شهدت أسعار النفط تحولًا من التراجع إلى الارتفاع خلال تعاملات اليوم، الأربعاء، 22 أبريل 2026، مدفوعة بتقارير عن تعرُّض عدد من سفن الحاويات لإطلاق نار في مضيق هرمز، في وقت تتعثر فيه مساعي استئناف محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران.
وسجلت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعًا بنسبة 0.7% لتبلغ 99.21 دولارًا للبرميل، كما صعد خام غرب تكساس الوسيط بالنسبة نفسها ليصل إلى 90.26 دولارًا، مواصلين بذلك مكاسب الجلسة السابقة التي بلغت نحو 3%.
وفي تطور ميداني، أفادت وكالة “تسنيم” شبه الرسمية بأن بحرية الحرس الثوري الإيراني احتجزت سفينتين بدعوى ارتكابهما مخالفات بحرية، واقتادتهما إلى المياه الإيرانية ويأتي ذلك رغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس تمديدًا أحاديًا للهدنة، في ظل غياب وفدي البلدين عن محادثات السلام المقررة في باكستان.
على صعيد آخر، تترقب الأسواق صدور بيانات المخزونات من إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بعدما أظهرت تقديرات أولية لمعهد البترول انخفاضًا غير متوقع في مخزونات الخام بنحو 4.5 ملايين برميل خلال الأسبوع الماضي، مقارنة بتوقعات كانت تشير إلى تراجع قدره 1.2 مليون برميل، ما قد يعكس تسارع وتيرة الطلب، خاصة من قبل أوروبا وآسيا، لتأمين احتياجاتها من الطاقة.
ضغط غير مسبوق وتحركات دولية
في تحليله للمشهد، أكَّد الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، أنّ استمرار إغلاق مضيق هرمز يمثل أحد أخطر التطورات في ما وصفه بـ“حرب الطاقة في المنطقة”، مشيرًا إلى أن التداعيات الحالية لا تقتصر على أسواق النفط، وإنّما تمتد لتشمل الاقتصاد العالمي بأكمله، سواء من حيث الإمدادات أو الأسعار أو حركة التجارة الدولية.
وأوضح أن المؤشرات الميدانية والاقتصادية تعكس حالة ضغط غير مسبوقة على أسواق الطاقة، حيث أعلنت شركة نفط الكويت حالة “القوة القاهرة” على شحناتها نتيجة استمرار إغلاق المضيق، وهو ما يعكس حجم الاضطراب في سلاسل الإمداد النفطية.
كما لفت شوقي إلى أن بعض الدول الأوروبية بدأت اتخاذ إجراءات استباقية، مثل تخصيص هولندا أكثر من مليار دولار لدعم الأسر والشركات لمواجهة تداعيات الأزمة، إلى جانب قيام النمسا بسحب جزء من احتياطياتها الاستراتيجية من النفط الخام بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية.
وأضاف أن الولايات المتحدة تستعد لاستضافة محادثات لدول مجموعة العشرين لمناقشة تأثير أزمة الطاقة على إمدادات الغذاء والأسمدة، وهو ما يعكس اتساع نطاق الأزمة عالميًا.
اقرأ أيضًا: أرباح مليارية لشركات النفط.. من الرابح من حرب إيران؟
هل تنتهي الأزمة بإنهاء الحرب؟
أشار الدكتور أحمد شوقي إلى أن بيانات تتبع حركة ناقلات النفط والغاز في مضيق هرمز تظهر توقفًا شبه كامل، بالتزامن مع استمرار الإغلاق وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين نتيجة حالة عدم اليقين، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الأسعار العالمية.
وفيما يتعلق بأسعار النفط، أوضح أن السوق شهد تقلبات حادة منذ اندلاع الأزمة، حيث كان متوسط سعر خام برنت قبل الحرب عند نحو 72 دولارًا للبرميل، ثم ارتفع إلى 81 دولارًا مع بداية التوترات، قبل أن يصل إلى ذروته عند 118 دولارًا بنهاية الشهر الأول من الحرب.
وبناء على الأرقام، أكّد شوقي أن غياب اليقين في الأسواق بشأن مستقبل إمدادات النفط عبر مضيق هرمز هو سيد الموقف، موضحًا أن المضيق أصبح أداة ضغط جيوسياسي تستخدمها إيران للتأثير على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي، وهو ما نجحت فيه إلى حد كبير حتى الآن.
وأضاف أن الأسواق لن تشهد استقرارًا حقيقيًا قبل التوصل إلى اتفاق سلام نهائي بين الأطراف المعنية، مشيرًا إلى أن آثار الأزمة لن تنتهي فور وقف إطلاق النار، بل ستستمر لفترة قد تمتد من شهر إلى شهرين، بسبب تعقيدات تتجاوز الجوانب اللوجستية لتشمل عمليات الإنتاج والتكرير التي تحتاج من 3 إلى 4 أسابيع للعودة إلى مستوياتها الطبيعية.
وفيما يتعلق بالإجراءات المؤقتة مثل تمديد الإعفاءات للنفط الروسي أو السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، أوضح أنها قد تساهم جزئيًا في تهدئة الأسعار، لكنها تظل حلولًا محدودة التأثير ولا تعالج جذور الأزمة، مؤكدًا أن الحل الحقيقي يكمن في إنهاء التوترات الجيوسياسية.
وأشار الدكتور أحمد شوقي إلى أن سوق الطاقة بطبيعته سوق “جيوسياسي”، حيث تتأثر الأسعار بشكل مباشر بالأحداث السياسية أكثر من أي عوامل أخرى، وهو ما يفسر التقلبات الحادة الحالية.
