العملات المشفرة في 2025.. صعود يبتلعه التقلب

سوق العملات المشفرة 2025.

اقترب عام 2025 من نهايته فيما كانت سوق الأصول الرقمية قد محت نحو تريليون دولار من قيمتها خلال الأشهر الأخيرة، في تراجعٍ جاء بعد موجة تفاؤل واسعة غذاها نهج دونالد ترامب المؤيد للعملات المشفرة، لكن المفارقة أن هذا الانكماش الكبير في القيمة السوقية حدث رغم تسجيل بيتكوين أعلى مستوى تاريخي لها عند 126 ألف دولار في 6 أكتوبر، قبل أن تتبدل المعنويات سريعًا وتتحول ذروة الأسعار إلى نقطة انعطاف دراماتيكية في مسار العام، بحسب صحيفة الجارديان.

الأسواق تعاملت مع 2025 بوصفه عامًا صاعدًا في العناوين، لكنه شديد القسوة في الدروس، فالمكاسب كانت كبيرة ومبهرة في لحظات محددة، ثم انقلبت إلى اختبار مباشر لقدرة السوق على الصمود أمام صدمات كلية تتجاوز الحماسة السياسية. وبينما رأت الصناعة في عودة ترامب إلى البيت الأبيض رئيسًا مؤيدًا لبيتكوين كما وعد خلال حملته، أثبتت الأسابيع التالية أن السياسة الداعمة وحدها لا تكفي عندما تصبح التعريفات الجمركية والسياسة النقدية المتشددة والرافعة المالية عوامل هيمنة على تسعير المخاطر.

صدمة 12 أكتوبر.. تعريفات تشعل أكبر تصفية

لم تستقر ذروة بيتكوين طويلًا، فبعد أيام فقط من تسجيل القمة تلقَّت سوق العملات المشفرة صدمة في 12 أكتوبر، عقب إعلان ترامب فرض تعريفات جمركية بنسبة 100% على الصين، فالإعلان أرسل موجات عبر الأسواق، ولم يعامل بوصفه خبرًا تجاريًا معزولًا، بل بوصفه إشارة على احتمال اتساع التوترات الكلية وعودة سيناريوهات العزوف عن المخاطر.

وخلال 24 ساعة، شهدت سوق العملات المشفرة تصفية مراكز بقيمة 19 مليار دولار عبر التصفية القسرية، وهو ما وصف بأنه أكبر حدث تصفية مسجل، ولم يكن هذا الرقم مجرد حصيلة تقنية لمراكز ممولة بالهامش، بل ترجمة مكثفة لهشاشة بنية المراهنات عندما ترتفع الرافعة المالية في سوق حساس للسرديات، سريع الاستجابة للصدمة، ومعرّض لدوامة بيعٍ إجباري تجر معها تسعيرًا جديدًا للمخاطر.

اقرأ المزيد: تصعيد ترامب ضد الصين يضرب سوق الكريبتو

إيثريوم يتراجع 40.. وعدوى الخسائر تمتد

ما بعد 12 أكتوبر لم يتوقف عند بيتكوين، حيث إنَّ إيثريوم -ثاني أكبر عملة مشفرة من حيث القيمة السوقية- تعرضت لهبوط بنحو 40% خلال الشهر التالي، في إشارة إلى أن التصحيح لم يكن محصورا في أصلٍ واحد، بل أصاب المزاج العام للسوق.

وامتدت التداعيات أيضًا إلى كيانات مرتبطة بالصناعة، فشركة العملات المشفرة التابعة لإريك ترامب سجَّلت هبوطًا مماثلا في قيمتها خلال ديسمبر، في واحد من أكثر مؤشرات العام دلالة على أنه حتى الأسماء المحسوبة سياسيًا على الإدارة الداعمة، لم تكن محصنة من موجة إعادة التسعير عندما تتحكم العوامل الكلية في اتجاهات السيولة وشهية المخاطر.

