تشهد إيران واحدة من أوسع موجات الاحتجاجات منذ سنوات، بعدما امتدت التظاهرات إلى مختلف المحافظات الإيرانية، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد في ظل حكم الجمهورية الإسلامية.
وجاءت هذه الاحتجاجات على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية بصورة غير مسبوقة، ما فرض ضغوطًا متزايدة على النظام الحاكم، ودفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة، شملت قطع الإنترنت وشبكات الهاتف المحمول، في محاولة للحد من انتشار الاحتجاجات والسيطرة على تدفق المعلومات.
وتأتي هذه التطورات بينما لا تزال طهران تعاني من تداعيات تصعيد عسكري خطير شهدته المنطقة خلال يونيو الماضي، حين اندلعت حرب استمرت 12 يومًا مع إسرائيل، تخللتها ضربات أمريكية استهدفت مواقع نووية داخل إيران؛ حيث ساهم هذا التصعيد في تعميق حالة عدم الاستقرار، وزيادة عزلة البلاد سياسيًا واقتصاديًا، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني أصلًا من ضغوط هيكلية ممتدة.
جذور الأزمة الاقتصادية في إيران
تفاقمت الأزمة الاقتصادية بشكل لافت منذ سبتمبر الماضي، عقب إعادة فرض عقوبات دولية مشددة على إيران بسبب برنامجها النووي، ما أدى إلى انهيار حاد في قيمة العملة المحلية؛ حيث تجاوز سعر صرف الريال الإيراني مستوى 1.4 مليون ريال مقابل الدولار الواحد، في سابقة تعكس حجم التدهور النقدي وفقدان الثقة في الاقتصاد، وانعكس هذا الانهيار مباشرة على مستويات المعيشة، مع ارتفاع حاد في أسعار الغذاء والسلع الأساسية، وتراجع القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المواطنين.
في هذا السياق المتأزم، اكتسبت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدًا جديدًا، إذ حذر من أن الولايات المتحدة “ستتدخل” إذا لجأت السلطات الإيرانية إلى “قتل المتظاهرين السلميين بعنف”، وأكد أن واشنطن تراقب الوضع من كثب، معتبرًا أن أي تكرار لما وصفه بانتهاكات سابقة قد يعرّض إيران “لضربة قوية جدًا”.
وبحسب بيانات متداولة من جهات حقوقية، فقد شهدت إيران أكثر من 500 احتجاج في جميع المحافظات الـ31 حتى صباح السبت، وأسفرت الاضطرابات عن سقوط ما لا يقل عن 65 قتيلًا، إلى جانب أكثر من 2300 حالة اعتقال، ورغم شح المعلومات الرسمية، فإن هذه الأرقام تعطي مؤشرًا على اتساع رقعة الغضب الشعبي. في المقابل، تفرض القيود الأمنية وقطع الإنترنت صعوبات كبيرة أمام الصحفيين والنشطاء في توثيق الحجم الحقيقي للاحتجاجات ونقل صورة دقيقة لما يجري على الأرض.
ورغم تصريحات المرشد الأعلى علي خامنئي، التي توعّد فيها بـ“وضع مثيري الشغب في مكانهم”، لا تبدو الاحتجاجات في طريقها إلى الانحسار، حيث يرى مراقبون أن أسباب الغضب الشعبي أعمق من أن يجري احتواؤها بإجراءات أمنية فقط، إذ إنّها تتصل بجذور اقتصادية واجتماعية تراكمت على مدى سنوات.
اقرأ أيضًا: انهيار غير مسبوق للريال الإيراني وسط ضغوط داخلية وخارجية
أسباب تصاعد الاحتجاجات في إيران
أرجعت الدكتورة شيماء وجيه، الخبيرة الاقتصادية، تصاعد احتجاجات إيران إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الانهيار الحاد للعملة وارتفاع معدل التضخم إلى قرابة 40% سنويًا، فضلًا عن الزيادات المتتالية في أسعار الغذاء والوقود، وقد زادت حدة الضغوط المعيشية بعد إدخال شريحة تسعير جديدة للبنزين المدعوم، مع توقع زيادات إضافية في إطار خطة لمراجعة الأسعار كل ثلاثة أشهر، وهو ما أثار مخاوف واسعة من موجات تضخم جديدة.
كما ساهم قرار البنك المركزي الإيراني بإلغاء سعر الصرف التفضيلي لمعظم السلع، باستثناء الأدوية والقمح، في إشعال الغضب الشعبي، بعدما أدى إلى قفزات مفاجئة في أسعار سلع أساسية مثل زيت الطهي والدجاج، واختفاء بعض المنتجات من الأسواق، وأجبر العديد من التجار على رفع الأسعار أو إغلاق متاجرهم، ما شكل الشرارة المباشرة لاندلاع الاحتجاجات.
ووفقًا للخبيرة، بدأت التحركات الاحتجاجية أواخر ديسمبر من تجمعات داخل بازارات طهران بدوافع اقتصادية بحتة، قبل أن تتحول سريعًا إلى هتافات سياسية مناهضة للحكومة. ويأتي ذلك في سياق غضب تراكمي يعود إلى سنوات، خاصة منذ وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها عام 2022، وهو الحدث الذي سبب آنذاك موجة احتجاجات واسعة، لم تنجح السلطات في احتواء آثارها بالكامل.
من جهتها، ترى الخبيرة الاقتصادية أن تفشي الفساد وسوء إدارة الموارد، إلى جانب الأزمات البيئية مثل شح المياه وتدهور البنية التحتية، وجمود القيادة السياسية، وضع الحكومة الإيرانية في مأزق داخلي عميق. وقد زادت العقوبات الدولية واحتمالات التصعيد العسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل من تعقيد المشهد، ما خلق حالة قلق متزايدة داخل مؤسسات الدولة والمجتمع على حد سواء.
اقرأ المزيد حول احتجاجات إيران.. وسط أزمة اقتصادية خانقة وتحذيرات أمريكية
المصالح الاقتصادية للصين وروسيا في إيران
في السياق ذاته، قال الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، إن إيران تمر بمرحلة فارقة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية مع الاحتقان الاجتماعي والتجاذبات السياسية، في ظل نظام يواجه عقوبات خانقة وتراجعًا حادًا في قيمة العملة وارتفاعًا متسارعًا في معدلات التضخم، وهي عوامل مجتمعة تُضعف قدرة الدولة على امتصاص الصدمات الداخلية.
وأوضح أن خطورة المشهد لا تقتصر على الداخل الإيراني، بل تمتد إلى استغلال القوى الخارجية لهذه الهشاشة في إعادة صياغة موازين القوة الإقليمية، خاصة عبر الملف النووي. وأضاف أن حسابات القوى الكبرى تختلف في جوهرها، حيث تنظر الصين مثلًا إلى إيران من زاوية المصالح الاقتصادية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد، أكثر من أي اعتبارات أيديولوجية.
ومن ناحية أخرى، أشار العسيلي إلى أنَّ مضيق هرمز يمثل شريانًا استراتيجيًا يمر عبره يوميًا ما بين 20 و21 مليون برميل نفط، أي نحو 20% من الاستهلاك العالمي وقرابة ثلث تجارة النفط المنقولة بحرًا، فضلًا عن حصة مؤثرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، وأي اضطراب واسع في هذا الممر قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة تتراوح بين 15 و30% على المدى القصير، وقد يدفع الأسعار عالميًا إلى تجاوز 100 دولار للبرميل في حال إغلاق فعلي أو تهديد مستدام للملاحة.
وأوضح العسيلي أن اهتمام بكين باحتواء التصعيد يرتبط أساسًا بضمان انسياب التجارة عبر مضيق هرمز، بينما ترى روسيا، رغم انشغالها بالحرب في أوكرانيا، في إيران ورقة جيوسياسية لموازنة النفوذ الأمريكي، لكنها تفتقر إلى القدرة على خوض مواجهة مباشرة، ما يجعل دعمها سياسيًا واستراتيجيًا أكثر منه عسكريًا مباشرًا.
وأشار إلى أن المناورات الإيرانية–الصينية–الروسية تحمل رسالة ردع سياسية مفادها أن طهران ليست معزولة، مرجحًا في الوقت نفسه سيناريو تصعيد محسوب دون اندلاع حرب شاملة، عبر ضغوط اقتصادية مركبة، أو عمليات بالوكالة، أو هجمات سيبرانية.
تداعيات إقليمية: كيف يتأثر الاقتصاد المصري باضطرابات الطاقة؟
فيما يتعلق بالتداعيات على مصر، أكد العسيلي أن القاهرة ليست بمنأى عما يجري، وأن أي اضطراب محتمل في مضيق هرمز قد ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، موضحًا أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 20% قد يضيف ما بين 1 و1.5% إلى معدل التضخم خلال عدة أشهر، فضلًا عن ضغوط على فاتورة الاستيراد وتكاليف النقل والكهرباء.
كما أشار إلى أنّ تعطل تدفقات الطاقة قد يُعيد توجيه بعض حركة الشحن نحو مسارات أكثر أمنًا، ما قد يزيد الطلب على المرور عبر قناة السويس بصورة غير مستقرة، مع احتمالات لمكاسب محدودة أو خسائر تبعًا لتباطؤ التجارة العالمية وارتفاع تكاليف الشحن.
واختتم الخبير الاقتصادي بالتأكيد على أن ما يجري في إيران يتجاوز حدودها، ويمثل اختبارًا واسعًا لتوازنات القوة العالمية، مرجحًا استمرار التصعيد المحسوب دون انفجار شامل، ومشددًا على أن مصر مطالبة بأقصى درجات اليقظة الاقتصادية والاستراتيجية، والتحوط ضد صدمات الطاقة، وتعظيم دورها الدبلوماسي كقوة توازن إقليمي في مرحلة دقيقة قد تشهد إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة والعالم.
قد يهمّك أيضًا: الأوضاع في إيران تتفاقم.. أزمة اقتصادية واستقالات تعصف بالحكومة








