انهيار غير مسبوق للريال الإيراني وسط ضغوط داخلية وخارجية

مجموعة أوراق نقدية من فئة الريال الإيراني.

سجّل الريال الإيراني تراجعًا قياسيًا غير مسبوق، لامس أدنى مستوياته التاريخية أمام الدولار والعملات الأجنبية، في تطور يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي تمر بها إيران وسط ضغوط نقدية متصاعدة وتشابكات سياسية معقدة.

وفي هذا السياق، قال الدكتور هاني حافظ، الخبير الاقتصادي، إن الهبوط الحاد الذي سجله الريال الإيراني إلى أدنى مستوى في تاريخه يعكس حالة اختناق اقتصادي متراكمة، وليس تطورًا طارئًا أو مفاجئًا، مشيرًا إلى أن ما يجري اليوم هو نتيجة مباشرة لمسار طويل من السياسات الاقتصادية والضغوط الخارجية التي تفاعلت معًا بشكل سلبي على مدار سنوات.

ارتباك سوق النقد الأجنبي

أوضح حافظ أن امتناع محلات الصرافة عن إعلان الأسعار، مقابل التزام البنوك بالأسعار الرسمية الصادرة عن البنك المركزي الإيراني، يعكس حالة ارتباك واضحة داخل سوق النقد الأجنبي، ويؤكد وجود فجوة متزايدة بين السعر الرسمي وسعر السوق الحرة، وهي فجوة لا يمكن السيطرة عليها بالإجراءات الإدارية وحدها، وأضاف أن هذه الحالة تشير إلى تآكل الثقة في العملة المحلية، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة في سياق أزمتها النقدية.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن قرار الحكومة الإيرانية إتاحة الاعتماد على سوق الصرف الحرة في تمويل واردات السلع الأساسية شكّل نقطة ضغط إضافية على الطلب على الدولار، ما أدى إلى تسارع وتيرة تراجع الريال، خاصة في ظل محدودية المعروض من العملات الأجنبية. ولفت إلى أن هذا التوجه، رغم كونه محاولة لتخفيف أعباء الاستيراد، إلا أنه جاء في توقيت شديد الحساسية، ومع اقتصاد يعاني أصلًا من اختلالات هيكلية عميقة.

وأكد حافظ أن العقوبات الأمريكية المستمرة، إلى جانب غياب أي أفق حقيقي لإحياء المفاوضات النووية أو تحقيق تقدم في التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لعبت دورًا محوريًا في تعميق أزمة العملة، موضحًا أن الأسواق بطبيعتها تتفاعل مع التوقعات المستقبلية بقدر تفاعلها مع الواقع الراهن.

هشاشة البنية الاقتصادية الإيرانية

أشار حافظ إلى أن التراجع الحالي يعيد إلى الأذهان مسار الانخفاض الذي بدأ قبل نحو سبع سنوات، عندما كان سعر الدولار في حدود 180 ألف ريال، وذلك عقب انسحاب الإدارة الأمريكية الأولى للرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي، وأوضح أن هذا المسار لم يتوقف منذ ذلك الحين، بل تعمّق مع تعثر المفاوضات النووية، والتوترات الإقليمية المتصاعدة، وصولًا إلى تسارع الانهيار بعد تفعيل آلية الزناد وعودة العقوبات الدولية في سبتمبر الماضي، وهو ما دفع الريال إلى مستويات غير مسبوقة.

وأضاف أن الحكومة الإيرانية بدت عاجزة عن كبح هذا التدهور، حيث انحصرت أدواتها في ضخ محدود للعملة الأجنبية والضغط على الصرافين، وهي إجراءات -وصفها حافظ- بأنها قصيرة الأجل ولا تعالج جوهر الأزمة، فالمشكلة الأساسية تكمن في البنية التحتية للاقتصاد الإيراني نفسه، والتي ازدادت هشاشة بمرور الوقت، ورفع العقوبات إن حدث لن يكون كافيًا وحده لإنهاء الأزمة ما لم يتم تنفيذ إصلاحات جذرية وعميقة.

اقرأ أيضًا: هل تغيّر إيران موقفها؟ تصريح رسمي يرحّب بالمستثمرين الأمريكيين

التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة

حذَّر الخبير الاقتصادي من أن استمرار انهيار الريال ينعكس مباشرة على مستويات المعيشة، موضحًا أن كل موجة تراجع جديدة للعملة تترجم فورًا إلى ارتفاع في أسعار السلع الأساسية، بدءًا من البقوليات والخضروات، مرورًا باللحوم، وصولًا إلى الأدوية، وأشار إلى أن التضخم تجاوز 40% وفقًا لبيانات مركز الإحصاء الإيراني، في حين بلغ تضخم المواد الغذائية نحو 66%، وهو مستوى يعكس أزمة معيشية حادة تمس حياة المواطنين اليومية.

ولفت حافظ إلى أن المؤشرات الميدانية في الأسواق الشعبية بطهران تعد أكثر دلالة من شاشات أسعار الصرف، موضحًا أن تراجع الإقبال على شراء الذهب في مناسبات اجتماعية، مثل يوم الأم، يعكس تآكل القدرة الشرائية للأسر، حيث باتت الأولويات تتركز على تأمين الاحتياجات الأساسية فقط، وفراغ الأسواق من الزبائن هو مؤشر صريح على عمق الأزمة، بغض النظر عن الأرقام الرسمية.

