ثبت صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي خلال العامين الحالي والمقبل، في تقريره حول توقعات مستقبل الاقتصاد العالمي، وتوقع الصندوق نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.2% خلال العام الجاري، وهو ما يتماشى مع التوقعات الواردة في التقرير السابق. ومع ذلك، خفض صندوق النقد توقعات النمو للعام 2025 بمقدار 0.1%، لتبقى التوقعات عند 3.2%، مما يعني عدم تغيرها عن توقعات عام 2024.
تباين في توقعات صندوق النقد
كشف التقرير عن توقعات النمو في مختلف دول العالم، حيث توقع صندوق النقد الدولي أن ينمو اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 2.8% خلال العام الحالي، وبنحو 2.2% في العام المقبل، وهو ما يمثل زيادة مقارنة بالتوقعات التي صدرت في شهر يوليو الماضي.
وفي منطقة اليورو، خفض صندوق النقد توقعات النمو إلى 0.8% خلال العام الجاري، و1.2% خلال العام 2025، كما تم تخفيض توقعات النمو الاقتصادي في الصين إلى 4.8 بالمئة للعام الجاري، بينما أبقيت التوقعات للعام المقبل دون تغيير عند 4.5 بالمئة.
وفي المنطقة العربية، خفض صندوق النقد توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي إلى 1.5% في العام الجاري، وتوقع أن ينمو بنسبة 4.6% في العام المقبل، كما توقع أن ينمو اقتصاد الإمارات بنسبة 4% في العام الحالي، وبنسبة 5.1% عام 2025. أما بالنسبة إلى مصر، فقد توقع صندوق النقد الدولي أن ينمو اقتصادها بنسبة 2.7$ خلال العام الجاري، وبنسبة 4.1% في العام المقبل.
اقرأ أيضًا: رسائل وتحذيرات من صندوق النقد لدول المنطقة العربية
المعركة ضد التضخم
أوضح تقرير صندوق النقد الدولي أن العالم قد حقق تقدمًا ملحوظًا في المعركة ضد التضخم على الرغم من استمرار ضغوطات الأسعار في بعض الدول؛ فبعد أن بلغت معدّلات التضخم ذروتها عند 9.4% على أساس سنوي في الربع الثالث من عام 2022، يُتوقع أن تصل إلى 3.5% مع نهاية عام 2025، وهو أقل من المستوى المتوسط الذي بلغ 3.6% بين عامي 2000 و2019.
وعلى الرغم من التشديد الحاد والمتزامن للسياسة النقدية في جميع أنحاء العالم، فقد ظل الاقتصاد العالمي مرنًا إلى حد كبير خلال فترة الانكماش، متجنبًا الركود الاقتصادي العالمي.
وقد ورد في التقرير: “في حين أن الانخفاض العالمي للتضخم يمثل علامة فارقة رئيسة، إلا أن المخاطر السلبية آخذة في الارتفاع، وهي تهيمن على التوقعات في الوقت الحالي”. ومن أبرز هذه المخاطر؛ تصعيد الصراعات الإقليمية، وبقاء السياسة النقدية متشددة لفترة طويلة جدًا، واحتمال عودة التقلبات في الأسواق المالية، مع تأثيرات سلبية على أسواق الديون السيادية، بالإضافة إلى التباطؤ في معدّلات النمو في الصين، واستمرار تصعيد السياسات الحمائية بين الدول.
المخاطر المالية العالمية
أكد صندوق النقد الدولي، في تقريره الصادر يوم الثلاثاء، أن المخاطر المالية العالمية قريبة المدى ما زالت تحت السيطرة، لكنه حذر من أن التيسير المفرط في السياسات النقدية قد يُسهم في زيادة تكوين فقاعات في أسعار الأصول، وأن الأسواق قد تستخف بالمخاطر المحتملة التي تنتج عن الصراعات العسكرية والانتخابات المرتقبة.
وأشار صندوق النقد الدولي إلى استمرار التراجع في معدلات التضخم على مستوى العالم، ويرى أن تراجع التضخم إلى الهدف المحدد، المتمثل بنسبة 2 % في الاقتصادات الرئيسية، يشكل نتيجة إيجابية أتت بفضل جهود البنوك المركزية، لكن على الرغم من ذلك.
كما أوضح الصندوق أن التضخم في أسعار الخدمات ما يزال مرتفعًا في كثير من مناطق العالم، وهو ينصح في هذا الخصوص بضرورة معايرة السياسات النقدية وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية اللازمة لتحسين آفاق النمو على المدى المتوسط، فضلًا عن الاستمرار في دعم الفئات الأكثر ضعفًا.
الاستقرار المالي العالمي
شدد الصندوق على أن هناك “فجوة متزايدة” بين تصاعد الغموض الجيوسياسي وانخفاض التقلبات في الأسواق المالية، ما يرفع احتمالية حدوث صدمة في الأسواق مشابهة لما حدث في أغسطس الماضي. إذ تسبب رفع بنك اليابان المركزي لأسعار الفائدة آنذاك في موجة ضخمة من عمليات خفض الديون.
