كشف “مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية” أن أسعار الذهب العالمية أنهت تعاملات الأسبوع على تراجع واضح، لتسجل الأوقية رابع خسارة أسبوعية متتالية، وسط استمرار الضغوط الناتجة عن قوة الدولار الأمريكي، وارتفاع توقعات الأسواق ببقاء السياسة النقدية الأمريكية عند مستويات متشددة لفترة أطول، مع استمرار احتمالات رفع أسعار الفائدة مرة أخرى خلال العام الجاري.
وقال الدكتور وليد فاروق، خبير أسواق الذهب، إن الأوقية أنهت تعاملات الأسبوع عند مستوى 4088 دولارًا، منخفضة بنحو 67 دولارًا مقارنة ببداية الأسبوع، لتتكبد خسارة أسبوعية بلغت نحو 1.6%، في ظل ضغوط قوية تعرض لها المعدن الأصفر خلال النصف الأول من الأسبوع.
وأضاف أن الذهب حاول تقليص جانب من خسائره في ختام تعاملات الجمعة، بعدما ارتفعت الأوقية العالمية بنحو 59 دولارًا، من 4029 دولارًا إلى 4088 دولارًا، مدعومة بتراجع الدولار الأمريكي وانخفاض عوائد سندات الخزانة عقب صدور بيانات التضخم الأمريكية، التي منحت الأسواق قدرًا محدودًا من التفاؤل بشأن مسار السياسة النقدية الأمريكية.
ضغوط قوية نتيجة صعود الدولار
وأوضح فاروق أن الذهب، رغم هذا الارتداد في نهاية الأسبوع، لم يتمكن من تعويض خسائره الأسبوعية، بعدما تعرض لضغوط قوية نتيجة صعود الدولار الأمريكي وارتفاع العوائد الحقيقية على سندات الخزانة، وهي عوامل زادت من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا.
وأشار إلى أن الأوقية لامست خلال الأسبوع أدنى مستوى لها منذ بداية عام 2026 عند 3959 دولارًا، قبل أن تقلص جزءًا من خسائرها مع نهاية التعاملات وتنجح في الإغلاق أعلى مستوى 4000 دولار، وهو مستوى نفسي وفني مهم في المرحلة الحالية.
وقال "مرصد الذهب" إن تحركات الأسبوع تعكس انتقال الأسواق من مرحلة كان الذهب يتحرك خلالها بدعم من المخاوف الجيوسياسية والطلب الاستثماري القوي، إلى مرحلة أصبحت فيها السياسة النقدية الأمريكية، وأسعار الفائدة، وقوة الدولار، المحركات الرئيسة لاتجاهات المعدن الأصفر.
اقرأ أيضًا: أسعار الذهب العالمية تتراجع تحت ضغط الفائدة الأمريكية
خسائر الذهب في يونيو
وعلى مختلف الأطر الزمنية، أنهى الذهب الأسبوع على خسارة بلغت نحو 1.6%، كما يقترب من إنهاء شهر يونيو على تراجع بنحو 452 دولارًا، بعدما افتتح تعاملات الشهر عند مستوى 4540 دولارًا للأوقية، بما يعادل خسارة شهرية تقارب 10%، وهي مرشحة لأن تكون الأكبر منذ بداية العام.
كما بلغت خسائر الذهب منذ بداية عام 2026 نحو 230 دولارًا، مقارنة بسعر افتتاح العام عند 4318 دولارًا للأوقية، بما يعادل تراجعًا يقارب 5.3%. وفي الوقت نفسه، لا يزال الذهب يتداول بأقل بنحو 1538 دولارًا، أو بما يزيد على 27%، عن أعلى مستوى تاريخي سجله في 29 يناير الماضي عند 5626 دولارًا للأوقية.
وأوضح “مرصد الذهب” أن الضغوط الأخيرة جاءت نتيجة ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن الأصفر، مع صعود العوائد الحقيقية وارتفاع الدولار، الأمر الذي دفع عددًا من المستثمرين إلى تقليص مراكزهم الاستثمارية مؤقتًا، قبل أن تمنح بيانات التضخم الأمريكية الأخيرة بعض الدعم للذهب مع تراجع الدولار وانخفاض توقعات التشديد النقدي بصورة محدودة.