واختتم الدكتور هاني حافظ تصريحاته بالتأكيد على أن الأزمة الحالية في إيران هي أزمة اقتصادية مركّبة ذات أبعاد سياسية ونقدية واجتماعية، محذرًا من أن استمرار التعامل معها بعقلية الحلول المؤقتة سيؤدي إلى مزيد من التدهور، مشددًا على أن استعادة الاستقرار النقدي تتطلب إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد، وبناء ثقة حقيقية في السياسات المالية والنقدية، قبل أي حديث عن تعافٍ محتمل.

الذهب كملاذ آمن وتأثيره على السيولة

من جهته، قال الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، إن التراجع القياسي الذي تشهده العملة الإيرانية خلال الفترة الأخيرة لا يمكن عزله عن مجموعة معقدة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الضغوط التضخمية المتصاعدة، والتحولات الجارية في أسواق الذهب الإقليمية، إلى جانب التعقيدات السياسية المرتبطة بالملف النووي الإيراني.

وأوضح شوقي أن توجه عدد كبير من دول المنطقة خلال المرحلة الراهنة إلى زيادة حيازاتها من الذهب أسهم في سحب جزء من السيولة بعيدًا عن العملات المحلية، وهو ما انعكس سلبًا على التومان والريال الإيراني، خاصة في ظل ضعف الثقة النقدية وارتفاع الطلب على الأصول الآمنة كملاذ للتحوط من المخاطر.

وأشار إلى أن التضخم المالي داخل إيران يمثل عاملًا ضاغطًا رئيسيًا، حيث تعاني الأسواق من ارتفاعات متتالية في الأسعار، ما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للعملة المحلية، ويضعف قدرتها على الصمود أمام العملات الأجنبية، لافتًا إلى أن هذا التضخم لا يُعد ظرفيًا، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من اختلالات هيكلية في السياسة النقدية والمالية.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن تعثر المفاوضات بين إيران والغرب بشأن الملف النووي يلعب دورًا مباشرًا في تعميق أزمة العملة، إذ يؤدي استمرار حالة عدم اليقين السياسي إلى تقليص تدفقات الاستثمار، وزيادة الضغوط على سوق الصرف، وارتفاع تكلفة التعاملات الخارجية، وهو ما ينعكس سريعًا على سعر العملة المحلية.

سياسات التحرير الاقتصادي وتداعياتها قصيرة الأجل

أكد الدكتور أحمد شوقي أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإيرانية مؤخرًا، والتي شملت تحريرًا واسعًا للأسعار وتخفيف القيود على الاستيراد، ساهمت في تفاقم الضغوط التضخمية على المدى القصير، موضحًا أن تحرير الأسعار في بيئة تعاني أصلًا من ضعف الدخل وارتفاع التكاليف يؤدي بطبيعته إلى صدمة سعرية حادة.

وأشار إلى أن الحكومة الإيرانية تراهن في المقابل على مشروعات استراتيجية كبرى، من بينها الممر الشمالي–الجنوبي، وعلى تطورات قطاع الطاقة في المنطقة، باعتبارها محركات مستقبلية للنمو، إلا أن عوائد هذه المشروعات لن تظهر سريعًا، في حين تتحمل العملة والمواطن العبء الأكبر في المرحلة الانتقالية.

وأكد شوقي أن هذه السياسات قد تكون صحيحة من حيث التوجه الإصلاحي النظري، لكن جرى تنفيذها في توقيت شديد الحساسية، وفي ظل ظروف اقتصادية واجتماعية ضاغطة، ما يجعل آثارها السلبية أكثر وضوحًا على المدى القصير، خاصة على سعر العملة ومستويات المعيشة.

الرهانات الحكومية والتحدي الاجتماعي

شدد الخبير الاقتصادي على أن التراجع القياسي للعملة ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، حيث يواجه قطاع واسع من المجتمع صعوبات متزايدة في تلبية الاحتياجات الأساسية، نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع الدخول الحقيقية، ما يفرض ضغوطًا واضحة على الجبهة الاجتماعية.

وأوضح أن الحكومة الإيرانية تحاول احتواء هذه التداعيات عبر رسائل رسمية تؤكد تحسن المؤشرات الاقتصادية على المدى المتوسط، إلا أن الشارع يقيس الأوضاع بواقع الأسعار والدخل، وليس بالخطط المستقبلية، وهو ما يجعل التحدي الاجتماعي حاضرًا بقوة.

واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن تجاوز أزمة العملة الإيرانية يتطلب مسارًا متكاملًا يشمل تهدئة سياسية خارجية، وإصلاحًا نقديًا أكثر توازنًا، وسياسات اجتماعية موازية تخفف من أثر الصدمات الاقتصادية على المواطنين، محذرًا من أن استمرار الضغوط الحالية دون حلول شاملة قد يؤدي إلى مزيد من التآكل في قيمة العملة وثقة الأسواق.

قد يهمّك أيضًا: الأوضاع في إيران تتفاقم.. أزمة اقتصادية واستقالات تعصف بالحكومة

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

ابق على اطلاع بآخر الأخبار والتحديثات من Economy Pedia من خلال الاشتراك في النشرة الإخبارية لدينا!

اشترك الآن

Discover more from Economypedia

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading