طفرة نفط فنزويلا المرتقبة.. كندا في الواجهة

مضخة نفط وبراميل نفط مطلية بالعلم الكندي، للإشارة إلى التحديات التي يواجهها النفط الكندي في حال دخول النفط الفنزويلي إلى الأسواق الأمريكية.

سلّطت التطورات المتسارعة المرتبطة بملف نفط فنزويلا الضوء على تحولات أعمق في خريطة الطاقة العالمية، حيث تتقاطع مصالح الولايات المتحدة وكندا والصين بما قد يعيد رسم مسارات التجارة النفطية. كما تفتح هذه التطورات الباب أمام طفرة محتملة في إنتاج فنزويلا، مقابل سباق كندي محموم لفك الارتباط الجزئي عن السوق الأمريكية.

وفي هذا السياق، تعكس التحركات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب سعيًا واضحًا لتحرير النفط الفنزويلي من القيود والعقوبات، ليس بدافع إنساني أو سياسي بحت، بل في إطار حسابات اقتصادية تهدف إلى إعادة إدماج خام فنزويلا في السوق العالمية. هذا التوجه، إن تحقق، قد يغيّر موازين العرض في خليج المكسيك ويضغط مباشرة على صادرات النفط الكندي، نظرًا إلى التشابه الكبير بين الخام الفنزويلي والنفط الثقيل المستخرج من الرمال النفطية في كندا.

في المقابل، تتحرك كندا لتأمين بدائل استراتيجية، إذ بات واضحًا أن تطوير خطوط أنابيب جديدة لم يعد خيارًا طويل الأجل، بل ضرورة ملحّة. وتبرز هنا مقاطعة ألبرتا، حيث تقود دانييل سميث جهودًا مكثفة لدفع مشروعات قادرة على نقل ما يصل إلى مليون برميل يوميًا غربًا نحو ساحل كولومبيا البريطانية، تمهيدًا لتصديره إلى آسيا بدل الاكتفاء بالسوق الأمريكية.

لماذا تخشى كندا رفع العقوبات عن كاراكاس؟

حذّر روري جونستون، الباحث في مؤسسة Commodity Context، من أن رفع القيود عن النفط الفنزويلي سيجعل المنافسة مباشرة وأكثر حدّة، خصوصًا في ساحل خليج المكسيك، وأكَّد أن البراميل الفنزويلية، في حال تحررت من العقوبات، ستصل إلى المصافي الأمريكية بتكلفة أقل بكثير من النفط الكندي القادم من ألبرتا عبر مسافات شاسعة وشبكات نقل معقدة.

وتقع الرمال النفطية الكندية في أقصى شمال البلاد، على بُعد آلاف الكيلومترات من مراكز التكرير في جنوب الولايات المتحدة، وهو ما يجعل كلفة النقل عنصرًا ضاغطًا على تنافسية الخام الكندي، لهذا ترى سميث أن أي تأخير في إنشاء قنوات تصدير جديدة نحو الساحل الغربي سيجعل كندا أكثر هشاشة أمام أي انفراجة محتملة في ملف فنزويلا.

وفي منشور حديث لها، اعتبرت أن تطورات المشهد الفنزويلي تؤكد الحاجة العاجلة لتسريع مشاريع خطوط الأنابيب، بما يشمل خطوط إنتاج البيتومين بمشاركة مجتمعات السكان الأصليين، وامتدادها إلى الساحل الشمالي الغربي لكولومبيا البريطانية، بما يضمن تنويع الأسواق والوصول إلى آسيا.

اقرأ أيضًا: المعادن النادرة في فنزويلا.. بؤرة الصراع بين واشنطن وبكين

الهروب من فخ السوق الأمريكية نحو بوصلة آسيا

على مستوى السياسة الفيدرالية، حدّد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني هدفًا طموحًا يقضي بمضاعفة الصادرات الكندية غير الموجهة إلى الولايات المتحدة بحلول عام 2035، في خطوة تعكس رغبة واضحة في تقليص الاعتماد التاريخي على السوق الأمريكية.

وفي هذا الإطار، أزال كارني عددًا من العقبات التنظيمية التي كانت تعرقل إنشاء خطوط أنابيب جديدة نحو السواحل، رغم إقراره بأن تنفيذ هذه المشاريع سيستغرق سنوات. وخلال تصريحات له في باريس، رأى أن عودة النفط الفنزويلي إلى الأسواق العالمية قد تكون إيجابية لاستقرار نصف الكرة الغربي، لكنه شدّد في الوقت نفسه على أن النفط الكندي سيظل قادرًا على المنافسة بفضل انخفاض الانبعاثات وتحسين الكفاءة الإنتاجية، وهي عناصر تعمل حكومته على تعزيزها عبر تقنيات أكثر صرامة.

