لم تعد طفرة الذكاء الاصطناعي تظهر فقط في مبيعات الرقائق ومراكز البيانات والخدمات السحابية، بل بدأت تتسلل إلى صميم القوائم المالية لأكبر شركات التكنولوجيا في العالم. ووفق تقرير نشرته Financial Times، حققت Alphabet وAmazon وNvidia وMicrosoft أرباحا تتجاوز 160 مليار دولار، نتيجة مكاسب مرتبطة بارتفاع قيمة استثماراتها في شركات أخرى ضمن قطاع الذكاء الاصطناعي. وبينما تعكس هذه المكاسب ارتفاعاً في القيمة المحاسبية للأصول، فإنها لا تعني بالضرورة تدفق مبالغ نقدية مماثلة إلى خزائن الشركات.
أرباح التكنولوجيا أمام اختبار جديد
تكمن أهمية هذه الظاهرة في أنها تأتي في وقت يحاول فيه المستثمرون قياس مدى قوة طفرة الذكاء الاصطناعي واستدامتها. فارتفاع إيرادات شركة بسبب زيادة مبيعات الخدمات السحابية أو الرقائق يختلف جذرياً عن ارتفاع أرباحها نتيجة إعادة تقييم حصة تملكها في شركة أخرى. وفي الحالة الثانية، قد ترتفع الأرباح المعلنة من دون أن تكون الشركة قد باعت الاستثمار أو حصلت على النقد الناتج عن ارتفاع قيمته. ولهذا أصبحت جودة الأرباح، وليس حجمها فقط، محوراً رئيسياً في تحليل نتائج شركات التكنولوجيا الكبرى.
الدخل الآخر يقود القفزة
تظهر هذه المكاسب في بند يعرف باسم «الدخل الآخر» أو «Other Income» في القوائم المالية. ويشمل هذا البند، بحسب طبيعة كل شركة واستثماراتها، مكاسب وخسائر من الأوراق المالية والاستثمارات وبعض البنود غير التشغيلية الأخرى. وخلال الربع الأخير، قفز هذا البند لدى عدد من شركات التكنولوجيا الكبرى إلى مستويات استثنائية، ما ساهم في تضخيم الأرباح قبل الضرائب. وتقول Financial Times إن مساهمة هذا البند في الأرباح خلال الربع الأخير تجاوزت 160 مليار دولار لدى الشركات الأربع مجتمعة، أي أكثر من ضعف الدفعة التي بلغت نحو 69 مليار دولار في الربع السابق.
Alphabet تستفيد من SpaceX
كانت Alphabet، الشركة الأم لـGoogle، من أكبر المستفيدين من الارتفاع الكبير في تقييم الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وبحسب Financial Times، ارتفع «الدخل الآخر» لدى Alphabet إلى 97.9 مليار دولار في الأشهر الثلاثة المنتهية في 30 يونيو، مقارنة بنحو 13.8 مليار دولار في الربع السابق. وكان جزء كبير من هذه القفزة مرتبطاً بارتفاع قيمة الاستثمارات في شركات خاصة، إضافة إلى الأثر الكبير الناتج عن إعادة تقييم حصة Alphabet في SpaceX بعد انتقال الشركة إلى التداول العام. وهذه المكاسب ساهمت في رفع أرباح Alphabet المعلنة بصورة لا تعكس بالكامل أداء عمليات Google الأساسية خلال الفترة.
اقرأ أيضا: زيارة الرئيس الصيني لمصر.. دفعة جديدة للتجارة والاستثمار
Amazon تسجل مكاسب ضخمة
أما Amazon، فقد شهدت القصة نفسها ولكن بصورة مرتبطة بصورة أساسية باستثمارها في شركة الذكاء الاصطناعي Anthropic. وسجلت الشركة 53.4 مليار دولار من «الدخل الآخر» قبل الضرائب في الربع الثاني من 2026، وكان الجزء الأكبر منه ناتجاً عن استثماراتها في Anthropic. ونتيجة لذلك، ارتفع صافي دخل Amazon إلى 62.6 مليار دولار، مقارنة بـ18.2 مليار دولار في الربع الثاني من العام السابق. لكن هذه الأرقام لا تعني أن Amazon حققت 53.4 مليار دولار من المبيعات أو التدفقات النقدية، بل إن الشركة نفسها تصنف المبلغ باعتباره دخلاً غير تشغيلي قبل الضرائب.