اقرأ أيضًا: هبوط أسعار العملات المشفرة يمحو نحو مليار دولار من ثروة عائلة ترامب

البيت الأبيض \”يؤيد\”.. لكن السوق يختبر ما هو أقوى

في مطلع ولايته الثانية، قدّم دونالد ترامب لقطاع العملات المشفّرة ما كان ينتظره سياسيًا، عبر إصدار أمر تنفيذي ألغى قيودًا تنظيمية سابقة، وطرح إطارًا أكثر مرونة لتنظيم الأصول الرقمية، إلى جانب إنشاء فريق عمل رئاسي مختص بالأصول الرقمية لتنسيق السياسات ذات الصلة. ونصّ الأمر على أن صناعة الأصول الرقمية تؤدي دورًا محوريًا في الابتكار والتنمية الاقتصادية في الولايات المتحدة وتعزيز مكانتها القيادية عالميًا، وهو ما كرّس العملات المشفّرة كعنصر أساسي في صلب السياسة الأمريكية.

هذا السرد السياسي كان كفيلًا بإعادة إشعال التفاؤل، وفي مارس، أعلن ترامب إنشاء احتياطي إستراتيجي للعملات المشفرة، فاشتعلت موجة صعود بلغت 62% في أسعار 3 من أصل 5 عملات أُدرجت ضمن الاحتياطي، وارتفعت بيتكوين بنسبة 10% إلى 94,164 دولارًا خلال ساعات من الإعلان، غير أن هذه القفزات -على قوتها- لم تمنع انقلاب المشهد لاحقًا، فالتجربة نفسها صارت برهانًا على أنّ السوق يمكن أن يستجيب بقوة للإشارات المؤيدة، ثم يتراجع بقوة أكبر عندما تتغير شروط المخاطرة على مستوى الاقتصاد الكلي.

الأصول المخاطرة.. كيف تسعر الكريبتو الثقة والخوف؟

تضع رايتشل لوكاس، رئيسة التسويق والاتصالات في BTC Markets، تفسيرًا مباشرًا لطبيعة هذا السوق: \”العملات المشفرة شديدة الحساسية للسرديات ولمستوى الثقة في الأسواق العالمية، وهي تصنف ضمن أصل مخاطر\”، أي أصل يحقق أداء أفضل عندما يشعر المستثمرون بالثقة في الاقتصاد ويقبلون على مخاطرة أعلى.

هذا التوصيف يشرح لماذا لم تكف السياسة المؤيدة وحدها لحماية المكاسب، فبحسب لوكاس؛ قد تكون إدارة ترامب داعمة للكريبتو، لكن التعريفات الجمركية والسياسة النقدية المتشددة تتفوق على الإشارات الإيجابية، وتضيف أنَّ ذلك تذكير -خاصة لمن في سوق الكريبتو- بأن العوامل الكلية أهم من المواقف السياسية.

وبعبارة أخرى، السوق لم يسعر ترامب فقط، بل سعر \”ترامب + تعريفات + سياسة نقدية + سيولة + شهية مخاطر\”، وعندما مالت الكفة للعوامل الكلية، انحنى منحنى المكاسب حتى لو ظل الخطاب السياسي داعمًا.

نوفمبر.. أكبر هبوط لبيتكوين منذ 2021

في نوفمبر، سجَّلت بيتكوين أكبر هبوط لها منذ 2021، لتتراجع إلى ما دون 81 ألف دولار، ورغم أنها استعادت جزءًا من خسائرها في الأسابيع التالية، دخلت ديسمبر بموجة هبوط جديدة، متراجعة 6% بعد أن خفضت شركة \”ستراتيجي\”، المعروفة بأنها أكبر جهة مدرجة بحيازة بيتكوين، توقعات أرباحها بسبب تراجع أسعار العملات المشفرة.