من جانبه، أشار البنك الدولي إلى أن الأسواق المزدهرة، سواء في الائتمان أو الأسهم، تبدو غير متأثرة بشكل كافٍ بتباطؤ نمو الأرباح والتدهور المستمر في قطاعات حساسة مثل عقارات الشركات والعقارات التجارية.
وقد أوضح صندوق النقد الدولي أن التيسير النقدي الذي تبنته البنوك المركزية الكبرى أدى إلى خلق ظروف مالية وصفها بـ “الملائمة”. ومع ذلك، حذر من أن خفض أسعار الفائدة قد يؤدي إلى ارتفاع تقييمات الأصول بشكل مفرط، وزيادة الديون الخاصة والعامة، وكذلك الرفع المالي غير المصرفي.
وحذر الصندوق من أن هذه الفجوات المتزايدة قد تؤدي إلى تضخيم الصدمات السلبية المحتملة، خاصة في ظل تصاعد الغموض الاقتصادي والجيوسياسي المرتبط بالصراعات العسكرية الجارية والسياسات المستقبلية غير المؤكدة التي قد تتبعها الحكومات الجديدة.
اقرأ أيضًا: كيف يؤثر خفض تكلفة التمويل من قبل صندوق النقد على الدول الأعضاء؟
أسعار الطاقة والغذاء
توقع صندوق النقد الدولي أن تشهد أسعار النفط ارتفاعًا بنسبة 0.9% لتصل إلى حوالي 81 دولارًا للبرميل، وذلك بدعم من تخفيضات الإنتاج التي تنفذها مجموعة “أوبك+” إلى جانب النمو المستدام في الطلب العالمي والتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. وعلى الرغم من ذلك، من المرجح أن تنخفض أسعار الوقود بشكل عام بنسبة 3.8% نتيجة لانخفاض أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 16.4%، وأسعار الفحم بنسبة 18%.
وفيما يخص أسعار الغذاء، توقع الصندوق أن تتراجع بنسبة 5.2% في عام 2024، وبنسبة إضافية قدرها 4.5% في عام 2025، وهذا يعود إلى التوقعات بأن يصل إنتاج الحبوب العالمي إلى مستويات قياسية خلال الفترة 2024-2025.
وأشار الصندوق إلى أن السنوات الأربع الماضية كانت بمثابة اختبار لقوة الاقتصاد العالمي، فقد أثرت جائحة كورونا التي تحدث مرة واحدة في القرن، بالإضافة إلى الصراعات الجيوسياسية والأحداث المناخية القاسية، على سلاسل التوريد وتسببت في أزمات للطاقة والغذاء. وقد استجابت الحكومات لهذه التحديات باتخاذ إجراءات غير مسبوقة لحماية المواطنين والاقتصادات، ورغم أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة في مواجهة هذه الأزمات، إلا أن الأداء كان متفاوتًا بين المناطق، مع استمرار هشاشة بعض القطاعات.
كما حذر الصندوق من أن مستوى عدم اليقين المرتفع، بجانب التوترات الجيوسياسية المتزايدة، قد يُلقي بظلاله على التجارة والاستثمار والتدفق الحر للأفكار، مما قد يؤثر على النمو الاقتصادي على المدى الطويل، ويهدد استمرارية سلاسل التوريد العالمية، ويفرض تحديات صعبة على البنوك المركزية.
أسعار الفائدة
أشار التقرير إلى تغير مسار أسعار الفائدة مقارنة بتوقعات أبريل 2024، حيث يُتوقع أن يتم خفض أسعار الفائدة، في منطقة اليورو، بمقدار 100 نقطة أساس في عام 2024 و50 نقطة أساس إضافية في عام 2025 لتصل إلى 2.5% بحلول منتصف 2025.
وفي الولايات المتحدة، قام بنك الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس في سبتمبر 2024، أما في اليابان فقد تم رفع توقعات أسعار الفائدة مقارنة بتوقعات أبريل، وذلك بعد أن رفع بنك اليابان الفائدة في يوليو، ويُرجح أن يستمر هذا الاتجاه التصاعدي إلى أن تصل الفائدة إلى مستوى محايد عند حوالي 1.5%، بما يتناسب مع استقرار توقعات التضخم عند 2%.
وفيما يتعلق بالعجز المالي والدين العام في الولايات المتحدة، توقع الصندوق أن يتم تقليص العجز المالي بشكل طفيف ليبقى عند 6.1% في عام 2029، ومع السياسات الحالية يُتوقع أن يصل الدين العام الأمريكي إلى ما يقرب من 134% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029. في المقابل، من المرجح أن تستقر نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو عند حوالي 88% في عام 2024، مع وجود اختلافات بين الدول الأوروبية.
اقرأ أيضًا: هل تهيمن مجموعة بريكس على الاقتصاد العالمي؟
