مستوياتها التاريخية، لكنها ما زالت تتداول فوق 50 دولارًا للأوقية، ما يعكس استمرار الزخم الشرائي في المعادن الثمينة رغم تصحيحات السوق.
وأشار إمبابي إلى أنَّ حركة الذهب الأخيرة تأثَّرت بشكل مباشر بتقلبات العوائد الأمريكية والدولار، إضافة إلى المناخ السياسي المتغير الذي يدفع المستثمرين للتنقل بين الأصول الآمنة والمخاطر العالية.
الذهب يفقد جزءًا من مكاسبه بعد تصريحات ترامب
على الصعيد العالمي، سجَّلت أسعار الذهب تراجعًا بنسبة 2% من أعلى مستوى تاريخي له عند 4379 دولارًا للأوقية يوم الجمعة، عقب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أكد فيها أن “الرسوم الجمركية الثلاثية الأرقام المفروضة على الصين غير مستدامة”، وهو ما فُسر في الأسواق على أنه إشارة لتهدئة النزاع التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم.
هذا التفاؤل دفع المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في الذهب، والاتجاه نحو الأصول ذات العائد، ما أدى إلى ارتفاع الدولار الأمريكي وعوائد سندات الخزانة، فقد صعد العائد على السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات بنحو 3 نقاط أساس ليصل إلى 4.01%، فيما استقرت العائدات الحقيقية عند 1.72%، وهو ما شكل ضغطًا مباشرًا على المعدن النفيس الذي يتحرك عادة في الاتجاه المعاكس للدولار والعوائد.
اقرأ أيضًا: أيهما أفضل الودائع الثابتة أم الذهب؟
تحسن شهية المخاطرة وتراجع الطلب على الملاذات الآمنة
وفقًا للتقرير، ساهم تحسُّن شهية المخاطرة في الأسواق العالمية بعد تصريحات ترامب في تقليص الطلب على الذهب كملاذ آمن، إذ يتوقع المستثمرون أن يؤدي اللقاء المرتقب بين ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج خلال الأسبوعين المقبلين في كوريا الجنوبية إلى بداية مرحلة جديدة من التفاهم التجاري، بما ينعكس إيجابًا على سلاسل الإمداد والتجارة العالمية.
ورغم ذلك، حذر التقرير من أن أي تعثر في المفاوضات أو عودة التوترات قد تدفع الذهب مجددًا إلى تسجيل مستويات قياسية جديدة، نظرًا لأن العوامل الجيوسياسية والاقتصادية لا تزال تشكل بيئة خصبة لارتفاع الأسعار على المدى المتوسط.
السياسة النقدية الأمريكية في دائرة الضوء
في سياق السياسة النقدية، أشار التقرير إلى أن عددًا من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، من بينهم ألبرتو موسالم وكريستوفر والر ونيل كاشكاري، أعلنوا دعمهم لخفض أسعار الفائدة في اجتماع أكتوبر المقبل، مع التزام البنك المركزي باستهداف معدل تضخم عند 2%.
ويتوقع المستثمرون، وفقًا لبيانات أسواق المال، أن يقوم الفيدرالي بإجراء خفضين إضافيين بواقع 25 نقطة أساس في شهري أكتوبر وديسمبر، وهو ما يُعد عامل دعم محتمل للذهب مستقبلًا، إذ يؤدي خفض الفائدة عادة إلى انخفاض عوائد السندات وارتفاع جاذبية الأصول غير المدرة للعائد مثل الذهب.
من المنتظر أن تتركز أنظار الأسواق الأسبوع المقبل على مؤشر أسعار المستهلك الأمريكي (CPI) الذي سيصدر يوم الجمعة، إذ يُتوقع أن يقدم المؤشر إشارات جديدة حول مسار التضخم وقرارات الفيدرالي القادمة. ويرى الخبراء أن أي مفاجأة سلبية في بيانات الأسعار قد تنعش مكاسب الذهب مجددًا، خاصة في ظل حساسية الأسواق لأي تطورات تتعلق بتوجهات السياسة النقدية الأمريكية.
توقعات المؤسسات المالية العالمية لأسعار الذهب
كشفت بنوك الاستثمار العالمية عن رؤى متباينة بشأن مستقبل المعدن النفيس، فقد رفع بنك HSBC توقعاته لمتوسط سعر الذهب في عام 2025 إلى 3455 دولارًا للأوقية، مع ترجيح بلوغه 5000 دولار في النصف الأول من عام 2026.
وفي المقابل، توقع بنك ستاندرد تشارترد أن يبلغ متوسط السعر نحو 4488 دولارًا خلال العام المقبل، مستندًا إلى استمرار الطلب القوي من البنوك المركزية وصناديق التحوط.
ويرجّح الخبراء أنَّ الاتجاه العام للذهب سيبقى صعوديًا، مدفوعًا بعوامل متعددة تشمل تزايد المشتريات المؤسسية، واستمرار التوترات الجيوسياسية، وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، فضلًا عن توقعات بخفض الفائدة الأمريكية التي تعزز عادة من أسعار المعادن الثمينة.
وأوضح إمبابي أن الذهب لا يزال يمثل ملاذًا استثماريًا آمنًا في ظل التحديات الاقتصادية والتضخم المرتفع، مشيرًا إلى أن الأسواق المحلية أصبحت أكثر وعيًا بتقلبات الأسعار العالمية، وأن قرارات البيع والشراء باتت أكثر ارتباطًا بالمؤشرات الدولية وليس بالتحركات اللحظية.
واختتم الخبير تصريحاته، مؤكدًا أنه رغم التراجع النسبي الذي شهدته أسعار الذهب عالميًا ومحليًا خلال نهاية الأسبوع، فإن الصورة العامة تؤكد أن الاتجاه الصاعد لا يزال قائمًا بدعم من التوترات السياسية والتجارية، وتغير توجهات السياسة النقدية الأمريكية، وتزايد الطلب المؤسسي على المعدن النفيس.
تعرّف إلى معيار الذهب.. النظام النقدي الذي غيّر شكل الاقتصاد العالمي