Anthropic ترفع قيمة الاستثمار
تكشف إفصاحات Amazon مزيداً من التفاصيل حول مصدر هذه المكاسب. فقد قالت الشركة إنها سجلت في الربع الثاني تعديلات صعودية بنحو 50.5 مليار دولار على أسهمها الممتازة في Anthropic، لتعكس تغيرات يمكن ملاحظتها في أسعار التمويل الأخيرة للشركة الخاصة. كما استثمرت Amazon خمسة مليارات دولار إضافية في Anthropic خلال الربع نفسه، ما يؤكد أن العلاقة بين الشركتين لا تقتصر على الاستثمار المالي، بل تشمل أيضاً تعاوناً واسعاً في مجال الحوسبة السحابية والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وتوضح هذه الأرقام كيف يمكن لارتفاع تقييم شركة خاصة في جولة تمويل جديدة أن ينعكس سريعاً على أرباح المستثمرين الذين يمتلكون حصصاً فيها.
أرباح Amazon ليست كلها استثمارية
ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال نتائج Amazon في مكاسب Anthropic فقط. فقد ارتفعت مبيعات الشركة في الربع الثاني بنسبة 20% إلى 200.6 مليار دولار، بينما قفزت إيرادات Amazon Web Services بنسبة 37% إلى 42.2 مليار دولار. كما ارتفع الدخل التشغيلي إلى 27.5 مليار دولار، مقارنة بـ19.2 مليار دولار قبل عام، في حين بلغ الدخل التشغيلي لـAWS نحو 16.6 مليار دولار. وهذا يعني أن النشاط الأساسي للشركة لا يزال يسجل نمواً قوياً، لكن المكسب الاستثماري الضخم جعل صافي الأرباح يبدو أكبر بكثير من مستوى الأرباح التشغيلية وحدها.
Microsoft تكشف الجانب الآخر
استفادت Microsoft أيضاً من ارتفاع تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي، إذ سجلت مكسباً قدره 3.2 مليار دولار من استثمارها في Anthropic خلال الربع الرابع من سنتها المالية 2026. وأوضحت الشركة أن نتائجها غير المتوافقة مع مبادئ المحاسبة المقبولة عموماً تستبعد تأثير استثماراتها في OpenAI، بهدف إعطاء المستثمرين صورة أوضح عن الأداء التشغيلي للشركة. وبلغت إيرادات Microsoft خلال الربع 90 مليار دولار، بزيادة 18% على أساس سنوي، بينما ارتفع صافي الدخل وفق المعايير المحاسبية GAAP بنسبة 31% إلى 35.8 مليار دولار.
اقرأ أيضا: هل سيطر ترامب على نفط فنزويلا؟
Azure يثبت قوة الطلب
وتكتسب نتائج Microsoft أهمية خاصة لأنها تقدم مثالاً على الفرق بين المكاسب الاستثمارية والنمو التشغيلي. فقد تجاوزت إيرادات Azure مستوى 100 مليار دولار خلال السنة المالية 2026 للمرة الأولى، بينما وصلت إيرادات Microsoft Cloud إلى 59.3 مليار دولار في الربع الأخير، بزيادة 27% على أساس سنوي. وهذا يدل على أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي لا يزال يولد طلباً فعلياً على الحوسبة السحابية والخدمات الرقمية. لذلك لا تشير المكاسب الاستثمارية وحدها إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي غير حقيقية، بل تطرح سؤالاً مختلفاً يتعلق بحجم الأرباح الذي يمكن اعتباره قابلاً للتكرار في المستقبل.
Nvidia تستفيد من التقييمات
Nvidia، التي تعد إحدى أبرز الشركات المستفيدة مباشرة من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، لديها أيضاً محفظة من الاستثمارات في شركات أخرى. ووفق Financial Times، كشفت Nvidia عن امتلاكها نحو 123 مليون سهم في SpaceX بنهاية يونيو، بينما سجلت 7.7 مليار دولار في «الدخل الآخر» خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في نهاية يوليو. وكان هذا الرقم أقل من الربع السابق، عندما استفادت الشركة من مكاسب كبيرة مرتبطة بحصتها في Intel. وتوضح حالة Nvidia أن الشركات التي تقود دورة الذكاء الاصطناعي أصبحت تشارك أيضاً في ملكية شركات أخرى داخل المنظومة نفسها، ما يزيد الترابط المالي بين أطراف القطاع.
