شهدت الاقتصادات الإفريقية على مدى العقد الماضي ضغوطاً متزايدة نالت من استقرار موازناتها وعملاتها المحلية؛ جراء تتابع الأزمات العالمية بدءاً من جائحة كورونا والتبعات الاقتصادية لحرب أوكرانيا، وصولاً إلى موجة رفع أسعار الفائدة والتوترات الجيوسياسية.
وفي هذا السياق، واجهت جنوب إفريقيا -التي تضم الكتلة الأكبر من ثروات القارة- نزيفاً حاداً؛ إذ فقدت نحو 20% من أصحاب الملايين منذ عام 2013، مدفوعة بتحديات لوجستية مزمنة، وانقطاعات متكررة في التيار الكهربائي، وتصاعد معدلات الجريمة والفساد.
ووفقاً لتقرير صادر عن مؤسسة "Henley and Partners"، تراجع عدد المليونيرات المستقرين في إفريقيا إلى نحو 135 ألف شخص، بمسار تنازلي سجل خسارة قرابة 20 ألف ثري مقارنة بمستويات عام 2013. وتضم القارة حالياً 342 شخصاً من فائقي الثراء (تتجاوز ثروة كل منهم 100 مليون دولار)، إلى جانب 21 مليارديراً، يقدر إجمالي ثرواتهم التراكمية بنحو 2.5 تريليون دولار.
نزيف الخزائن الإفريقية بسبب هجرة رؤوس الأموال
في تعليقه على هذا التراجع، أوضح المحلل الاقتصادي وليد ياسين أن محرك هذه الهجرة الجماعية هو البحث الدؤوب عن الاستقرار؛ حيث يفتقر العديد من بلدان القارة إلى البيئة السياسية والأمنية المستقرة الجاذبة للاستثمار والمعيشة، مما يدفع أصحاب الثروات لنقل ملاذاتهم إلى دول توفر مستويات أعلى من الأمان والموثوقية.
ويتفق مع هذا الطرح خبير الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي الدكتور محمد ضروي، مؤكداً أن تصاعد مخاطر الاستثمار يمثل الدافع الرئيس لهجرة رأس المال الإفريقي نحو الأسواق الأوروبية ومنطقة الخليج العربي. وأشار ضروي إلى أن الخلل الهيكلي في المنظومة الأمنية لعدة دول إفريقية لا يهدد الاستقرار الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشكل خطراً على الاستقرار الاجتماعي والحياة اليومية.
وحذر ضروي من التداعيات المباشرة لهذه الظاهرة، مبيناً أن نزوح الطبقة الأكثر ثراءً يعني تجفيفاً للموارد المالية المحلية، مما ينعكس سلباً وبشكل فوري على قيمة العملات الإفريقية، ويستنزف احتياطيات النقد الأجنبي الحيوية في الخزائن العامة للدول.
اقرأ أيضًا: الدول الخليجية تنافس بقوة في إفريقيا
مفارقة: هروب الأثرياء من أفريقيا وتدافع القوى الخارجية إليها
على النقيض من حركة النزوح الداخلية، تبرز مفارقة لافتة يوضحها وليد ياسين؛ فرغم بيئة الطرد الناتجة عن الاضطرابات، لا تزال القارة السمراء تشهد سباقاً دولياً محموماً لاقتناص الفرص الاستثمارية الواعدة التي تتيحها مواردها الطبيعية البكر وإمكانات نموها الهائلة.
وأضاف ياسين أن القوى الخارجية تركز استثماراتها على مشروعات البنية التحتية الحيوية، مما يعزز النمو ويمهد لبيئة استثمارية ملائمة قد تسهم مستقبلاً في تدوير عجلة الاقتصاد المحلي وجذب تدفقات أجنبية إضافية.
وفيما يتعلق بقدرة هذه الاستثمارات الخارجية على الصمود في بيئة هشة، أشار الدكتور محمد ضروي إلى أن الحكومات والشركات العالمية الكبرى تمتلك من النفوذ والإمكانيات ما يكفل لها حماية مشاريعها مقارنة برأس المال المحلي؛ إذ تتركز أغلب الاستثمارات الأجنبية في قطاعات استراتيجية كالطاقة والمعادن الثمينة.
وتتمتع هذه القطاعات الحيادية -بحسب ضروي- بآليات حماية خاصة وضمانات دولية صارمة، تجعلها بمعزل عن تقلبات المشهد السياسي أو الأمني المحيط بها في إفريقيا.
اقرأ أيضًا: قمة إيطالية خليجية لتعزيز خطة “ماتي” للتنمية والهجرة في أفريقيا