ويرى المرصد أن مستوى 4000 دولار أصبح يمثل أهم مستويات الدعم النفسية والفنية خلال المرحلة الحالية؛ إذ إن الحفاظ على التداولات أعلى هذا المستوى قد يسمح بمحاولات تعافٍ باتجاه 4100 و4200 دولار، بينما قد يؤدي كسره مجددًا إلى تجدد الضغوط البيعية واختبار مستويات سعرية أدنى.
المزاج العام في الأسواق العالمية
وأشار إلى أن المزاج العام في الأسواق العالمية لا يزال يميل إلى الحذر، مع ترقب المستثمرين بيانات سوق العمل الأمريكية خلال الأسبوع المقبل، والتي قد تكون العامل الأكثر تأثيرًا في إعادة تسعير توقعات أسعار الفائدة، ومن ثم تحديد اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة.
وعلى صعيد توقعات المؤسسات الدولية، خفض بنك جولدمان ساكس توقعاته لأسعار الذهب بنهاية عام 2026 إلى نحو 4900 دولار للأوقية، بينما يتوقع دويتشه بنك تداول أسعار الذهب قرب 4300 دولار خلال الربع الثالث، قبل التعافي إلى نحو 4800 دولار في الربع الرابع، في حين لا تزال مؤسسات مثل جي بي مورجان تتبنى رؤية أكثر تفاؤلًا على المدى الطويل، مع توقعات بوصول الذهب إلى مستويات تقترب من 6000 دولار للأوقية.
ويرى مرصد الذهب أن هذه التوقعات تعكس اختلافًا واضحًا بين النظرة قصيرة الأجل، التي تهيمن عليها أسعار الفائدة وقوة الدولار، وبين النظرة طويلة الأجل التي لا تزال تستند إلى استمرار مشتريات البنوك المركزية، وارتفاع مستويات الديون السيادية عالميًا، واستمرار التوترات الجيوسياسية، واتجاه العديد من الدول إلى تنويع احتياطياتها بعيدًا عن العملات الورقية.
وأكد المرصد أن المرحلة الحالية لا تعني بالضرورة عودة أسعار الذهب إلى موجة صعود متواصلة، بل ترجح استمرار حالة من التقلبات الحادة خلال الفترة المقبلة، مع بقاء الأسواق شديدة الحساسية لبيانات الاقتصاد الأمريكي، واتجاهات أسعار الفائدة، وتحركات الدولار وعوائد السندات.
وشدد على أن إدارة المخاطر أصبحت أكثر أهمية من محاولة توقع الارتفاعات والانخفاضات، في ظل تغير اتجاهات السوق بوتيرة سريعة، موضحًا أن أي صعود أو هبوط يجب التعامل معه باعتباره جزءًا من إعادة تسعير السوق، وليس بالضرورة بداية لاتجاه صاعد أو هابط جديد.
قد يهمّك أيضًا: الفيدرالي الأمريكي يثبت الفائدة في أول اجتماع لكيفن وارش
أسعار الذهب.. هل انتهت موجة التصحيح؟
ويرى المرصد أن عودة الأسعار إلى الارتفاع لا تعني انتهاء موجة التصحيح، بل قد تكون جزءًا من مرحلة تتسم بارتفاع مستويات التقلب، وهو ما يستوجب الحذر في قرارات الشراء والبيع، خاصة مع ارتباط السوق المحلية بحركة الأوقية عالميًا وسعر الصرف ومستويات الطلب الداخلي.
كما أكد «مرصد الذهب» أن المستويات الحالية لا تزال مناسبة لبناء مراكز استثمارية طويلة الأجل، مع تجنب الاندفاع إلى الشراء بكامل السيولة دفعة واحدة، موضحًا أن الشراء على مراحل وتكوين متوسطات سعرية يظل الخيار الأكثر كفاءة في ظل استمرار التقلبات، لأنه يتيح للمستثمر الاستفادة من أي تراجعات مؤقتة مع تقليل مخاطر توقيت الدخول.
وخلص مرصد الذهب إلى أن موجة التصحيح الحالية لا تعني انتهاء الاتجاه الصاعد طويل الأجل للذهب، لكنها تؤكد أن السوق أصبحت أكثر تعقيدًا، وأن حركة المعدن الأصفر باتت ترتبط بتوازن دقيق بين السياسة النقدية الأمريكية واتجاه الدولار، وعوائد السندات والطلب الاستثماري، ومشتريات البنوك المركزية، وهو ما يرجح استمرار التقلبات خلال الفترة المقبلة قبل أن تتشكل موجة اتجاه جديدة أكثر وضوحًا.
