تقارير الطاقة

    أزمة الطاقة في مصر تنهك الاقتصاد

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •7 دقائق
    برج نقل كهرباء عالي الجهد.

    تواجه المنظومة الاقتصادية في مصر ضغوطاً متزايدة جراء أزمة الطاقة ونقص إمدادات الغاز الطبيعي، وهي المعضلة التي ألقت بظلالها على معدلات النمو، والفرص الاستثمارية، والقدرة التنافسية لقطاعات حيوية عدة.

    ورغم المساعي الحكومية لضبط الإنفاق، حيث أشار المتحدث باسم مجلس الوزراء، المستشار محمد الحمصاني، إلى أن خطط تخفيف الأحمال توفر نحو مليار دولار سنوياً للخزينة العامة، إلا أن الخبراء يرجحون أن الكلفة غير المباشرة لتلك الانقطاعات تتجاوز العوائد المالية المحققة.

    الفاتورة الاقتصادية غير المباشرة

    يرى الأستاذ في كلية السياسة والاقتصاد بجامعة بني سويف، الدكتور محمد راشد، في تصريحات خاصة، أن أزمة الطاقة تؤثر سلباً على عجلة الإنتاج الكلية، بدءاً من المشروعات الصغيرة والمتوسطة وصولاً إلى الكيانات الصناعية الكبرى.

    وأوضح راشد أن تبعات انقطاع التيار تمتد لتشمل:

    • تراجع حصيلة المبيعات والضرائب: تأثر المحال التجارية والمولات يقلل من حركة القوة الشرائية، مما ينعكس تراجعاً في حصيلة ضريبة القيمة المضافة الموردة لخزانة الدولة.

    • انهيار صناعة الدواجن: أدى الارتفاع الحاد في درجات الحرارة مع غياب تبريد المزارع المستمر إلى ارتفاع معدلات نفوق الدواجن، مما يضطر الدولة للاستيراد بالعملة الصعبة لتعويض العجز.

    • استنزاف النقد الأجنبي: تتسبب الانقطاعات المتكررة في تلف الأجهزة الكهربائية والمعدات، مما يرفع الطلب على استيراد قطع الغيار بالدولار.

    • شلل قطاع الأسمدة والبتروكيماويات: تعتبر هذه المصانع في مقدمة المتضررين عند تحويل حصص الغاز لصالح محطات التوليد، ما يهدد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها التصديرية.

    وفي السياق ذاته، أكد الخبير الاقتصادي، الدكتور عمرو سلامة، تضرر قطاعات الرعاية الصحية والصناعات الغذائية (خاصة السلع المجمدة)، لافتاً إلى أن الخسائر اليومية لشركات كبرى مثل "أبوقير للأسمدة" و"موبيكو" تجاوزت حاجز الـ 100 مليون جنيه إبان فترات توقف إمدادات الغاز الطبيعي.

    اقرأ أيضًا: هل ينقذ مؤتمر الاستثمار المصري الأوروبي الاقتصاد المصري؟

    الأبعاد الهيكلية والكلية لأزمة الطاقة في مصر

    من جانبه، فكك الخبير المصرفي الدكتور رمزي الجرم أبعاد أزمة الطاقة في مصر إلى ثلاثة محاور أساسية؛ أولها البعد التقني الذي يتعلق بمدى قدرة الشبكات القومية على تحمل معدلات الاستخدام الكثيف أثناء فترات الذروة والموجات الحارة.

    وثانيها البعد الاقتصادي المرتبط بالموارد الدولارية اللازمة لاستيراد المازوت والغاز الطبيعي وتشغيل محطات التوليد، فضلاً عن سداد الديون المستحقة لشركات البترول الأجنبية.

    أما المحور الثالث فهو البعد العملياتي الذي يتماشى مع الاضطرابات والتوترات الجيوسياسية الإقليمية المحيطة، والتي تفرض على الدولة حماية احتياطياتها الاستراتيجية وعدم المساس بها.

    وأشار الجرم إلى أن هذا التحدي يتزامن مع تحولات هيكلية تشهدها الدولة صياغةً لـ "عقد اجتماعي جديد" يعتمد على تقديم الخدمات للمواطنين بقيمتها الفعلية أو القريبة منها، بالتوازي مع تعزيز برامج الحماية الاجتماعية للطبقات الأكثر احتياجاً.

    مسارات الحل والتحول الحكومي

    لضمان استقرار الشبكة القومية وتفادي أزمات الصيف، يرى الخبراء ضرورة الموازنة بين الحلول التشغيلية العاجلة والخطط الاستثمارية طويلة الأجل، حيث يتطلب الأمر بدايةً تأمين الشحنات العاجلة من خلال استيراد كميات إضافية من الغاز المسال والمازوت لضمان استمرارية عمل محطات الإنتاج.

    ويكون ذلك بالتوازي مع جدولة مستحقات الشركاء الأجانب وسداد متأخرات شركات النفط والغاز العالمية، مما يحفزها على استئناف عمليات البحث والتنقيب وتنمية الحقول، ويسهم بالتالي في استعادة مستويات الإنتاج المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي تدريجياً.

