الرياضة

    أرباح بـ13 مليار دولار: كيف تحول كأس العالم لقوة تجارية كبرى؟

    •آخر تحديث •5 دقائق
    أرباح بـ13 مليار دولار: كيف تحول كأس العالم لقوة تجارية كبرى؟

    تتجه “فيفا” إلى تحقيق عوائد ضخمة من كأس العالم، مدفوعة بمبيعات التذاكر وخدمات الضيافة وحقوق البث والرعاية، في وقت يزداد فيه حضور الاتحاد الدولي لكرة القدم كقوة تجارية كبرى تحت قيادة جياني إنفانتينو، غير أن هذا النمو المالي المتسارع يثير في المقابل تساؤلات أوسع بشأن أسعار التذاكر، وآلية توزيع الإيرادات، ومدى شفافية المنظمة في إدارة أموالها.

    وتتوقع “فيفا” أن تبلغ إيرادات دورتها المالية الحالية، الممتدة لأربع سنوات وتنتهي مع كأس العالم هذا الصيف، نحو 13 مليار دولار، منها 8.9 مليار دولار مرتبطة بالبطولة نفسها، التي تستضيفها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.

    من أين تأتي هذه الإيرادات الضخمة؟

    يمثل هذا الرقم قفزة كبيرة مقارنة بالدورة السابقة التي انتهت بمونديال قطر 2022، إذ يزيد بنسبة 72%، كما يتجاوز بأكثر من الضعف إيرادات دورة 2015-2018، التي بلغت 6.4 مليار دولار، وقد تكون الحصيلة النهائية أعلى من التقديرات الحالية، خاصة أن “فيفا” سبق أن تجاوزت توقعاتها المالية في كأس العالم قطر بأكثر من مليار دولار.

    وتنتظر المنظمة -التي تتخذ من زيورخ مقراً وتعمل بصفة غير ربحية- إيرادات تقارب 4 مليارات دولار من حقوق البث التلفزيوني، إلى جانب نحو 1.8 مليار دولار من عقود الرعاية، من بينها اتفاقها مع “أرامكو السعودية”، ويعادل ذلك تقريباً ضعف ما حققته من الرعاية في الدورة الماضية.

    وتأتي الزيادة الأكبر من مبيعات التذاكر وباقات الضيافة، إذ يُتوقع أن تتجاوز 3 مليارات دولار هذا العام، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما تحقق سابقاً، ويعود جزء من هذه الزيادة إلى توسيع البطولة من 64 إلى 104 مباريات، لكن ارتفاع أسعار التذاكر والرسوم المفروضة على إعادة بيعها لعبا دوراً بارزاً أيضاً.

    وفيهذا السياق، يرى بعض الخبراء أن الرقم الفعلي قد يكون أعلى بكثير، حيث قدّر ريتشارد شيهان، أستاذ المالية في جامعة نوتردام، أن عوائد “فيفا” من التذاكر والمقصورات الفاخرة قد تتجاوز في النهاية 7 مليارات دولار.

    وقد أطلقت “فيفا” منصة رسمية لإعادة بيع التذاكر، تفرض من خلالها رسماً قدره 15% على البائع، ومثله على المشتري، وبذلك تحصل المنظمة على 300 دولار إضافية مقابل كل تذكرة يُعاد بيعها عبر المنصة بقيمة 1000 دولار.

    اقرأ أيضًا: بطولة كأس العالم 2026.. الأكثر تلويثا في التاريخ؟

    غضب من الأسعار

    تقول “فيفا” إن إيرادات كأس العالم تموّل عملياتها العالمية خلال بقية الدورة المالية، كما سيُساعد جزء منها في إعادة بناء احتياطياتها التي تراجعت من 3.9 مليار دولار بعد مونديال قطر إلى 2.7 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025، وتستهدف المنظمة تحقيق فائض قدره 100 مليون دولار في كل دورة مالية.

    لكن السياسة التجارية الحالية أثارت انتقادات واسعة، فقد قدّرت روابط مشجعين أن تكلفة مرافقة منتخب حتى المباراة النهائية قد تزيد بأكثر من خمسة أضعاف مقارنة بنسخة 2022، واتهمت المنظمين بالابتعاد عن روح كأس العالم وتقاليده، كما فتح المدعيان العامان في نيويورك ونيوجيرسي تحقيقات بشأن ما وصفاه بارتفاع مبالغ فيه في أسعار التذاكر.

    وقال رونان إيفان، رئيس رابطة “مشجعي كرة القدم في أوروبا”، إن مسؤولي التسويق والتذاكر في أي منظمة رياضية يسعون بطبيعة الحال إلى تعظيم الإيرادات، لكن دور القيادة هو ضبط هذا التوجه وتحقيق التوازن، وأضاف أن هذا التوازن لم يظهر، برأيه، في إدارة إنفانتينو.

    وردت “فيفا” على الانتقادات بطرح عدد محدود من التذاكر منخفضة السعر، مؤكدة أن سياساتها السعرية تتوافق مع طبيعة الأسواق المحلية للفعاليات الكبرى.

    لم تقف الانتقادات عند الأسعار وحدها، فقرار توسيع كأس العالم أثار بدوره اعتراضات، ودخل ضمن شكوى قانونية تقدّم بها اتحاد اللاعبين المحترفين “فيفبرو” و”الدوريات الأوروبية” ضد “فيفا”؛ حيث يرى الطرفان أن الاتحاد الدولي يستخدم سلطته التنظيمية لتعزيز مصالحه التجارية، ولو جاء ذلك على حساب اللاعبين والدوريات.

    وتواجه “فيفا” أيضاً أسئلة بشأن أوجه إنفاق أموالها، فمن المتوقع أن تصل تكلفة تنظيم البطولة إلى نحو 3.8 مليار دولار، بما في ذلك زيادة الجوائز المالية للمنتخبات المشاركة.

    في المقابل، تتحمل المدن المضيفة والحكومات الوطنية تكاليف إضافية تتعلق بالأمن والنقل وتنظيم مناطق المشجعين، ورفعت بعض المدن والولايات أسعار القطارات لتعويض فجوات التمويل، ما أثار شكاوى جديدة، بينما قلصت مدن أخرى خططها الخاصة بمناطق تجمع الجماهير.

    اقرأ المزيد حول انتقادات عجز قطارات أمريكا في موندايال 2026

    تمويل واسع للاتحادات الأعضاء

    تخصص “فيفا” الجزء الأكبر من إنفاقها المدرج في الميزانية، بنحو 3.9 مليار دولار، لبند “التنمية والتعليم”، وعلى رأسه برنامج “فيفا فورورد”، الذي يوزع التمويل على الاتحادات الأعضاء البالغ عددها 211 اتحاداً.

    بموجب البرنامج، يحق لكل اتحاد الحصول على 8 ملايين دولار خلال الدورة المالية الممتدة لأربع سنوات، بغض النظر عن حجمه، ويجب تخصيص 3 ملايين دولار من هذا المبلغ لمشروعات كروية محددة ومخطط لها، مثل بناء منشآت جديدة، وقد زادت هذه المدفوعات ثمانية أضعاف منذ تولي إنفانتينو رئاسة “فيفا”.

    وفي هذا الإطار، تؤكد المنظمة أن هدفها هو ضمان وصول عادل إلى كرة القدم للجماهير الحالية والمستقبلية، وأن سياستها في التذاكر توفر مستويات سعرية متعددة، كما تقول إن إيرادات كأس العالم يُعاد استثمارها في تطوير كرة القدم للرجال والنساء والشباب عبر الاتحادات الأعضاء على مدار العام.

    ورغم دفاع “فيفا” عن برنامجها التمويلي، يرى منتقدون أن توزيع مبالغ ثابتة على جميع الاتحادات، دون مراعاة حجم الدولة أو عدد سكانها، لم يحقق أثراً ملموساً في دول كبرى مثل الهند وإندونيسيا، وتكشف المقارنة بين الدول الصغيرة والكبيرة حجم الفجوة؛ ففي مونتسرات تعادل مدفوعات “فيفا” نحو 2000 دولار لكل ساكن خلال الدورة، بينما لا تتجاوز في الهند نصف سنت أمريكي للفرد.

    غير أنّ حسابات “فيفا” تفتقر إلى الوضوح بدرجة كبيرة، حيث أن الجمهور قد يدفع 800 دولار لحضور حفل لتايلور سويفت، لكنه يعرف إلى أين تذهب أمواله، بينما قد يدفع 1000 دولار في فعالية تابعة لـ”فيفا” دون أن تتضح له طريقة استخدام تلك الأموال.

    وترد “فيفا” بأن الاستثمارات التي تمر عبر الاتحادات الأعضاء تخضع لمراقبة وتدقيق منتظمين من مدقق مستقل، كما تشير إلى أن دولاً صغيرة -مثل الرأس الأخضر- تمكنت من بلوغ كأس العالم بفضل تمويلها، وأن كثيراً من الاتحادات لا يستطيع العمل دون الدعم المالي الذي يقدمه الاتحاد الدولي، كما تشير كذلك إلى أن “يويفا” يطبق نظاماً مشابهاً يمنح ما يصل إلى 17 مليون يورو لكل عضو خلال أربع سنوات.

    المال والنفوذ داخل منظومة “فيفا”

    ومع ذلك، يرى بعض المنتقدين أن هذه التوزيعات المالية السخية قد تعزز ولاء الاتحادات الوطنية عند التصويت على القرارات الكبرى داخل ‘فيفا’، ويُستشهد في هذا السياق بإعادة انتخاب إنفانتينو عام 2023 بالتزكية بعد ترشحه دون منافس، وإعلانه مؤخراً الترشح لولاية جديدة مدتها أربع سنوات في انتخابات 2027.

    كما يربط المحللون هذا النفوذ بتمرير قرارات استراتيجية بالتزكية عبر اجتماعات افتراضية، مثل منح السعودية حق استضافة كأس العالم 2034 في ديسمبر 2024.

    في حين قد يبدو هذا النهج مفهوماً من زاوية الحسابات الانتخابية، فإنه لا ينسجم بالضرورة مع الأهداف المعلنة لتطوير اللعبة عالمياً، في المقابل ترفض ‘فيفا’ قطعية الربط بين المدفوعات السنوية وتوجهات التصويت، واصفةً هذا الطرح بأنه “سخيف ومضلل”.

    وتؤكد المنظمة الدولية أنها باتت اليوم أكثر كفاءة وحوكمة، وأقرب إلى تحقيق تطلعاتها مقارنة بالماضي، مما جعلها شريكاً موثوقاً للوكالات الأممية، والمنظمات غير الحكومية، والشركات العالمية الكبرى.

    اقرأ أيضًا: صدمة مبكرة.. فنادق أمريكا تخفض أسعارها قبل مونديال 2026