وبينما كانت بيتكوين تتداول قرب 90 ألف دولار -أعلى من مستويات سنوات سابقة- فإنها بقيت أدنى كثيرًا من قمتها التاريخية عند 126 ألف دولار، وهذه المسافة بين القمة والسعر اللاحق لخصت تناقض 2025؛ فالمكاسب كانت ممكنة وسريعة، لكن الثبات عند القمم لم يكن مضمونًا.

\”أمريكان بيتكوين كورب\”.. مليار دولار تتآكل في أيام

خلال الأيام الأولى من ديسمبر 2025، فقدت شركة إريك ترامب للعملات المشفرة \”American Bitcoin Corp\” نحو 40% من قيمتها، أي قرابة مليار دولار، ومع ذلك ظهر وريث عائلة ترامب بموقف متفائل، معلنًا أنه سيصمد أمام التراجع.

هذه الواقعة قدمت قراءة مزدوجة؛ فهي من جهة تذكير بأن الارتباط الرمزي بالسياسة لا يمنح حماية من تقلبات السوق، ومن جهة أخرى إبراز لطبيعة الكريبتو بوصفه سوقًا تصاغ فيه الثقة عبر السرديات، حتى عندما تشير الأرقام إلى خسارة حادة في القيمة.

اقرأ أيضًا: البيتكوين بين ضغوط التصفية وإشارات الصعود

شبح شتاء الكريبتو.. هل تعود سنوات الركود؟

مع التراجع، تصاعدت مخاوف دخول الصناعة ما يعرف بـ \”شتاء الكريبتو\”، وهي فترة ممتدة من الركود أو الخسائر، والذاكرة القريبة للسوق تستحضر شتاء سابقًا امتد من نهاية 2021 حتى 2023، حين حوكم وأُدين سام بانكمان-فرايد مالك FTX التي انهارت في 2022.

خلال تلك السنوات هبطت بيتكوين بنحو 70% من قيمتها، لكن 2025 لم يقدم حكمًا نهائيًا على عودة الشتاء بقدر ما قدم شروطه المحتملة؛ وهي تراجع بعد قمة تاريخية، وتصفيات قياسية، وانتقال سريع من المخاطرة إلى العزوف عن المخاطرة، وأحاديث عن تفكك رهانات خزائن الشركات، وهذه عناصر -وفق منطق السوق نفسه- تكفي لإطلاق نقاشات الشتاء، حتى لو بقيت الصورة النهائية غير محسومة.

لماذا حدث الانهيار؟

يرى كريستيان كاتاليني، مؤسس \”MIT Cryptoeconomics Lab\”، أن موجة التراجع الحالية تظهر أن الإدارة المحابية للكريبتو لم تكن كافية لإعادة \”هوس الأفراد\” في 2021.

الأهم في تحليله أنه لا يقرأ ما حدث باعتباره مجرد تبدل مزاج، بل تصادم ثلاثة عوامل بنيوية، هي: ارتدادات تصفية رافعة مالية بقيمة 19 مليار دولار في أكتوبر، وهو ما ضاعف أثر الصدمة عبر إغلاق مراكز ممولة بالهامش، والتحول نحو الملاذات الآمنة بسبب توترات التعريفات بين الولايات المتحدة والصين، بما يعيد تسعير المخاطر على نطاق واسع، بالإضافة إلى احتمال تفكك تجارة خزائن الشركات، أي الرهان الذي تقوم به شركات عبر تراكم بيتكوين ضمن ميزانياتها.

هذا التحليل يضع مكاسب 2025 في إطارٍ أكثر صرامة؛ فالمكاسب لا تُقاس فقط بنقطة القمة، بل أيضًا بقدرة البنية السوقية على تحمل الرافعة المالية، وبمدى صلابة الطلب عندما يتغير اتجاه السيولة، وبما إذا كانت رهانات الشركات تظل قائمة أم تتراجع تحت ضغط التقلب.

