في ظل الجدل الدائر حول تأخر برنامج الطروحات الحكومية المصرية الذي تراهن عليه القاهرة كأحد أهم محاور الإصلاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات الخاصة، تتزايد التساؤلات حول أسباب تباطؤ التنفيذ رغم التزام الحكومة بالمضي قدمًا في خطتها لفتح المجال أمام القطاع الخاص وتعزيز كفاءة إدارة الأصول العامة.
فمنذ إطلاق البرنامج في عام 2022، حققت الدولة تقدمًا ملموسًا، إذ جمعت نحو 5.8 مليار دولار من بيع حصص في 14 شركة حتى يونيو 2025، ما يمثل 47.5% من الهدف الإجمالي البالغ 12.2 مليار دولار، غير أن وتيرة التنفيذ شهدت تباطؤًا ملحوظًا في الأشهر الأخيرة، ما أعاد الملف إلى صدارة النقاش الاقتصادي والسياسي، خصوصًا مع اشتداد التوترات الإقليمية وتأثر الأسواق العالمية بالتقلبات المالية.
لماذا يتباطأ تنفيذ الطروحات الحكومية؟
أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال مؤتمر صحفي عقده نهاية أكتوبر الماضي، أن التوترات الإقليمية الراهنة كانت من أبرز الأسباب التي أدت إلى تراجع وتيرة تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، موضحًا أن التطورات الجيوسياسية في المنطقة انعكست بشكل مباشر على شهية المستثمرين الأجانب واستقرار أسواق المال، بما في ذلك البورصة المصرية، التي تأثرت بدورها بتقلبات أسعار الفائدة وتحركات رؤوس الأموال العالمية.
كما أشار مدبولي إلى أن حالة الحذر السائدة في الأسواق الناشئة دفعت الحكومة إلى التريث في بعض الخطوات التنفيذية من أجل تحقيق أفضل عائد ممكن للدولة والمستثمرين، وضمان طرح الأصول في بيئة استثمارية مستقرة وعادلة. وشدَّد على أنَّ التأجيل لا يعني التراجع عن برنامج الطروحات، بل هو جزء من إستراتيجية حكومية مدروسة تراعي طبيعة الظروف الإقليمية والعالمية.
وأكَّد أن الحكومة لا تزال متمسكة بتنفيذ البرنامج كأحد الأعمدة الرئيسة لخطة الإصلاح الاقتصادي، التي تهدف إلى زيادة مساهمة القطاع الخاص وتحسين كفاءة إدارة الشركات المملوكة للدولة، بما يعزز تنافسية الاقتصاد المصري وقدرته على جذب استثمارات جديدة في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وأوضح رئيس الوزراء أن الحكومة تستهدف تنفيذ من ثلاثة إلى أربعة طروحات سنويًا في قطاعات استراتيجية ومتنوعة تشمل القطاع المالي، وشركات التأمين، وإدارة وتشغيل المطارات، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، موضحًا أن الهدف من هذا التنوع هو توسيع قاعدة الملكية العامة، وتحقيق التوازن بين سرعة التنفيذ والحفاظ على القيمة العادلة للأصول، وضمان مشاركة واسعة من المستثمرين المحليين والأجانب في عملية التنمية الاقتصادية.
هل سوق المال المصري مؤاتٍ الآن لإطلاق الطروحات؟
في تحليلها للمشهد الراهن، قالت حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية بأسواق المال، إنَّ برنامج الطروحات الحكومية يعد من أهم الأدوات التي تتبناها الدولة المصرية لتطبيق وثيقة ملكية الدولة التي تهدف إلى تعزيز مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني وتوسيع قاعدة الملكية داخل السوق المصري، وأوضحت أن الظروف الحالية في سوق المال مواتية لتنفيذ البرنامج، في ظل الارتفاع التاريخي لمؤشر EGX30، وزيادة أحجام التداول اليومية، وتحسن مستويات السيولة، مؤكدة أن هذه المؤشرات تمثل فرصة حقيقية لإحياء البرنامج بصورة مدروسة تحقق أهداف الدولة وتعيد الزخم إلى البورصة المصرية.
وأضافت رمسيس أن البورصة المصرية في حاجة ماسة إلى العمق والاتساع، سواء من خلال إدراج شركات جديدة أو طرح كيانات كبرى تمثل قطاعات إنتاجية وخدمية متنوعة تعكس قوة الاقتصاد المصري، وأشارت إلى أن الإصلاحات الهيكلية التي تقوم بها هيئة الرقابة المالية بالتعاون مع إدارة البورصة الجديدة تمثل بيئة داعمة مثالية للطروحات القادمة، خاصة مع تحسن بيئة القيد والإفصاح، وتوسيع قاعدة المستثمرين المحليين والدوليين.
التسعير العادل يؤخر برنامج الطروحات الحكومية المصرية
أوضحت حنان رمسيس أن ملف الطروحات الحكومية أصبح أكثر تعقيدًا نتيجة الجدل الدائر حول طريقة التسعير وآلية الطرح والجهة المستهدفة من البيع، خصوصًا بعد اتجاه الدولة إلى بيع بعض الأصول لشركات وصناديق استثمار أجنبية من قطر والإمارات، ما أثار نقاشًا واسعًا حول مدى عدالة التسعير وتوقيت الصفقات في ظل تحسن الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي تجاوز 50 مليار دولار.
وأكدت الخبيرة أنَّ هذا الجدل يعكس انقسامًا بين من يرى أن البيع لمستثمر استراتيجي يضمن تدفقًا سريعًا للعملة الصعبة، ومن يعتقد أن الطرح العام في البورصة أكثر عدالة واستدامة لكنه لا يحقق النجاح دائمًا في ظل ضعف الإقبال كما أظهرت بعض التجارب السابقة.
وأشارت إلى أنَّ التسعير العادل هو جوهر النقاش، إذ يرى بعض المستثمرين أن بيع الأصول لمستثمرين استراتيجيين بأسعار منخفضة لا يعكس القيمة الحقيقية للأصول المصرية، فيما يرى آخرون أن الطرح العام في السوق قد يواجه تحديات بسبب محدودية السيولة وضعف الإقبال، كما حدث في تجربة المصرف المتحد التي لم تستكمل رغم تكرار الحديث عنها، وتجربة شركة بنيان التي فشلت في تحقيق أهدافها واضطرت لإعادة شراء أسهمها عبر سوق الصفقات، ما أثر على ثقة المتعاملين في جدية البرنامج الحكومي.
التزامات مصر الدولية وتأثيرها على برنامج الطروحات
أكَّدت رمسيس أن تنفيذ برنامج الطروحات لا يقتصر على كونه قرارًا اقتصاديًا داخليًا، بل يأتي أيضًا ضمن التزامات مصر تجاه صندوق النقد الدولي، الذي يشجع على زيادة مشاركة القطاع الخاص ورفع كفاءة إدارة الأصول العامة، لكنها توقعت أن يتم تأجيل بعض الالتزامات الخاصة بالبرنامج في المراجعات المقبلة مع الصندوق في ظل التحسن الملحوظ في الاحتياطي النقدي واستقرار سعر الصرف، وهو ما يمنح الحكومة مرونة أكبر لاختيار توقيت التنفيذ المناسب.
وشددت على أن نجاح أي طرح حكومي يتوقف على مدى دقة التقييم وعدالة التسعير، مؤكدة أن الدولة يجب أن توازن بين تحقيق عائد مناسب للخزانة العامة وضمان ربحية المستثمرين، بحيث لا يتحول الطرح إلى عبء أو صفقة خاسرة لأي طرف. واعتبرت أن الطرح العادل هو الذي يحقق المنفعة المتبادلة ويعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب على السواء في السوق المصري.
اقرأ أيضًا: الفائض الأولي في الموازنة المصرية يقفز إلى 178 مليار جنيه
البيئة الاقتصادية الحالية… هل تدعم الطروحات؟
أكدت رمسيس أنَّ الدولة مطالبة بالبدء في طرح شركات تابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التي تمتلك سجلات مالية قوية وأنشطة تشغيلية ناجحة، مشيرة إلى أن الحديث عنها مستمر منذ أكثر من ست سنوات دون تنفيذ فعلي، وهو ما أفقد السوق جزءًا من الحماس والثقة. وأوضحت أن طرح هذه الشركات فعليًا سيعيد الحيوية والثقة إلى سوق المال المصري، خاصة أنها تتمتع بجاذبية كبيرة للمؤسسات الاستثمارية المحلية والعربية.
وتابعت الخبيرة الاقتصادية أنَّ الدولة يجب أن تتبنى نهجًا تدريجيًا مرنًا في التنفيذ، بحيث تبدأ بطرح حصص صغيرة لقياس رد فعل السوق وإقبال المستثمرين، مع إمكانية التوسع لاحقًا إذا أثبتت التجربة نجاحها، وأوضحت أن هذا النهج سيمنح الحكومة مرونة أكبر لتعديل استراتيجيتها وفق تطورات السوق المحلي والعالمي دون المخاطرة ببيع أصول استراتيجية دفعة واحدة.
وأكدت رمسيس أن الوضع الاقتصادي الحالي يمنح مصر فرصة تاريخية لا ينبغي إضاعتها، في ظل تحسن المؤشرات الكلية وتجاوز الاحتياطي النقدي حاجز الخمسين مليار دولار، وبلوغ مؤشرات البورصة قممًا جديدة، وارتفاع السيولة المتاحة في السوق. لكنها حذّرت من أن التأجيل المتكرر أو غياب جدول زمني واضح للطروحات يفقد السوق زخمه ويؤدي إلى حالة من الترقب السلبي لدى المستثمرين.
وفي ختام تصريحاتها، شددت حنان رمسيس على أن نجاح أول طرح حكومي فعلي سيكون بمثابة نقطة تحول حقيقية للاقتصاد المصري، إذ سيعيد الثقة في الإصلاحات الاقتصادية ويمنح السوق دفعة قوية لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، مؤكدة أن المطلوب الآن ليس إطلاق وعود جديدة، بل اتخاذ خطوة تنفيذية حاسمة تثبت أن الدولة ماضية في طريق الإصلاح بجدية وشفافية.
اقرأ أيضًا: مصر تدخل عصر الصكوك السيادية المحلية