SpaceX تضخم قيمة الاستثمارات
أصبحت SpaceX عاملاً مهماً في هذه القصة بعد انتقالها إلى الأسواق العامة، خصوصاً بالنسبة إلى الشركات التي تمتلك حصصاً فيها. وبحسب بيانات ظهرت بعد الإدراج، كانت Alphabet تمتلك نحو 551 مليون سهم في SpaceX، بينما امتلكت Nvidia نحو 123 مليون سهم. ويعني تحول SpaceX من شركة خاصة إلى شركة متداولة في السوق أن قيمة حصص المستثمرين أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بسعر السوق، بدلاً من الاعتماد فقط على جولات التمويل الخاصة. وهذه الآلية تجعل المكاسب والخسائر المحتملة في هذه الاستثمارات أكثر وضوحاً في القوائم المالية، كما تزيد من حساسية الأرباح لتحركات تقييم شركات الذكاء الاصطناعي والفضاء.
المكاسب ليست تدفقات نقدية
التمييز بين المكسب المحاسبي والتدفق النقدي هو النقطة الأكثر أهمية عند قراءة هذه النتائج. فعندما ترتفع قيمة حصة شركة في استثمار خاص نتيجة جولة تمويل جديدة، يمكن أن تسجل الشركة المالكة مكسباً وفق القواعد المحاسبية المطبقة على الاستثمار، حتى إذا لم تبع الحصة ولم تحصل على الأموال نقداً. وفي حالة Amazon، تؤكد الشركة أن تعديلات القيمة على استثماراتها في Anthropic تُسجل ضمن «الدخل الآخر» استناداً إلى تغيرات يمكن ملاحظتها في أسعار الاستثمار. ولذلك فإن ارتفاع الأرباح لا يعني أن الشركة حصلت فعلياً على مبلغ المكسب في حساباتها المصرفية.
لماذا تثير الأرباح القلق؟
المشكلة التي يواجهها المستثمرون هي أن هذه المكاسب قد تكون شديدة التقلب. فالشركة الخاصة لا تعاد قيمة حصتها بالطريقة نفسها في كل ربع، بل ترتبط إعادة التقييم عادة بوجود جولة تمويل جديدة أو حدث يوفر سعراً قابلاً للملاحظة. أما الاستثمارات المتداولة في الأسواق العامة فتتأثر بأسعار الأسهم بصورة أكثر انتظاماً. وهذا يعني أن أرباح شركة ما قد تقفز في ربع معين بسبب حدث تمويلي كبير، ثم تتراجع في ربع لاحق لأن الحدث نفسه لم يتكرر، حتى إذا استمر النشاط التشغيلي للشركة في النمو بوتيرة مستقرة.
جودة الأرباح تحت المجهر
لهذا السبب بدأ محللون في التحذير من أن جودة الأرباح أصبحت أكثر تعقيداً في قطاع التكنولوجيا. ونقلت Financial Times عن بن سنايدر، كبير استراتيجيي الأسهم الأميركية في Goldman Sachs، أن المكاسب الناتجة عن استثمارات الذكاء الاصطناعي تثير سؤالاً حول ما إذا كان النمو الذي تسجله الشركات يستند إلى طلب أساسي حقيقي أم أن بعضه قد يكون مضللاً بسبب طبيعة هذه المكاسب. كما أشار محللون آخرون إلى أن هذه المكاسب غير المنتظمة تجعل من الصعب تحديد مستوى الأرباح القابل للتكرار. ولا يعني ذلك التشكيك في القواعد المحاسبية، بل في الطريقة التي قد يفسر بها المستثمرون الأرقام عند مقارنتها من ربع إلى آخر.
طفرة الذكاء الاصطناعي مترابطة
هناك عامل آخر يجعل الصورة أكثر تعقيداً، وهو الترابط المتزايد بين شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى. فMicrosoft مستثمر وشريك تجاري لـOpenAI، وAmazon مستثمر رئيسي في Anthropic وتوفر لها البنية التحتية السحابية، بينما تمتلك شركات التكنولوجيا والرقائق حصصاً في شركات أخرى داخل القطاع. وفي الوقت نفسه، تنفق شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة مبالغ ضخمة على الحوسبة والرقائق ومراكز البيانات، ما يعني أن الأموال تتحرك داخل منظومة مترابطة بدرجة أكبر من السابق. وهذا الترابط لا يجعل النمو مصطنعاً تلقائياً، لكنه يجعل المستثمرين بحاجة إلى التدقيق أكثر في مصدر الطلب النهائي ومن يدفع الأموال في نهاية السلسلة.
الإنفاق الحقيقي يتواصل
رغم المخاوف المرتبطة بجودة الأرباح، هناك مؤشرات قوية على أن طفرة الذكاء الاصطناعي مدعومة أيضاً بإنفاق حقيقي واسع النطاق. Amazon، على سبيل المثال، قالت إن التدفق النقدي الحر لديها تحول إلى تدفق خارج بقيمة 7.6 مليار دولار خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في يونيو، مدفوعاً بصورة رئيسية بزيادة الإنفاق على الممتلكات والمعدات. وارتفعت مشتريات الممتلكات والمعدات لدى الشركة بمقدار 66.1 مليار دولار على أساس سنوي، مع إشارة واضحة إلى أن استثمارات الذكاء الاصطناعي كانت أحد العوامل الرئيسية. وبالتالي فإن القطاع لا يعيش فقط على إعادة تقييم الشركات، بل يشهد أيضاً إنفاقاً رأسمالياً فعلياً بمئات المليارات.
الأرباح المستقبلية أمام خطر المقارنة
لكن المكاسب الكبيرة المسجلة هذا العام قد تتحول إلى مشكلة في العام المقبل. فإذا لم ترتفع تقييمات الاستثمارات بالسرعة نفسها، أو إذا تراجعت، فقد تختفي مساهمة هذه المكاسب من الأرباح أو تنعكس إلى خسائر استثمارية. وهذا يخلق تأثيراً إحصائياً مهماً: كلما ارتفعت قاعدة الأرباح في الفترة الحالية بسبب مكاسب استثنائية، أصبح من الأصعب تحقيق نمو سنوي قوي في الفترة التالية. ولذلك حذر محللون، وفق Financial Times، من أن مساهمة هذه المكاسب في أرباح العام الحالي قد تهيئ الطريق لضغوط على معدلات النمو في الفترات المقبلة.
المستثمرون يحتاجون قراءة أعمق
بالنسبة إلى المستثمر، لم يعد كافياً النظر إلى صافي الربح أو ربحية السهم وحدهما عند تحليل نتائج شركات التكنولوجيا. القراءة الأكثر دقة تتطلب الفصل بين نمو الإيرادات، والدخل التشغيلي، والتدفقات النقدية، والاستثمارات، والمكاسب الناتجة عن إعادة تقييم الأصول. كما يجب الانتباه إلى الفرق بين الأرباح المحققة من بيع أصل وبين الأرباح غير المحققة الناتجة عن ارتفاع قيمته الدفترية أو السوقية. وفي بيئة ترتفع فيها تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي بسرعة، تصبح هذه الفروق ضرورية لفهم ما إذا كانت الشركة تبني قوة أرباح مستدامة أم تستفيد مؤقتاً من إعادة تقييم أصولها.
الذكاء الاصطناعي أمام اختبار الأرباح
تكشف نتائج شركات التكنولوجيا الكبرى أن طفرة الذكاء الاصطناعي أصبحت أكبر من مجرد قصة عن نمو مبيعات الرقائق والخدمات السحابية. فقد أصبحت تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي نفسها مصدراً مؤثراً في أرباح المستثمرين فيها، ما أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى قراءة النتائج المالية. وتشير أرقام الربع الأخير إلى أن أكثر من 160 مليار دولار من الأرباح قبل الضرائب لدى Alphabet وAmazon وNvidia وMicrosoft استفادت من مكاسب مرتبطة بالاستثمارات، بحسب Financial Times. وفي الوقت نفسه، تؤكد نتائج Amazon وMicrosoft أن هناك نمواً تشغيلياً حقيقياً وقوياً في أعمال السحابة والذكاء الاصطناعي.
لكن الاختبار الحقيقي سيأتي عندما تتباطأ إعادة تقييم الاستثمارات أو تبدأ أسعار بعض شركات الذكاء الاصطناعي في الاستقرار. عندها سيضطر المستثمرون إلى الإجابة عن السؤال الأهم: هل تستطيع شركات التكنولوجيا الكبرى الحفاظ على نمو أرباحها اعتماداً على الطلب الحقيقي والتدفقات النقدية، أم أن جزءاً من الطفرة الحالية استفاد بصورة أكبر مما يبدو من ارتفاع قيمة الاستثمارات داخل منظومة الذكاء الاصطناعي؟ حتى الآن، الإجابة ليست سلبية أو إيجابية بالكامل، لكن شيئاً واحداً أصبح واضحاً: حجم الأرباح لم يعد كافياً وحده للحكم على قوة طفرة الذكاء الاصطناعي؛ جودة هذه الأرباح واستدامتها أصبحتا أهم من أي وقت مضى.
اقرأ أيضًا: فائض صادرات الصين.. هل يهدد الاقتصاد العالمي؟