الذكاء الاصطناعي.. ارتباط غير مباشر عبر المُعدنين

تضيف لوكاس عامل ضغط إضافيًا على سوق العملات المشفّرة، يتمثل في تراجع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها \”إنفيديا\”، وتشرح هذا الارتباط من زاوية عملية؛ فهي ترى أن أحد أسباب تزامن حركة بيتكوين مع دورة الذكاء الاصطناعي يعود إلى أن عددًا متزايدًا من مُعدّني بيتكوين بدأوا بتوجيه قدراتهم التشغيلية نحو مراكز بيانات جديدة، ما جعل الأصول المشفّرة تتجاوز كونها «أصولًا تقنية بحتة».

هؤلاء المُعدّنون باتوا مرتبطين أيضًا بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يسمح بانتقال المزاج السلبي في هذا القطاع إلى سوق الكريبتو عبر قنوات الاستثمار، والتقييمات، وتوقعات العوائد.

وفي هذا السياق، يتسع إطار قراءة عام 2025 ليشمل أكثر من مجرد تعريفات جمركية أو إشارات سياسية، إذ يبرز تداخل متزايد بين قطاعات تقنية مختلفة يُعاد تسعيرها في الوقت ذاته، ما يجعل سوق العملات المشفّرة أكثر عرضة لتقلبات تنشأ من خارجها، لا من داخل بنيتها الخاصة.

تفاؤل مؤسسي.. لن تصل إلى الصفر

على الرغم من المخاوف، عبّر لاعبون بارزون عن تفاؤل طويل الأجل خلال مؤتمرٍ لصحيفة \”The New York Times\”، بينهم لاري فينك الرئيس التنفيذي لشركة \”BlackRock\”، وبراين أرمسترونغ، الشريك المؤسس لمنصة \”Coinbase\”.

من جهته، قال أرمسترونغ إنه \”لا فرصة\” لوصول سعر بيتكوين إلى الصفر، بل إن 2025 سيُنظر إليه بوصفه العام \”الذي انتقل فيه الكريبتو من سوق رمادية إلى مؤسسة مضيئة وواضحة\”.

أما فينك فقال إن شركته رصدت \”مستثمرين طويلي الأجل شرعيين\” يشترون العملة، بما في ذلك صناديق ثروة سيادية، وهذه الشهادة لا تلغي التقلب لكنَّها تعيد ترتيب قراءة المكاسب، فمكاسب 2025 ليست فقط ارتفاعات سعرية، بل أيضًا توسع في نوعية المشترين واللغة التي تصف السوق من \”هامش رمادي\” إلى \”مؤسسة واضحة القواعد\” وفق تعبير أرمسترونغ.

دورة الأربع سنوات.. سوق هابط لكن ليس انهيارا

تؤكد لوكاس أن هبوط الأسعار الحالي لا يتعارض مع دورات بيتكوين التقليدية التي تُقاس غالبًا على أربع سنوات، وهي غير قلقة من دخول \”شتاء\” أكثر امتداداً، وفي تقييمها إذا نُظر إلى السوق من منظور الدورة التقليدية، فإن السوق \”تقنيًا\” في سوق هابطة.

ومع ذلك، فهي ترى أن قدرة بيتكوين على الحفاظ على سعر فوق 80 ألف دولار -رغم كل الضغوط الكلية- تظل نقطة صمود مهمة في سياق العام، وهذا التقييم يعيد تعريف مكاسب 2025 مرة أخرى، على أنها ليست مكاسب بلا ثمن، وليست انهيارًا شاملًا، بل سنة كشفت حجم القابلية للتقلب.

اقرأ أيضًا: مستقبل العملات المشفرة 2026.. لماذا تراهن “سيتي” على قفزة البيتكوين؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

ابق على اطلاع بآخر الأخبار والتحديثات من Economy Pedia من خلال الاشتراك في النشرة الإخبارية لدينا!

اشترك الآن

Discover more from Economypedia

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading