تقرير: باسل محمود
في قلب القارة الإفريقية، وعلى وقع أزمات عالمية متلاحقة، تجد الحكومات نفسها تطرق أبواب صندوق النقد الدولي مُجدَّدًا، في مشهد يُعيد للأذهان أيام “الاختناق التمويلي” الذي أعقب جائحة كورونا، لكن هذه المرة السبب مختلف.
الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خضم حربه التجارية الشرسة، تسبّبت في اهتزاز الأسواق، وانهيار أسعار السلع، وارتفاع تكلفة الاقتراض، واضطرت دولًا إفريقية عديدة إلى التراجع عن خططها في التحرر من التمويل الخارجي، والعودة مجددًا إلى “حضن الصندوق”، بحسب بلومبرج.
الصدمة المالية الثانية التي ضربت إفريقيا في أقل من خمس سنوات، جاءت بينما كانت اقتصادات المنطقة بالكاد بدأت تستعيد أنفاسها من آثار الجائحة، لتجد نفسها اليوم في قلب عاصفة مالية وتجارية جديدة أشعلها الاقتصاد الأكبر في العالم.
الرسوم الجمركية تُغلق أسواق الائتمان
في ظل تصاعد تكلفة الاقتراض عالميًا، لم تعُد الأسواق ترحب بالسندات الإفريقية، خاصة بعد أن أدّت سياسات ترامب الحمائية والرسوم الجمركية التي فرضها على واردات رئيسية من الصين وأوروبا إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وقلق المستثمرين من ركود عالمي، ما انعكس سريعًا على أدوات الدين السيادية في إفريقيا التي فقدت جزءًا كبيرًا من جاذبيتها.
تسبّبت هذه المستجدات في موجة خروج من الأسواق، وارتفاع في هوامش المخاطر، وإقصاء فعلي للعديد من الحكومات الإفريقية من أسواق التمويل العالمية، بالإضافة إلى تراجع العائدات الأساسية مع انهيار أسعار النفط والمعادن، خاصة للدول التي تعتمد في موازناتها بشكل شبه كلي على صادرات المواد الخام.
موضوع ذو صلة: كيف أثرت الرسوم الجمركية الأمريكية على أسواق النفط؟
أبواب صندوق النقد تُفتح من جديد
وسط هذه التحديات، تتحرّك الحكومات الإفريقية صوب صندوق النقد الدولي، حيث يستعد وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية من الدول النامية لعقد محادثات حاسمة بشأن دعم مالي عاجل خلال الاجتماع الربيعي المرتقب في واشنطن، والذي يُعد محطة محورية في ظل الظروف الراهنة.
الاقتصادي ديفيد أوموجومولو من “كابيتال إيكونوميكس”، يصف هذا المسار بأنه “حتمي”، بالنظر إلى القيود المفروضة على السيولة وارتفاع كلفة الدين.
وبينما تُجري دول مثل كينيا والسنغال بالفعل مفاوضات مع الصندوق، تزداد الضغوط لإبرام الاتفاقات بسرعة، وفي هذا الصدد تؤكد أورلي مارتن، من “Ninety One” بلندن، أن الظروف الحالية تُسرّع الحاجة إلى التمويل الطارئ، محذّرة من تفاقم الاختلالات المالية إذا لم يتم التحرك سريعًا.
أنغولا النموذج الأوضح لأزمة التمويل
أنغولا، الدولة النفطية الكبرى، قرّرت سابقًا تجميد خططها للاقتراض من الأسواق، نتيجة لارتفاع العوائد المطلوبة، ومع استحقاق سندات قبل نهاية العام لم يبقَ أمامها سوى العودة إلى الصندوق لتأمين سداد التزاماتها.
وفي هذا السياق، يرى كيفن دالي، مدير المحافظ الاستثمارية في شركة “Abrdn”، أن الوضع الذي تمر به أنغولا قد يتكرر في العديد من الدول الإفريقية الأخرى التي تواجه تحديات مماثلة، خاصة مع استمرار تراجع أسعار النفط.
وتُظهر البيانات أن الاقتصاد الأنغولي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، إذ يشكل أكثر من 95% من إجمالي صادرات البلاد، ولعلّ هذا الاعتماد المفرط يُبرز هشاشة الموازنة العامة؛ فكل انخفاض قدره دولار واحد عن المتوسط المرجح لسعر برميل النفط، والمقدر بـ70 دولارًا، يؤدي إلى فجوة مالية تُقدَّر بنحو 152 مليون دولار.
صندوق النقد.. دعم مشروط بإصلاحات
منذ جائحة “كوفيد-19″، ضخّ صندوق النقد أكثر من 60 مليار دولار في إفريقيا جنوب الصحراء، بحسب بيانات أكتوبر الماضي، وكانت أكثر من نصف الدول في المنطقة قد حصلت على تمويلات مباشرة أو ترتيبات قائمة.
ورغم أهمية هذه التدفقات النقدية في دعم الاقتصادات المتضررة، تحذر هانا رايدر، المديرة التنفيذية لمؤسسة “Development Reimagined”، من أن هذه التمويلات غالبًا ما ترتبط بإصلاحات هيكلية صعبة ومؤلمة.
وفي تعليقها، أوضحت رايدر قائلة: “هناك خطر حقيقي بأن تكون تداعيات هذه الحرب التجارية مساوية -إن لم تكن أسوأ- لتداعيات جائحة كوفيد-19”.
وأضافت أن صندوق النقد الدولي لا يقدّم الأموال دون مقابل، بل يربط تمويلاته بمطالب واضحة لإجراء تغييرات اقتصادية وسياسية جوهرية، تتضمن أحيانًا تقليص الدعم الحكومي أو فرض ضرائب جديدة، وهي إجراءات قد تكون مكلفة سياسيًا وصعبة التنفيذ في العديد من الدول الإفريقية.
تراجع الدعم الدولي وتفاقم كلفة الدين
الوضع لا يقتصر على الأسواق، بل يمتد أيضًا إلى ميزانيات المساعدات الدولية؛ فالمملكة المتحدة -على سبيل المثال- قررت خفض مخصصاتها للمساعدات الخارجية لصالح الإنفاق الدفاعي، استجابةً لضغوط من إدارة ترامب.
في الوقت نفسه، أوقفت واشنطن العديد من برامج الدعم التي كانت موجهة لدول إفريقيا جنوب الصحراء، ما فاقم من هشاشة الموازنات الحكومية.
وبحسب لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا (UNECA)، فإنَّ مدفوعات الفائدة على الدين ارتفعت إلى 27% من إجمالي إيرادات الحكومات في 2024، مقابل 19% في 2019، فيما بلغت فاتورة خدمة الدين نحو 163 مليار دولار، بزيادة 12% عن العام السابق.
وفي دول مثل غانا ونيجيريا ومصر وأوغندا، أصبحت كلفة خدمة الدين تفوق الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية، ما يُبرز خطورة الوضع.
سلاح السلع المرتدة
رغم أن حجم التجارة بين إفريقيا والصين يفوق ثلاثة أضعاف تجارتها مع الولايات المتحدة، إلا أنَّ الضرر الحقيقي للرسوم الأمريكية كان غير مباشر؛ حيث أدى تراجع الطلب العالمي -خاصة من الصين- إلى انخفاض أسعار النفط والنحاس والكوبالت والمعادن الأخرى، ما هزّ موازنات الدول التي تعتمد على تصديرها.
إيفون ماهانغو، كبيرة اقتصاديي إفريقيا في “بلومبرغ إيكونوميكس”، تقول إن “الرسوم الأمريكية تسبّبت في تراجع الدولار المتاح في الاقتصادات الإفريقية، ما يفاقم من الضغط على ميزان المدفوعات“. وتُضيف: “القرارات الأمريكية تُحدث أثرًا مزدوجًا؛ فهي تخنق السيولة وتُقوّض الصادرات، ما يُجبر الدول الضعيفة ماليًا على اللجوء إلى صندوق النقد”.
اقرأ أيضًا: كيف تؤثر الحرب التجارية على الاقتصاد العالمي والأسواق المالية؟
الاستثناءات النادرة.. دول تتجه للاستقرار
لا تخلو الصورة من بعض النقاط المضيئة، فدول مثل زامبيا وغانا بدأت تجني ثمار الاتفاقات التي أبرمتها سابقًا مع الصندوق، فقد تمكنت من تقليص عجز الميزانية، وراكمت احتياطيات من العملة الصعبة، وباتت أكثر قدرة على الصمود أمام التقلبات الخارجية.
لكن -وكما يرى الخبراء- فإن المكاسب التي حققتها هذه الدول ما تزال هشة، ويمكن أن تتلاشى بسرعة إذا استمرت الضغوط التجارية والمالية الحالية.
هل تكون الرسوم الجمركية هي “كوفيد-19” الجديد؟
المقارنة تتكرر في أروقة السياسات الاقتصادية، فكما أنّ جائحة كورونا باغتت دول العالم، جاءت الحرب التجارية بقيادة ترامب لتُفاجئ الحكومات مرة أخرى، لكن الفرق هذه المرة أن صندوق أدوات المواجهة بات أقل تنوعًا، والمجتمع الدولي أقل دعمًا.
ومع غياب آليات تمويل جماعي شاملة، كتلك التي ظهرت خلال “كوفيد-19″، فإن الخيارات أمام الدول الإفريقية تبدو أكثر محدودية، فإما المضي في إصلاحات موجعة بمساعدة صندوق النقد، أو المجازفة بالإفلاس وتبعاته الاقتصادية والاجتماعية.
قد يهمّك أيضًا: مشروع ممر لوبِيتو.. تنافس أمريكي صيني على نفوذ أفريقيا