وأضاف أن كندا ترحب بازدهار قطاع الطاقة في فنزويلا، شرط ألا يأتي ذلك على حساب مساعيها لتنويع أسواق التصدير، مؤكدًا أن التوجه نحو آسيا يمثل منتجًا مختلفًا واستراتيجية ضرورية لضمان مرونة الاقتصاد.

خط أنابيب ترانس ماونتن… شريان استراتيجي تحت المجهر

في قلب هذا الجدل يقف خط أنابيب ترانس ماونتن، وهو الخط الوحيد حاليًا القادر على نقل النفط الكندي إلى الساحل الغربي للتصدير الخارجي، وتبلغ طاقته نحو 900 ألف برميل يوميًا، وهو رقم ضئيل مقارنةً بأكثر من 4 ملايين برميل يتم شحنها يوميًا إلى الولايات المتحدة، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة.

العام الماضي، ذهب نحو 70% من الخام الكندي إلى السوق الأمريكية، خصوصًا إلى مصافي ولايات مثل إنديانا وأوهايو التي تعتمد على النفط الثقيل. وفي الوقت نفسه، تخطط كندا لتعزيز خطوط النقل نحو ساحل الخليج الأمريكي لتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات القادمة من فنزويلا.

ووفقًا لـ بلومبرغ، يرى خبراء من بينهم تشارلز سانت أرنو من Servus Credit Union أن الاستثمار في الساحل الغربي هو الحل الأكثر واقعية لتقليل تعرّض كندا للصدمات الجيوسياسية المرتبطة بفنزويلا أو غيرها.

غير أن هذا التوجه لا يحظى بإجماع داخلي، إذ يرى المحافظون أن الحكومة الليبرالية بقيادة كارني تتحرك ببطء شديد. ودعا زعيم حزب المحافظين بيير بويلييفر إلى إلغاء القيود البيئية والتنظيمية التي تكبح توسّع قطاع النفط وخطوط الأنابيب، معتبرًا أن التأخير يهدد موقع كندا في سوق الطاقة العالمي.

في المقابل، يواجه مشروع الأنابيب الجديد انتقادات من حكومة كولومبيا البريطانية ومن بعض الوزراء الفيدراليين، من بينهم ستيفن غيلبو، الذين يشددون على ضرورة الموازنة بين التنمية الاقتصادية والاعتبارات البيئية.

قد يهمّك أيضًا: بعد اعتقال مادورو، هل كولومبيا والمكسيك هما الهدف التالي لترامب؟

الصين في المشهد.. كيف تستفيد من إعادة تشكيل خريطة الطاقة؟

قد تكون الصين الرابح الأكبر من إعادة تشكيل هذه الخريطة، فبحسب بيانات Vortexa، ذهب 64% من النفط الذي جرى نقله عبر خط ترانس ماونتن العام الماضي إلى الصين، في مؤشر واضح على تحول تدريجي في بوصلة الصادرات الكندية.

وأكد أليكسيناس -وهو فنزويلي يعمل في قطاع النفط بكندا- أن النفط الفنزويلي والكندي متشابهان من حيث الجودة، وأن عودة فنزويلا القوية إلى السوق خلال خمس أو عشر سنوات قد تشكل تحديًا مباشرًا للخام الكندي، خصوصًا إذا استعاد مستويات إنتاجه السابقة.

ويقدّر أليكسيناس أن فنزويلا كانت قادرة على إنتاج نحو مليون برميل يوميًا قبل سنوات، مع إمكانية مضاعفة هذا الرقم إذا توافرت الاستثمارات والاستقرار.

وتم استكمال تطوير خط ترانس ماونتن خلال فترة رئاسة جاستن ترودو، وكان الهدف منه تقليص الفجوة السعرية بين الخام الكندي الثقيل وأنواع النفط المرجعية. ويرى سانت أرنو أن إضافة مزيد من خطوط الطاقة سيحول دون اتساع هذه الفجوة حتى في فترات التقلب الموسمي، بما يضمن حصول كندا على أسعار أفضل.

اقرأ أيضًا: هل تؤثر أحداث فنزويلا على أسواق النفط والذهب؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

ابق على اطلاع بآخر الأخبار والتحديثات من Economy Pedia من خلال الاشتراك في النشرة الإخبارية لدينا!

اشترك الآن

Discover more from Economypedia

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading