عادت حرب إيران تقسيم خارطة العالم اقتصادياً إلى ثلاث جبهات واضحة؛ فبينما تحصد دولٌ مكاسب طفرة أسعار النفط، وتغرق أخرى في دوامة التضخم وأزمات الموازنة، تقاتل فئة ثالثة في منطقة رمادية، محاولةً امتصاص الصدمات بأسلحة مالية استباقية قبل أن تلتهم الأزمة استقرارها.
في هذا الشأن، أكد الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، أن المواجهة الواسعة مع إيران تمثل نقطة تحول حادة في الاقتصاد العالمي، حيث تؤدي بسرعة إلى إعادة رسم خريطة العوائد والمخاطر بين الدول، في ظل ترابط غير مسبوق بين الأسواق العالمية.
كيف يحرك “مضيق هرمز” بوصلة الأسعار العالمية؟
أوضح أن العسيلي التوترات المتصاعدة في منطقة الخليج، خاصة فيما يتعلق بمضيق هرمز، تضع الاقتصاد الدولي أمام اختبار جديد، نظرًا للدور الحيوي الذي يلعبه هذا الممر في تجارة الطاقة العالمية، ما يجعل أي تهديد لحركة الملاحة فيه عاملًا مباشرًا في تسعير ما يُعرف بـ”علاوة المخاطر” في الأسواق التي قد تدفع أسعار النفط إلى الارتفاع بنسبة تتراوح بين 10% و25% على المدى القصير، وهو ارتفاع كفيل بإحداث موجة من التداعيات الاقتصادية المتسلسلة.
وأوضح العسيلي أن ارتفاع أسعار النفط يؤثر في مختلف القطاعات الاقتصادية، حيث يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات، ونتيجة لذلك ترتفع معدلات التضخم في العديد من الدول، خاصة تلك التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة.
وأضاف أن هذه الضغوط لا تتوقف عند حدود التضخم، بل تمتد إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين، خاصة في ظل المخاوف من اضطراب الملاحة البحرية، وهو ما يؤدي إلى اختناقات في سلاسل الإمداد العالمية، مؤكدًا أن هذا الترابط يعكس هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام الصدمات الجيوسياسية.
الدول الخليجية وروسيا في قلب مشهد المكاسب
وفيما يتعلق بالدول المستفيدة، أوضح العسيلي أن الدول الخليجية المصدّرة للنفط والغاز تأتي في مقدمة الرابحين، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر. وأشار إلى أن هذه الدول قد تشهد زيادة في إيراداتها النفطية تتراوح بين 15% و30%، وفقًا لمستويات الأسعار وحصص الإنتاج، مستفيدة من قدرتها على إدارة الإمدادات عبر منظمة “أوبك”.
وأضاف أن هذه المكاسب تمتد إلى دول أخرى مصدّرة للطاقة مثل العراق والجزائر، فضلًا عن روسيا التي قد تستفيد من إعادة توجيه الطلب العالمي عليها كمورد بديل، خاصة في ظل أي تغير في مسارات التجارة أو تخفيف القيود المفروضة عليها.
وأشار إلى أن هذه التطورات تنعكس في تحسن الفوائض المالية لهذه الدول، وتراجع الضغوط على الموازنات العامة، ما يمنحها مساحة أوسع في إدارة سياساتها الاقتصادية وتعزيز استقرارها المالي على المدى القصير.
ورغم هذه المكاسب، شدد العسيلي على أنها ليست مضمونة الاستمرار، محذرًا من أن تصاعد التوترات قد يحول البيئة نفسها إلى مصدر تهديد للدول المصدّرة، وأوضح أن المخاطر تشمل تهديدًا مباشرًا لحركة الصادرات، وارتفاعًا كبيرًا في تكاليف التأمين والشحن، فضلًا عن اضطرابات محتملة في سلاسل الإمداد.
وأضاف أن استمرار الأزمة أو اقترابها من البنية التحتية الحيوية قد يؤدي إلى تقلبات حادة في الإيرادات، ما يحول المكاسب السعرية إلى عبء اقتصادي وتشغيلي، ويجعل هذه الدول أكثر عرضة للصدمات بدلًا من تحقيق استفادة مستقرة.
اقرأ أيضًا: أزمة مضيق هرمز تدفع أسعار النفط للصعود وسط تعثر المحادثات
الدول المستوردة.. ضغوط تضخمية وعجز متزايد
في المقابل، أكد العسيلي أن الدول المستوردة للطاقة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمة، خاصة في شمال أفريقيا وأوروبا، كما لفت إلى أن دولًا مثل مصر والأردن والمغرب، إلى جانب اقتصادات أوروبية مثل ألمانيا وإيطاليا، تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار النفط.
وأوضح أن هذه الارتفاعات قد تضيف ما بين 1 إلى 3 نقاط مئوية إلى معدلات التضخم، كما قد تؤدي إلى زيادة عجز الحساب الجاري بنسبة قد تتجاوز 2% من الناتج المحلي الإجمالي في بعض الدول، وهذه الضغوط تؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الاقتصادي والمالي، خاصة في الدول ذات الموارد المحدودة.
كما أضاف أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بنسبة تتراوح بين 20% و50% ينعكس بسرعة على أسعار الغذاء والسلع الأساسية، ما يزيد من الأعباء على المواطنين ويضغط على العملات المحلية، خاصة في الاقتصادات الناشئة.
الصين والهند.. قلب التأثير العالمي
أشار العسيلي إلى أن فهم الصورة الكاملة يتطلب النظر إلى كبار المستوردين الآسيويين، وعلى رأسهم الصين والهند، اللتان تعتمدان بشكل كبير على واردات الطاقة من منطقة الخليج، وأي ارتفاع مستمر في أسعار النفط ينعكس مباشرة على تكاليف التصنيع والنقل في هاتين الدولتين، ما يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية عالميًا.
وأضاف أن هذا التأثير يمتد إلى سلاسل الإنتاج العالمية، حيث تعتمد العديد من الصناعات الدولية على الإنتاج الآسيوي، ما يعني أن أي زيادة في التكاليف ستنتقل إلى الاقتصاد العالمي ككل.
وأشار إلى أنه في حال حدوث ارتفاعات حادة، قد تلجأ هذه الدول، إلى جانب الولايات المتحدة، إلى استخدام احتياطياتها النفطية الاستراتيجية كوسيلة لامتصاص الصدمات وتهدئة الأسواق، وهي سياسة أثبتت فعاليتها في أزمات سابقة.
قد يهمّك أيضًا: أرباح مليارية لشركات النفط.. من الرابح من حرب إيران؟
تعميق الفجوة بين الاقتصادات
فيما يتعلق بمسار الأزمة، رجح العسيلي أن السيناريو الأكثر احتمالًا هو حدوث اضطرابات جزئية أو متقطعة في الملاحة بمضيق هرمز، بدلًا من إغلاق كامل، وأوضح أن هذا السيناريو يمنح إيران أداة ضغط دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وهذا الوضع يؤدي إلى ارتفاع تدريجي في الأسعار، مع تقلبات مستمرة في الأسواق وزيادة في تكاليف التأمين، دون حدوث صدمة مفاجئة، وهو ما يجعل إدارة المخاطر أكثر تعقيدًا بالنسبة للدول والأسواق.
وأوضح العسيلي أن بعض الدول، خاصة الاقتصادات الكبرى، تمتلك أدوات مالية تساعدها على مواجهة هذه التقلبات، مثل العقود الآجلة للنفط وصناديق الثروة السيادية، وأضاف أن هذه الأدوات توفر درجة من الحماية ضد تقلب الأسعار، لكنها ليست متاحة بنفس الكفاءة للدول النامية، وهذا التفاوت يؤدي إلى تعميق الفجوة بين الاقتصادات، حيث تتمكن الدول الغنية من امتصاص الصدمات، بينما تتحمل الدول الأقل قدرة العبء الأكبر.
انعكاسات على النظام الاقتصادي العالمي
أشار العسيلي إلى أن استمرار التوترات قد يؤدي إلى تراجع نمو الاقتصاد العالمي بنسبة تتراوح بين 0.3% و0.6%، مع توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة مثل الذهب، وارتفاع تكاليف التمويل نتيجة زيادة حالة عدم اليقين.
وأضاف أن البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، تواجه تحديًا صعبًا يتمثل في تحقيق التوازن بين السيطرة على التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادي، وهو ما قد يدفعها إلى تبني سياسات نقدية أكثر حذرًا.
ومن ناحية أخرى، أكد العسيلي أن تأثير الأزمة يتجاوز الاقتصاد ليصل إلى إعادة تشكيل موازين القوى الجيوسياسية، حيث قد تؤدي هذه التطورات إلى إعادة رسم تحالفات الطاقة وتسريع جهود تنويع مصادر الإمداد. وأشار إلى أن الدول القادرة على تأمين الطاقة أو إعادة توجيهها ستكتسب وزنًا استراتيجيًا أكبر، ما يعيد توزيع النفوذ داخل النظام الدولي.
واختتم الدكتور حسين العسيلي تصريحاته بالتأكيد على أن الحروب لا تُنتج رابحين مطلقين، بل تعيد توزيع المكاسب والخسائر بشكل غير متكافئ، وأوضح أن الدول المصدّرة قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تظل معرضة لتحول هذه المكاسب إلى مخاطر مع تصاعد الأزمة.
وفي المقابل، تتحمل الدول المستوردة تكلفة فورية تؤثر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بينما يظل الاقتصاد العالمي بأكمله في حالة توازن هش، تحكمه التوترات الجيوسياسية بقدر ما تحكمه أسس السوق.
قد يهمّك أيضًا: كيف تتعامل الصين مع أزمة إغلاق مضيق هرمز؟