الولايات المتحدة.. أبرز المستفيدين من الأزمة
لفت شوقي إلى أن الولايات المتحدة تعد من أبرز المستفيدين من هذه الأزمة، حيث تعزز مكانتها كمورد رئيس للنفط والغاز، مستفيدة من ارتفاع الإنتاج والدعم الحكومي لقطاع الطاقة، وهو ما يفرض تحديًا كبيرًا على الدول الخليجية المصدرة التي باتت تواجه منافسة متزايدة.
وفي سياق متصل، أوضح أن التصريحات المتباينة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تساهم في زيادة حالة التذبذب في الأسواق، مشيرًا إلى أن هذه التصريحات تهدف أحيانًا إلى التأثير على الأسعار، لكنها تظل أقل تأثيرًا مقارنة بالتصريحات الصادرة من الجانب الإيراني، نظرًا لحساسية الموقف الجيوسياسي.
واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن استمرار الأزمة دون حل جذري سيبقي الأسواق العالمية في حالة من عدم الاستقرار، وأن أي استقرار حقيقي مرهون بإنهاء التوترات وعودة تدفق الطاقة بشكل طبيعي عبر مضيق هرمز.
قد يهمّك أيضًا: كيف عززت أزمة هرمز صعود النقل البري في الخليج؟
التكلفة الحقيقية لبرميل النفط
من جانبه، أكد الدكتور ناصر عبدالمهيمن، الخبير الاقتصادي، أن تداعيات إغلاق مضيق هرمز تمثل تهديدًا حقيقيًا ومتزايدًا للاقتصاد العالمي، خاصة مع استمرار الأزمة لأكثر من شهر ونصف، وهو ما يعني، وفقًا له، أن العالم تجاوز بالفعل سيناريو التأثيرات المحدودة أو قصيرة الأجل، ودخل في مرحلة التأثير المتوسط التي من المتوقع أن تستمر لفترة زمنية ليست قصيرة.
وفيما يتعلق بأسواق النفط، أشار إلى أن النفط ليس سلعة واحدة كما قد يُعْتَقَد؛ فهو يتكون من عدة أنواع وخامات مختلفة لكل منها تسعير خاص، بالإضافة إلى وجود فروق جوهرية بين أسعار التسليم الفوري وأسعار العقود الآجلة، وكذلك بين ما يعرف بالنفط “الورقي” المتداول في الأسواق المالية وبين النفط الفعلي الذي يتم تسليمه على أرض الواقع.
وأضاف أن سعر خام برنت الذي يعد المعيار العالمي إذا وصل إلى نحو 120 دولارا للبرميل فإن ذلك لا يعكس التكلفة الحقيقية التي يتحملها المستهلكون أو المنتجون، إذ أن باقي الخامات مثل خام دبي، وعمان، والخام العربي الخفيف، وكذلك خام الأورال الروسي أو خام غرب تكساس الأمريكي، تضاف إليها علاوة مخاطر قد تصل إلى نحو 20% نتيجة الظروف الجيوسياسية الحالية.
وبناءً على ذلك، أوضح أن التكلفة الفعلية للبرميل قد تصل إلى نحو 150 دولارًا، وهو ما يمثل سيناريو شديد الخطورة على الاقتصاد العالمي إذا استمر لفترة طويلة، حيث يؤدي إلى مضاعفة تكلفة الطاقة مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة.
مخاوف متزايدة من ارتفاع التضخم
وأشار عبدالمهيمن إلى أن هذا الارتفاع الكبير في تكلفة الطاقة يترتب عليه تأثيران رئيسيان بالغَا السلبية: الأول يتمثل في ارتفاع معدلات التضخم على مستوى العالم، والثاني يتمثل في تراجع معدلات النمو الاقتصادي المتوقعة.
وفيما يخص احتمالات الركود، أكد أن العالم بدأ بالفعل في إظهار مؤشرات واضحة على التباطؤ الاقتصادي، حيث قامت معظم المؤسسات الدولية بتخفيض توقعاتها لمعدلات النمو خلال ما تبقى من عام 2026، وأضاف أن بعض الدول قد تنتقل من مرحلة النمو المحدود إلى مرحلة التباطؤ، بينما قد تواجه دول أخرى تباطؤًا حادًا.
وضرب أمثلة على ذلك بدول مثل بريطانيا التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، مما يجعلها أكثر عرضة لتأثيرات ارتفاع أسعار الطاقة، بالإضافة إلى دول جنوب شرق آسيا، وعلى رأسها الصين والهند واللتان تعدان محركات رئيسة للنمو العالمي، وكذلك اليابان، حيث تتأثر هذه الاقتصادات بشكل كبير نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد.
وأضاف أن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، خاصة إذا تجاوز سعر خام برنت حاجز 120 دولارًا، سيدفع أسعار باقي الخامات إلى مستويات أعلى، وهو ما قد يؤدي إلى تحول العديد من الاقتصادات العالمية من حالة النمو الضعيف إلى حالة تباطؤ اقتصادي، بل وربما إلى الانكماش.
واختتم عبدالمهيمن، حديثه بالتأكيد على أن تطورات الأوضاع خلال الفترة المقبلة، خاصة فيما يتعلق بمسار التهدئة بين إيران والولايات المتحدة، ستكون العامل الحاسم في تحديد اتجاهات الأسواق العالمية، وما إذا كانت ستتجه نحو الاستقرار أو استمرار الضغوط الاقتصادية.
قد يهمّك أيضًا: كيف تتعامل الصين مع أزمة إغلاق مضيق هرمز؟