    أضف إلى ذلك أهمية إدارة الاستهلاك المحلي عبر الالتزام بقرارات تنظيم مواعيد غلق المحال التجارية والمرافق العامة لترشيد الأحمال وضمان كفاءة التوزيع في أوقات الذروة.

    قد يهمّك أيضًا: هل يصبح قطاع التعدين جوكر الاقتصاد المصري؟

    أسباب أزمة الطاقة في مصر

    وحول أسباب أزمة الكهرباء في مصر  ذكر الخبير الاقتصادي، أن هناك أسباب رئيسة تشمل مجموعة من  العوامل الداخلية والخارجية، وهي كما يأتي:

    • زيادة الاستهلاك المحلي: الارتفاع الكبير في استهلاك الكهرباء خلال فترات الصيف نتيجة لموجات الحر الشديدة، مما يزيد من الطلب على الغاز الطبيعي المستخدم في توليد الكهرباء.

    • تراجع إنتاج الغاز: انخفاض الإنتاج من حقول الغاز المحلية مثل حقل ظهر، الذي يُعد أحد أكبر حقول الغاز في مصر.

    • التصدير إلى الخارج: على الرغم من حاجة السوق المحلي، تقوم مصر بتصدير كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال (LNG) لتوليد عملة صعبة هذا يؤدي إلى نقص في الكميات المتاحة للاستهلاك المحلي.

    • الاعتماد على واردات الغاز: تعتمد مصر على واردات الغاز من إسرائيل لتلبية بعض من احتياجاتها، وأي انقطاع في هذه الإمدادات يؤثر بشكل مباشر على توفر الغاز في مصر، كما حدث بسبب التوترات الإقليمية والأحداث السياسية.

    • البنية التحتية القديمة: تعاني بعض محطات توليد الكهرباء والبنية التحتية للطاقة من قدم وعدم كفاءة، مما يؤدي إلى فاقد في الطاقة ويزيد من الطلب على الغاز لتغطية الفاقد.

    انعكاسات نقص إمدادات الغاز على الاحتياطي الأجنبي وسعر الصرف

    تلقي أزمة نقص إمدادات الغاز وانقطاع التيار الكهربائي بظلالها على المشهد النقدي في مصر، حيث تؤثر على سعر صرف الدولار بشكل ملحوظ نتيجة لعدة عوامل متداخلة:

    • زيادة الطلب على العملات الأجنبية

    مع الارتفاع الحاد في تكاليف استيراد الغاز الطبيعي المسال والمشتقات النفطية، يزداد الضغط بشكل مباشر على الاحتياطي النقدي الأجنبي في البلاد، مما يدفع نحو زيادة الطلب على الدولار والعملات الصعبة لتغطية هذه الفاتورة الاستيرادية العاجلة، الأمر الذي يسهم في رفع قيمة الدولار أمام الجنيه المصري.

    • تراجع معدلات الصادرات

    يتسبب انقطاع الكهرباء المتكرر في تعطل العملية الإنتاجية داخل مختلف القطاعات الصناعية، وهو ما يؤدي بالتبعية إلى انخفاض معدلات التصدير، ومن ثم الحد من تدفقات النقد الأجنبي الحيوية إلى البلاد، مما يضاعف الضغوط على سعر صرف العملة المحلية.

    • انخفاض تدفقات رؤوس الأموال

    تؤدي أزمات الطاقة المستمرة إلى تقويض جاذبية البيئة الاستثمارية أمام المستثمرين الأجانب، مما يقلل من تدفقات العملات الأجنبية ويؤثر سلباً على قيمة الجنيه.

    • تنامي الضغوط التضخمية

    قفزة تكاليف الإنتاج الناتجة عن الاعتماد على المولدات الخاصة وزيادة مصاريف التشغيل تنعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات، مما يغذي معدلات التضخم، وبالتالي يجعل الجنيه أقل جاذبية للشراء، ويزيد من الضغط على سعر الصرف لصالح الدولار.

    • ارتفاع كلفة الاستيراد

    ارتباطاً بصعود قيمة الدولار، ترتفع تكلفة استيراد السلع والخدمات النهائية والوسيطة من الخارج، مما يرفع أسعارها في السوق المحلي ويضغط على القوة الشرائية للمواطنين.

    • تراكم الديون الخارجية

    يؤدي الاعتماد المتزايد على القروض والتمويلات الخارجية لتأمين واردات الطاقة إلى زيادة كلفة الدين العام، مما ينعكس سلباً على المؤشرات الاقتصادية الكلية والتصنيف الائتماني للدولة.

    اقرأ أيضًا: الهيدروجين الأخضر.. هل تصبح مصر مركز تصدير عالمي؟

    سُبل حماية الاستثمار الأجنبي

    وفي قراءة لآليات المواجهة، اقترح الخبير الاقتصادي الدكتور عمرو سلامة عدداً من الحلول المحورية التي يمكن أن تساهم بفعالية في حماية الاستثمارات الأجنبية، وجاءت كما يأتي:

    • ضخ استثمارات موجهة لتحديث شبكات الكهرباء وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة (كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح) لتقليل فترات الانقطاع وضمان استدامة الإمدادات.

    • تقديم حوافز مالية وضريبية ملموسة للمستثمرين الأجانب، بالتوازي مع تنقية البيئة التشريعية لتسهيل الإجراءات الإدارية والقضاء على الدورة البيروقراطية.

    • العمل على ترسيخ مبدأ الشفافية في إدارة ملف أزمة الطاقة، وإطلاع مجتمع الأعمال والمستثمرين أولاً بأول على الخطط الجداول الزمنية المستهدفة لتحسين الوضع الطاقوي.

    • تفعيل التعاون المشترك مع الدول والشركات العالمية الكبرى في مشروعات الطاقة والبنية التحتية لنقل التكنولوجيا وتحسين كفاءة الإنتاج.

    • العمل على تقليل الاعتماد المفرط على قطاع الطاقة عبر تنمية قطاعات إنتاجية وخدمية أخرى تمتلك مصر فيها مزايا تنافسية مثل السياحة والصناعة والزراعة، مما يرفع من مرونة السوق وجاذبيته.

    حلول مبتكرة لمعالجة أزمة الطاقة في مصر

    وعلى صعيد الحلول الفنية والتشغيلية، قدم الدكتور عمرو سلامة حزمة من المقترحات المبتكرة التي تهدف إلى تحسين إدارة منظومة الطاقة وتعزيز كفاءة الاستهلاك:

    • صيانة وتحديث المحطات القديمة لتقليل الفاقد الفني وزيادة قدرتها التشغيلية.

    • تطبيق برامج ذكية وفعالة لإدارة الأحمال خلال فترات الذروة، مثل تقييد استهلاك الكهرباء غير الضروري في المنشآت العامة والمكاتب الحكومية خلال ساعات العمل النهارية.

    • تفعيل حملات توعية مجتمعية واسعة لتشجيع المواطنين على ترشيد الاستهلاك المنزلي واستخدام الأجهزة الموفرة للطاقة.

    • الحد من الاعتماد على مصدر أحادي عبر إبرام عقود مرنة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال (LNG) والتعاون الإقليمي في مشاريع الربط الكهربائي وتداول الطاقة.

    • فتح الباب أمام الاستثمارات المحلية والأجنبية للمشاركة في مشروعات إنتاج وتوزيع الطاقة لتخفيف العبء عن كاهل الدولة.

    • توسعة وتطوير شبكة نقل الكهرباء القومية لضمان وصول التيار بشكل مستقر وموثوق لكافة المحافظات والمناطق الصناعية.

    • دمج تقنيات الأنظمة الذكية التي تتيح المراقبة اللحظية والتحكم الديناميكي في توزيع الأحمال بكفاءة عالية.

    اقرأ أيضًا: مصر أكبر شريك تجاري لتركيا في القارة الإفريقية

    تشكيل خلية أزمة وإجراءات الضبط التشغيلي

    من جانبه، طرح الخبير المصرفي الدكتور رمزي الجرم رؤية موازية ترتكز على الشق العملياتي والمجتمعي، مقترحاً إنشاء "خلية أزمة" عاجلة تضم نخبة من العلماء والمفكرين والمتخصصين، لدراسة كافة البدائل المتاحة بدقة، واختيار السيناريوهات الأقل كلفة وتأثيراً على المواطن والقطاعات الإنتاجية.

    كما لفت الجرم إلى ضرورة تبني إجراءات صارمة لترشيد الإنارة العامة، تشمل تخفيف إضاءة الشوارع عبر الاكتفاء بتشغيل عمود إنارة واحد من بين كل ثلاثة أو أربعة أعمدة، وتأخير توقيت توصيل التيار لشبكات الإنارة الخارجية مقارنة بالمعدلات الحالية، مع الحسم الكامل في مواجهة أي تجاوزات تتعلق بإضاءة الشوارع نهاراً.

    وشدد الخبير على أهمية إرساء مبدأ "العدالة والمساواة" في تطبيق فترات تخفيف الأحمال على المنازل، موضحاً أن استثناء بعض المناطق يحمل مناطق أخرى أعباءً إضافية، مما يعمق من وطأة المشكلة ويخلق حالة من الاستياء الاجتماعي بين الشرائح المختلفة.

    واختتم الجرم مقترحاته بالإشارة إلى ضرورة نشر وتوطين ثقافة الاعتماد على الطاقة الشمسية فوق أسطح المنازل، وأعمدة الإنارة، والمحال التجارية. ودعا إلى صياغة برامج تمويلية وأنظمة تقسيط متنوعة وميسرة تناسب الأسر وأصحاب الأعمال، سواء عبر تسهيلات بنكية بفوائد منخفضة أو من خلال التقسيط المباشر مع الشركات المنفذة لألواح ومستلزمات الطاقة الشمسية، على غرار الآلية الناجحة التي طُبقت سابقاً في مشروع توصيل الغاز الطبيعي للمنازل.